|
|
الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> انطباعات أوروبية لامرأة تركية من عام 1913 |
||||
|
انطباعات أوربية لامرأة تركية من عام 1913
وآخر رسالة كانت وهي تشاهد اسطنبول تلوح بالأفق من على
السفينة، سعيدة بعودتها لبلدها وغير آسفة على تلك البلاد التي خلفتها
وراءها... ست سنوات وهي مقدار رحلتها هذه، جعلتها تكتشف كم هي محظوظة
لكونها امرأة تركية...
زينب كانت امرأة مثقفة تتحدث أكثر من لغة، فالرسائل مكتوبة
بالانكليزية ابتداء، وكانت على اطلاع على آداب الغرب وشعرائه وفنونه ولذلك
اهتمت في البحث عن هذه الأمور في زوايا أوربا واهتمت
بزيارة الأوبرا التي كانت حلما لها، وتحدثت عن
مقارنات ممتعة بين فنون وآداب كل من العالمين، حتى زارت قبور
شعرائهم، وحينها لم تسلم حتى المقابر من مقارناتها، فتحدثت عن الأنس في
مقابر تركيا في مقابل الوحشة المقبضة في مقابر أوروبا... في تأملاتها
الكثير من العمق وبعد النظر وشجن المتوحد والشاعرية الشفيفة، وفيها نقد
لاذع لإشكالات وأخطاء في كل من الشرق والغرب
وخاصة فيما يتعلق بالأنظمة في كليهما، مع
ترجيحها لكفة فضائل الناس في الشرق، فهم الأكثر لهفة وكرما والغريب فيهم لا
يضيع، ولا يتوانون عن قضاء حاجة أيا كان... وهكذا اكتشفت أنه لم يكن ينقص
الشرق إلا بعض الإصلاح وليس التحول لغرب آخر... بل وصل بها الأمر إلى أن
دعت على الشرق بالفناء إن فكر أن يتحول لغرب آخر...
ولكن لماذا علي الشعور بالخجل من
إيماني بالخير في الجنس البشري، لماذا علي لوم نفسي إن كان هؤلاء البشر لم
يرقوا لتوقعاتي؟) ص227
صديقتها الانكليزية جريس إليسون Grace Ellison
هي صحفية نسوية ومؤلفة كتاب (انكليزية في حريم تركي
An Englishwoman in a Turkish Harem)، وهي من نشرت رسائلها هذه عام
1913، بعد عودة زينب، مع مقدمة كتبتها عنها وبعض
الهوامش التي توضح فيها بعض المعلومات عن زينب وظروفها أو عن الشرق عموما،
أو تعتذر فيها من القارئ الغربي حين تعلو نبرة نقد زينب...
أما الأخت ملك هانم فلم تظهر كثيرا في الرسائل، وجدير بالذكر أن ملك أختها
هذه، غير ملك هانم التي هربت من الدولة العثمانية في فترة سابقة
قبلها بعدة عقود وكتبت مذكراتها (ثلاثون
عاما في الحريم) والتي سبق وتحدثت عنها، فملك صاحبة
المذكرات تلك كانت زوجة متنفذ قبل أن يجور عليها الزمان ولم تكن من أصول
تركية، وكانت حاقدة على العثمانيين والمسلمين عموما، وشتان بين مذكراتها
الحاقدة وبين رسائل زينب الصادقة...
الرسائل أيضا فيها تفاصيل كثيرة عن عالم الحريم وكيف كن
يزجين أوقاتهن، وعن نشاطاتهن الخاصة والمجتمعية، وفيها
تفنيد لكثير من الأفكار المتخيلة الاستشراقية، فقد عبرت عن تفاجؤها أن
الأوربيين يخبرونها عن حريم لا تعرفه... ومن أكثر ما سُئلته هو عن تعدد
الزوجات والتي ذكرت أنه لم يعد أمرا منتشرا وليس إلا بعض حالات تعرفها تعد
على أصابع اليد... كما يظهر للمرء أن عالم الحريم بصرامته وانغلاقه هو
منتشر في الطبقات العليا في المجتمع، وليس في سائر المجتمع التركي، وكلما
ازدادت الأسرة قربا من السلطان ازداد انغلاق عالم الحريم وصرامة تقاليده
ومراقبته...
كما قد ذكرت ملاحظات هامة عن فرق التربية بينها وبين جدتها،
ولماذا لا تستطيع أن تكون راضية مثل جدتها، وهو ما أدى لكل هذا الصراع
والتمزق فيها ولجيل كامل بدأ يظهر على ما يبدو، إذ أن أولاد الذوات كانوا
يتابعون التقاليع والثقافة الغربية، وكانت في صغرها تحضر الحفلات الأوربية
مع والدها، حتى فرض عليها الحجاب _الذي يعني البقاء في الحريم_ حين وصلت
لسنه مما حز في نفسها، فضلا عن مربيتها الانكليزية التي حدثتها عن الحرية
في بلادها، وكانت المربيات اللواتي يحضرها الأهل لأولادهم عموما من
الانكليزيات والفرنسيات، طبعا مع الشيخ الذي كان يأتي لتعليمهم القرآن...
