الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  انطباعات أوروبية لامرأة تركية من عام 1913

 

 

انطباعات أوربية لامرأة تركية من عام 1913

 

 

 


حصل في عام 1906 أن هربت زينب هانم مع أختها ملك هانم من الدولة العثمانية إلى أوروبا. كان قد بلغ تململها من عالم الحريم المغلق أوجه بعد ازدياد التضييق على الناس بعد محاولة اغتيال السلطان عبد الحميد... كانت تريد أن تعيش الحلم الأوربي بالحرية والحضارة والفن والثقافة! وفي أثناء جولتها في أوروبا وإقامتها فيها أخذت تراسل صديقتها الانكليزية مخبرة إياها بانطباعاتها... ومن خلال الرسائل نبحر في روحها المتوحدة، فهذا الانتقال جعلها تقارن بين الشرق والغرب، بين عالم الحريم العثماني المغلق وعالم النساء الأوربي المفتوح، بين عالم المثال وما قرأته في الكتب وبين الواقع... لم تكن رسائل امرأة مبهورة بالغرب أو حاقدة على الشرق وإنما فيلسوفة تحلل وتتساءل وتقارن، وترى المزايا والمعايب في كلا العالمين، مع روح مثالية تبحث عن عالم يشبهها وما كانت لتجده... اختبارها لهذا التباين بين العالمين قد فتح عينيها على مزايا الشرق والأتراك الذين خلفتهم وراءها... وسنة إثر سنة بتنا نرى كيف بدأ الحلم الأوربي يبهت والغشاوة تزاح عن عينيها فالواقع الأوربي غير مثاليات النظريات ورومانسيات الروايات التي اعتادت قراءتها حين كانت في بلادها، والمثقفون من الأوربيين لايكاد يعدون على أصابع اليد، بل اكتشفت أنها أكثر ثقافة واطلاعا على ثقافتهم منهم... وانقلب في عينيها عالم الحريم فصار هادئا وعميقا وعالم النساء الأوربي تافها وضحلا، أوقاسيا وذلك بعد مشاهدتها حركة السيفرجيت Suffragette النسوية البريطانية في تلك الفترة...
(والآن وقد شاهدت النساء في معظم البلدان، فربما تريدين أن تعرفي من أكثر اللواتي أعجبت بهن!
حسنا، سأخبرك بصراحة، إنها المرأة التركية. سيجيبني شخص عادي "بالطبع [سأقول هذا]"، ولكنك لست شخصا عاديا ولذلك سأخبرك بأسبابي. لا أقول هذا لأني امرأة تركية، ولكن لأنه على الرغم من وضعهن المستعبَد، فقد استطعن الابقاء على عقلهن حرا من الأحكام المسبقة، فهن لا يفكرن كما يعتقد الناس أن عليهن أن يفكرن وإنما كما يفكرنه بأنفسهن. وفي كل أوربا لم أجد نساء يملكن مثل هذه الجرأة في التفكير.
في كل بلد هناك نساء _حتى لو كن حفنة فقط_ هن فوق الطبقات وفوق الجنسيات ويملكن الجرأة ليكن أنفسهن. هؤلاء الناس هم أكثر من أقدرهم، هؤلاء الناس الذين دائما أرغب بالتعرف عليهم، فبالنسبة لهم العالم برمته أهل.) ص216


وأخذ سؤال يعلو صوته داخلها هل كانت أوروبا تستحق هذا العناء؟ وازداد الواقع واقعية بزواج أختها، فصارت وحيدة تواجه الحياة بمفردها ومن دون معيل فتحول الحلم لكابوس. وفي إحدى الليالي في فرنسا اشتد عليها مرض ألم بها، ورفض بواب العمارة إحضار الطبيب لها في منتصف الليل، فأقسمت إن خرجت من مرضها حية لتعودن للدولة العثمانية...
 