وهذا ما خلق شرخا في هويتها، فأتت تجربة السفر هذه بمثابة كي عنيف لهذا
الشرخ، فالتأم على ندبة في روحها... من اللفتات الجميلة التي ذكرتها أيضا هو حديثها عن الإسلام بحب، فلم تكن ناقمة على دينها، وحديثها عن شهر رمضان في تركيا وعن النشاطات الجميلة التي كانوا يقومون بها مفعم بالحنين، وتحدثت عن حب المسلمين أيضا لسيدنا عيسى، وانتقادها للمسيحية كما رأتها في الغرب، مما دعا صديقتها للتعليق بأنه رغم النقد غير اللائق إلا أنها آثرت ترك رأي امرأة تركية كما هو...
تقول تعليقا على امرأة انكليزية بدأت تبشرها بالمسيحية
مشفقة حين علمت أنها "وثنية!" أي غير مسيحية: كتاب نادر يستحق القراءة والترجمة، ويبدو خامل الذكر، فإنما ظهرت ترجمة تركية له عام 2001.
ليست هناك معلومات كثيرة عنها في الكتاب، أما النت فيخبرنا أن زينب هانم هو الاسم الأدبي المستعار الذي تكتب به، أما اسمها الحقيقي فهو Hatice Zennur (خديجة ذا النور؟)، ولدت عام 1883، أي أنها كانت في الثالثة والعشرين حين ابتدأت رحلتها، ووالدها كان نوري بيك موظفا مهما في وزارة الخارجية زمن السلطان عبد الحميد الثاني، وجدها كان ماركيزا فرنسيا، كان قد قدم إلى الدولة العثمانية وأحب امرأة عثمانية فاعتنق الإسلام وتزوجها... تلقت في نشأتها ثقافة غربية وشرقية، فكانت تتقن خمس لغات، وكانت وصديقاتها تحاول تحسين وضع الحريم، ولكن والديها كانا يتوقعان منها أن تكون زوجة تركية تقليدية، فقد زوجها والدها من دون رضاها من سكرتيره! مما اضطرها لتقوم بفعل ما، فقامت هي وأختها بكتابة رواية (Les Desenchanées) بشكل سري بمساعدة صديقة أوربية، ونشرها في باريس، لتسلط الضوء على اضطهاد المرأة الشرقية، فحققت شهرة واسعة، وخوفا من فضيحة الرواية وهربا من العادات والتقاليد التي خنقتها، هربت مع أختها ليلا في القطار بمساعدة صديقة أوربية، ومع أنها لم تتحدث في رسائلها عن سبب هربها الحقيقي، لكنها لمحت إلى كيف يتم التزويج في عالم الحريم من دون حتى أن ترى زوج المستقبل أو تتعرف عليه!!! أما أختها فتزوجت بعد عامين من نبيل بولندي واستقرت في أوربا، وأما هي فلم تجد الحرية التي تبحث عنها وعادت كما نعلم، وتوفيت بعمر الأربعين عام 1923 بمرض السل.
تقول في نهاية رسائلها: (أحب بلدي اليوم كما لم أحبه من قبل، ولو أني فقط أستطيع إثبات هذا فلن أرجو من الحياة أكثر.) ص244
رحمة الله عليها كم كانت امرأة ذكية...
وأخيرا، فالنسخة التي قرأتها في العام الماضي هي نسخة عتيقة من موقع أرشيف، وجزء من المراجعة من الذاكرة، والمقاطع هذه من ترجمتي، وفي الكتاب مجموعة صور، هذه منها:
زينب هانم ---
الصديقة الإنكليزية جريس إليسون في ثياب تركية (الصورة من كتابها) ---
زينب وملك وصديقة ثالثة تجلس بينهما، ويذكر
الكتاب أن ما علق على الحائط هو لوحة لآية
قرآنية، ولكن لا يوجد آية كذلك (والله يعلمكم
في كل الأمور)!؟
زينب في غرفة الضيوف في الغرب ---
.زينب وملك باليشمق ---
اليشمق والعباءة ---
تركية ترتدي الشرشف والقفازات، وهو رداء الخروج ---
تركيات مع أولادهن وعبيدهن في الريف ----
تركيات في زيارة للريف
انطباعات أوربية لامرأة تركية A Turkish Woman's European Impressions لمؤلفتها التركية: زينب هانم Zeyneb Hanoum تحرير وتقديم: جريس إليسون Grace Ellison طبع شركة ليبينكوت، لندن 1913
---
سلمى 28 شباط 2017
|
|
|||
|
|
||||
|
|