وآخر رسالة كانت وهي تشاهد اسطنبول تلوح بالأفق من على السفينة، سعيدة بعودتها لبلدها وغير آسفة على تلك البلاد التي خلفتها وراءها... ست سنوات وهي مقدار رحلتها هذه، جعلتها تكتشف كم هي محظوظة لكونها امرأة تركية...
(معك حق، قد كان الغرب هو الذي تعلمت فيه كيف أقدر بلدي. هنا درست أصله وتاريخه الذي ما زلت لا أعلم منه إلا قليلا.)
واكتشفت كم هي محظوظة لخوضها هذه التجربة، إذ لو كانت أتت على سبيل السياحة لأوربا ولم تعش فيها كامرأة منهم لما كانت انتبهت لحقيقة واقع هذه البلدان، مشفقة على من قابلت من معارفها الأتراك السائحين _وذلك بعد تخفيف السلطان لتشديده إثر هروبها_، فهم لن يروا بعيني السائح المستمتع المبهور ما رأته بعيني من عايش الواقع.
(ولا تعتقدي لوهلة أني الوحيدة التي ستقع بمثل هذا الخطأ، فتسعة من أصل عشرة من بني جلدتي _رجالا ونساء_ يملكون نفس التوقعات عنهم [أي عن الغربيين]. وما لم يأتوا للغرب فيروا بأنفسهم ويعيشوا شيئا من التجارب التي عشناها، فلن يقدروا الناس الساكنة المتأنية في بلدنا.
كم خطير هو حث هؤلاء الشرقيين على التقدم، فيتقهقرون خلال بضع سنوات فقط إلى نفس الدرجة من الغباء التي للناس البائسين المنحطين في الغرب؛ معلوفين بالأدب السقيم ومسممين بالكحول.) ص 238

 

زينب كانت امرأة مثقفة تتحدث أكثر من لغة، فالرسائل مكتوبة بالانكليزية ابتداء، وكانت على اطلاع على آداب الغرب وشعرائه وفنونه ولذلك اهتمت في البحث عن هذه الأمور في زوايا أوربا واهتمت بزيارة الأوبرا التي كانت حلما لها، وتحدثت عن مقارنات ممتعة بين فنون وآداب كل من العالمين، حتى زارت قبور شعرائهم، وحينها لم تسلم حتى المقابر من مقارناتها، فتحدثت عن الأنس في مقابر تركيا في مقابل الوحشة المقبضة في مقابر أوروبا... في تأملاتها الكثير من العمق وبعد النظر وشجن المتوحد والشاعرية الشفيفة، وفيها نقد لاذع لإشكالات وأخطاء في كل من الشرق والغرب وخاصة فيما يتعلق بالأنظمة في كليهما، مع ترجيحها لكفة فضائل الناس في الشرق، فهم الأكثر لهفة وكرما والغريب فيهم لا يضيع، ولا يتوانون عن قضاء حاجة أيا كان... وهكذا اكتشفت أنه لم يكن ينقص الشرق إلا بعض الإصلاح وليس التحول لغرب آخر... بل وصل بها الأمر إلى أن دعت على الشرق بالفناء إن فكر أن يتحول لغرب آخر...
(هذه الحادثة التي تبدو تافهة بحد ذاتها، لكنها ستكون ذكرى مؤلمة جدا عن أهم صفة لأناس هذا البلد [فرنسا] ألا وهي انعدام حسن الضيافة. وإن كانت بلادنا الشرقية لا بد يوما صائرة كهذه البلاد الغربية، إن كانت ولابد وارثة كل هذه النقائص التي تتشابك في هذه الحضارة أكثر فأكثر، فليت الهلاك يحل بها الآن!
إذا لم تهذب الحضارة كل فرد بخصلة التراحم العظيمة والسامية، فما فائدتها؟ أرجوك أخبريني ما الفرق بين المواطنين في باريس وبين السكان الضوار في غياهيب إفريقيا؟ نحن الشرقيون نتخيل كلمة الحضارة مرادفة لعديد من المزايا، وكنت _كشأن الكثيرين_ أعتقد هذا. فهل من الممكن أن تكون بدائية هكذا؟

ولكن لماذا علي الشعور بالخجل من إيماني بالخير في الجنس البشري، لماذا علي لوم نفسي إن كان هؤلاء البشر لم يرقوا لتوقعاتي؟) ص227
 

صديقتها الانكليزية جريس إليسون Grace Ellison هي صحفية نسوية ومؤلفة كتاب (انكليزية في حريم تركي An Englishwoman in a Turkish Harem)، وهي من نشرت رسائلها هذه عام 1913، بعد عودة زينب، مع مقدمة كتبتها عنها وبعض الهوامش التي توضح فيها بعض المعلومات عن زينب وظروفها أو عن الشرق عموما، أو تعتذر فيها من القارئ الغربي حين تعلو نبرة نقد زينب...
 

أما الأخت ملك هانم فلم تظهر كثيرا في الرسائل، وجدير بالذكر أن ملك أختها هذه، غير ملك هانم التي هربت من الدولة العثمانية في فترة سابقة قبلها بعدة عقود وكتبت مذكراتها (ثلاثون عاما في الحريم) والتي سبق وتحدثت عنها، فملك صاحبة المذكرات تلك كانت زوجة متنفذ قبل أن يجور عليها الزمان ولم تكن من أصول تركية، وكانت حاقدة على العثمانيين والمسلمين عموما، وشتان بين مذكراتها الحاقدة وبين رسائل زينب الصادقة...
 

الرسائل أيضا فيها تفاصيل كثيرة عن عالم الحريم وكيف كن يزجين أوقاتهن، وعن نشاطاتهن الخاصة والمجتمعية، وفيها تفنيد لكثير من الأفكار المتخيلة الاستشراقية، فقد عبرت عن تفاجؤها أن الأوربيين يخبرونها عن حريم لا تعرفه... ومن أكثر ما سُئلته هو عن تعدد الزوجات والتي ذكرت أنه لم يعد أمرا منتشرا وليس إلا بعض حالات تعرفها تعد على أصابع اليد... كما يظهر للمرء أن عالم الحريم بصرامته وانغلاقه هو منتشر في الطبقات العليا في المجتمع، وليس في سائر المجتمع التركي، وكلما ازدادت الأسرة قربا من السلطان ازداد انغلاق عالم الحريم وصرامة تقاليده ومراقبته...
(كم أتمنى لو أن تسعة من كل عشرة كتب كتبت عن تركيا أن تحرق، كم مجحف هو نقدهم للأتراك! ثم ما هذا الهراء الذي كتب عن النساء، لا أستطيع تخيل من أين استقى الكتاب هذه المعلومات، أو ما هي طبقة النساء اللواتي زاروها. فكل كتاب قرأته كان مجحفا بطريقة ما تجاه المرأة التركية. لم تفهمنا ولا أية امرأة [كاتبة] حقيقة، لم تقدر أيا منهن أننا نمتلك قلبا أو عقلا أو روحا.) ص178
 

كما قد ذكرت ملاحظات هامة عن فرق التربية بينها وبين جدتها، ولماذا لا تستطيع أن تكون راضية مثل جدتها، وهو ما أدى لكل هذا الصراع والتمزق فيها ولجيل كامل بدأ يظهر على ما يبدو، إذ أن أولاد الذوات كانوا يتابعون التقاليع والثقافة الغربية، وكانت في صغرها تحضر الحفلات الأوربية مع والدها، حتى فرض عليها الحجاب _الذي يعني البقاء في الحريم_ حين وصلت لسنه مما حز في نفسها، فضلا عن مربيتها الانكليزية التي حدثتها عن الحرية في بلادها، وكانت المربيات اللواتي يحضرها الأهل لأولادهم عموما من الانكليزيات والفرنسيات، طبعا مع الشيخ الذي كان يأتي لتعليمهم القرآن... وهذا ما خلق شرخا في هويتها، فأتت تجربة السفر هذه بمثابة كي عنيف لهذا الشرخ، فالتأم على ندبة في روحها...
(هل تذكرين كمية السعادة التي أتيت بها فرنسا، بلد الحرية والمساواة والأخوة؟ ولكن بعد أن شاهدت ممارسة هذه الكلمات السحرية الثلاث، كم تغيرت طريقة تفكيري برمتها. ليس فقط نظرياتي عن طبيعة الحكومات لم تعد كما هي، بل ثقتي بأن السعادة التي من الممكن أن يتحصل عليها الفرد من هذه الحكومات قد تهشمت تماما.) ص237
 

من اللفتات الجميلة التي ذكرتها أيضا هو حديثها عن الإسلام بحب، فلم تكن ناقمة على دينها، وحديثها عن شهر رمضان في تركيا وعن النشاطات الجميلة التي كانوا يقومون بها مفعم بالحنين، وتحدثت عن حب المسلمين أيضا لسيدنا عيسى، وانتقادها للمسيحية كما رأتها في الغرب، مما دعا صديقتها للتعليق بأنه رغم النقد غير اللائق إلا أنها آثرت ترك رأي امرأة تركية كما هو...

تقول تعليقا على امرأة انكليزية بدأت تبشرها بالمسيحية مشفقة حين علمت أنها "وثنية!" أي غير مسيحية:
(ولكن ما الذي بإمكانها تعليمي عن المسيح لا أعلمه لتوي؟ للأسف أنها لا تعلم شيئا عن دين محمد ولا كم كان متفتح العقل، ولا عن الإعجاب الذي تحدث به عن عيسى المصلوب، ولا عن كيف أحببنا كلنا المسيح من تفسيرات محمد لسيرته وأعماله) ص206 – 207

أكثر من قرن مضى على رسائلها وكل شيء يكرر ذاته... من يصدق أنها تبصرت بكل هذا قبل أكثر من مئة عام! وتحليلاتها العميقة تعين على فهم جزء من مزاج الناس في تلك الفترة من الدولة العثمانية والعوامل المشكلة له، وظهور فكرة الشرقي في مقابل الغربي
بوضوح مع صراع الهوية... والجميل في كل هذا أنه صوت امرأة عميقة الفكر من الداخل...

كتاب نادر يستحق القراءة والترجمة، ويبدو خامل الذكر، فإنما ظهرت ترجمة تركية له عام 2001.

 

ليست هناك معلومات كثيرة عنها في الكتاب، أما النت فيخبرنا أن زينب هانم هو الاسم الأدبي المستعار الذي تكتب به، أما اسمها الحقيقي فهو Hatice Zennur (خديجة ذا النور؟)، ولدت عام 1883، أي أنها كانت في الثالثة والعشرين حين ابتدأت رحلتها، ووالدها كان نوري بيك موظفا مهما في وزارة الخارجية زمن السلطان عبد الحميد الثاني، وجدها كان ماركيزا فرنسيا، كان قد قدم إلى الدولة العثمانية وأحب امرأة عثمانية فاعتنق الإسلام وتزوجها... تلقت في نشأتها ثقافة غربية وشرقية، فكانت تتقن خمس لغات، وكانت وصديقاتها تحاول تحسين وضع الحريم، ولكن والديها كانا يتوقعان منها أن تكون زوجة تركية تقليدية، فقد زوجها والدها من دون رضاها من سكرتيره! مما اضطرها لتقوم بفعل ما، فقامت هي وأختها بكتابة رواية (Les Desenchanées) بشكل سري بمساعدة صديقة أوربية، ونشرها في باريس، لتسلط الضوء على اضطهاد المرأة الشرقية، فحققت شهرة واسعة، وخوفا من فضيحة الرواية وهربا من العادات والتقاليد التي خنقتها، هربت مع أختها ليلا في القطار بمساعدة صديقة أوربية، ومع أنها لم تتحدث في رسائلها عن سبب هربها الحقيقي، لكنها لمحت إلى كيف يتم التزويج في عالم الحريم من دون حتى أن ترى زوج المستقبل أو تتعرف عليه!!! أما أختها فتزوجت بعد عامين من نبيل بولندي واستقرت في أوربا، وأما هي فلم تجد الحرية التي تبحث عنها وعادت كما نعلم، وتوفيت بعمر الأربعين عام 1923 بمرض السل.

 

تقول في نهاية رسائلها:

(أحب بلدي اليوم كما لم أحبه من قبل، ولو أني فقط أستطيع إثبات هذا فلن أرجو من الحياة أكثر.) ص244

 

 

رحمة الله عليها كم كانت امرأة ذكية...
 


 

 

وأخيرا، فالنسخة التي قرأتها في العام الماضي هي نسخة عتيقة من موقع أرشيف، وجزء من المراجعة من الذاكرة، والمقاطع هذه من ترجمتي، وفي الكتاب مجموعة صور، هذه منها:

 

 

زينب هانم

---

الصديقة الإنكليزية جريس إليسون في ثياب تركية (الصورة من كتابها)

---

 

زينب وملك وصديقة ثالثة تجلس بينهما، ويذكر الكتاب أن ما علق على الحائط هو لوحة لآية قرآنية، ولكن لا يوجد آية كذلك (والله يعلمكم في كل الأمور)
---

زينب في غرفة الضيوف في الغرب

---

.زينب وملك باليشمق

---

اليشمق والعباءة

---

تركية ترتدي الشرشف والقفازات، وهو رداء الخروج

---

تركيات مع أولادهن وعبيدهن في الريف

----

تركيات في زيارة للريف


انطباعات أوربية لامرأة تركية A Turkish Woman's European Impressions

لمؤلفتها التركية: زينب هانم Zeyneb Hanoum

تحرير وتقديم: جريس إليسون Grace Ellison

طبع شركة ليبينكوت، لندن 1913

 

---

 

سلمى

28 شباط 2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali