الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  ثلاثون عاما في الحريم

 

 

ثلاثون عاما في الحريم

Thirty Years in the Harem

 

 

 

ملك هانم _أو خانم كما نقولها في لهجتنا_ كانت زوجة القبرصلي محمد أمين باشا الذي تولى منصب الصدر الأعظم _رئيس الوزراء_ في الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر لثلاث مرات... و هذا المنصب هو أعلى منصب في الدولة العثمانية تحت السلطان مباشرة...

 

    

Kıbrıslı Mehmed Emin Pasha


نشرت مذكراتها بعنوان (ثلاثون عاما في الحريم) في بريطانيا عام 1872 و ذلك بعد وفاة زوجها بعام، و بعد مرور ست سنوات على فرارها من الدولة العثمانية!
تبدأ مذكراتها في الحديث عن أصلها فهي ولدت لأسرة كاثوليكية تعيش في تركيا لأب فرنسي و أم مختلطة بين أرمنية و يونانية... و من الواضح أن اسمها لم يكن ملك حينها، و لكنها لم تخبرنا عن اسمها... تعرفت على محمد أمين باشا حين كان كلاهما في أوروبا في إحدى الحفلات، فتزوجها في تركيا، و هكذا ابتدأت حياتها في الحريم و صارت ملك هانم...
ثم انتقلت في الحديث عن الحياة النسوية العثمانية من الطبقة الحاكمة داخل الحريم، و دورها كزوجة سياسي كان يرتفع في مناصبه و يقلد حكم أماكن متعددة مثل القدس و بلغراد، إلى أن وصل أخيرا إلى أعلى منصب و هو الصدر الأعظم.

و في ذات حفلة كانت أقامتها في قصرها الكبير بمناسبة حفظ ابنتها لبعض آيات القرآن الكريم كما هو متبع من عادة العثمانيين، وقعت جريمة قتل في حمامها... فقد عثر على أحد مخصييها مقتولا... و من هنا تغيرت قصة حياتها مئة و ثمانين درجة و سقط نجم حظها... فقد اتهمت بقتله _ظلما كما ذكرت_ و كشف الستار عن محاولتها لشراء طفل بدل ابنها الذي كان يحتضر، فطلقها زوجها _مع أنها تقول أن الأمر كان بموافقته_ و استولى على أملاكها و نفيت إلى قرية نائية في قونية و أخبروا ابنتها بأنها ماتت و تزوج من امرأة أخرى... و عاشت في منفاها سنوات إلى أن استطاعت الهرب و العودة إلى القسطنطينية... ثم إن ابنتها التي كانت تركتها قد زوجها والدها من ابن زوجته الجديدة، و صارا و أمه يضطهدانها، و حين علمت بأن أمها ما زالت حية هربت إليها محتمية، كل هذا أثر في سمعة الباشا في أوساط الدولة، مما جعل الباشا و زوجته يغضبان و يتسببان بنفيهما إلى قونية، فتهربان من منفاهما، فيدبر الباشا أمرا للتخلص منهما... فتعلم بمخططه و تفر و ابنتها إلى انكلترا...

 

The Kibrisli Yalisi قصر القبرصلي الذي وقعت فيه الجريمة


المذكرات طويلة و مليئة بالتفاصيل و الإسهاب الشديد و الوصف بدقة لكل شيء، ابتداء من عالم الحريم و الأزياء و العادات و طقوس الاحتفالات بالمناسبات المختلفة و الأطعمة... فمثلا وردت طريقة حفظ اللحم و التي أخبرتني أمي أنها كانت تسمى (آورمة):

"يقلى و يملح اللحم... ثم يوضع في وعاء كبير مغطى حتى أعلاه بالدهن الذي يمنع عنه الهواء." ص177
و كثير من النمائم الغرائبية عن ما يجري في بيوتات رجال الدولة... مثلا كيف قطعت الأميرة نازلي ابنة محمد علي باشا رأس جاريتها التي مال إليها زوجها و طبخته و قدمته له، أو كيف كانت تتخلص من عشاقها بقتلهم...
و لا تنسى أي تفصيل عن أنواع الهدايا التي قدمت لها عبر السنين و من قدمها و أثمانها، بل و حتى الهدايا التي قدمت لابنتها في عرسها... و لكثرة ما ثرثرت بهذه الأمور شعرت و كأني في أحد "الاستقبالات" التي كنت أذهب مع أمي إليها...
في المذكرات يظهر مدى تحكم و نفوذ الحريم على الحياة السياسية للدولة العثمانية، فهن يقصين و يثبت من يشأن، و من أراد الوصول لشيء في الدولة فالمفتاح عبر استرضاء زوجة الباشا هذه أو أخت السلطان تلك... كما يظهر مدى توحش و تهتك ذاك العالم و بذخه بالإضافة إلى جعبة الدسائس بين النسوة التي لا تنفذ... و الفساد الذي كان ينخر في الدولة و أركانها... و النفاق في المظاهر الدينية، و ضعف القضاء و هزاله... الخ
و حقيقة أن ملك كانت امرأة شديدة الدهاء، فقد ساهمت في ارتفاع نجم زوجها و توليه لمناصب هامة من خلال علاقاتها، و أنقذته في عدة مواقف سياسية كادت تودي بهما... بل تعلنها صراحة أنها كانت تتحكم به، في معرض سخريتها من سخريته من سذاجة النساء...
لغة المذكرات مباشرة، خالية من العواطف و تقريرية، و طافحة بالحقد للأتراك والمسلمين و دينهم، و دعونا من العرب فمن الواضح أنها لا تراهم بشرا أصلا، بحيث لا تفوت فرصة للانتقاص من كل هذا إلا اقتنصتها، في مقابل مغازلة العرق الأوربي المتحضر _على حد تعبيرها_ و الذي بطبيعة الحال هو المخاطب بكتابها هذا... كما أنها تشي عن امرأة جشعة انتهازية متضخمة الأنا... لا، بالحقيقة هي لا تشي بل تصرح... بحيث أنك لا تملك إلا أن تكرهها و تفقد أدنى حس بالتعاطف لمحنتها... و أعترف بأني شمت بها، و شعرت أن بعضا من عدالة الله قد نزلت بها، و لعذاب الآخرة أشد لو كانت تعلم...
و لكن هل اتعظت؟ أبدا...
فهي لا تخجل من التصريح بالرشوات التي كانت تأخذها و لا بالاحتيال التي قامت به و لا بالأتاوات، و لا بالظلم التي أوقعته على رعايها من العرب حين كان زوجها يتولى ولاية القدس، بل تعتبر هذا أمرا عاديا، مبررة لقارئها الأوربي بأن الأمور تسير هكذا في الشرق... و بينما كانت هي تجمع الأموال كان زوجها يرتكب المجازر بحق بعض الثائرين... بحيث أنهما استدعيا أخيرا من قبل الباب العالي بسبب كثرة الشكاوى حولهما، هو عن توحشه في تعامله مع العرب و هي عن جشعها تجاه النقود و الهدايا... كل هذا تخبرنا به من دون أدنى حس بالندم و كأنه أمر طبيعي...
تتحدث عن الدولة العثمانية بصيغة "أولئك"، مبعدة نفسها عنهم... و كأنها الآخر، و كأنها متجردة، مجرد متفرج من برجه العاجي، و كأنها قارئها الأوربي المتحضر... و لكنها ليست الآخر و ليست متفرجا، فالدولة العثمانية كانت مريضة و منقوعة بالفساد بأمثالها... فهي كانت جزءا صانعا للوضع الذي تسفهه و تحتقره، جزءا فاعلا من الجور الذي تنتقده... فإذن ينبغي أن يشملها ذاك الانتقاص و الاحتقار و التسفيه الذي تريد أن توصله للقارئ...
كانت قد ملكت النفوذ و السلطة بأعلى مرتبة... فما الذي فعلته بتلك الفرصة سوى أنها كرست كل هذا الذي تعيبه، و حاق بها لاحقا و دفعت ثمنه؟
و أكثر ما كان يحز في نفسها، هي ثروتها التي استولى عليها زوجها، نادبة و شاكية طوال الوقت من جور المسلمين و نفاقهم فهم يثبتون الحقوق للمرأة نظريا و يسلبونها عمليا... طبعا من دون أن تتذكر أنها حين تزوجت الباشا لم تكن تملك شيئا و أن هذه الثروة جمعتها من استغلال منصب زوجها، بما أن زوجها كان ممنوعا عليه استلام الهدايا حسب القانون، فكانت هي من تتلقى الهدايا و الرشاوى...
طوال الوقت أتذكر قول الله تعالى: احشروا الذين ظلموا و أزواجهم...
فقول الله تعالى لا يتعارض مع قاعدة أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، و إنما من ارتضت حياة زوجها الظالم و استثمرتها ظالمة مثله تستحق أن تحشر معه
:
"أمرته فورا بالإمساك بهم، كما هو المعتاد في هذه الحالات... و أرسلوا للمنفى حالا، و ما كان يسمح لهم بالعودة حتى تخضع نفوسهم تماما. و من الممكن أن يكون من بينهم أبرياء... في الشرق لا يـُتطلع إلى ذلك التفريق اللطيف بين البريء و المذنب، فكلاهما يعتقلان و ينزل بهما العقاب." ص102
 

و أكثر ما كرهتها حين قالت عن العربيات أنهن قبيحات و قذرات _في معرض شفقتها على ضابط لم يجد أي امرأة يتزوجها في القدس إلا العربيات فزوجته من ربيبتها الشركسية الحسناء_، حين قالت هذا قررت سحب لقب خانم منها _هذا اللقب الذي يعجبني بأن أدعى به في أحيان كثيرة_ فهي لا تستحقه...
أقول حتى لو أني كرهت ملك زفت هذه و لو أن المذكرات مكتوبة بلغة حاقدة، لكنها تستحق القراءة فهي مليئة بالمعلومات التاريخية و التفاصيل و الأحداث المشوقة:
"لقد قلده حكومة دمشق، و كان هذا مخططا ذكيا ليفضي إلى دماره النهائي، فدمشق كانت من أكثر مناطق الحكم المثيرة للمشاكل في الإمبراطورية بسبب سكانها المختلطين، فالعرب و اليونان و الأتراك و المسلمون و المسيحيون و اليهود كلهم جنبا إلى جنب، و هذا هو منشأ الصعوبات المستمرة." ص168 - 169
و ستضع القارئ في عالم الحريم بشكل واقعي جدا... في عالم كريه و فاسد و متوحش... أهلا و سهلا بك على كوكب الأرض... و الكتاب نموذج جيد لاقتراحه على الواهمين بأن النساء لو حكمن الأرض فسيكون وضعها أحسن...


أخيرا أقول، أنه بعد قراءتي للكتاب، عاودت الاستماع لأغنية (حريم) لسارة برايتمان... فنسيت كل ما كنت قرأته، و اكتشفت أن أي قراءة واقعية من هذا النوع لن تؤثر على فكرة الحلم الشرقي في المخيلة بهالة السحر و الغرائبية التي تحيط بها... لأنها لطالما كانت مجرد فكرة... مهربا من الواقع... حكاية خرافية... سرابا... لكنه سراب لذيذ... في أحايين...

 

 

استمع Harem - Sarah Brightman

 

 

 

ملاحظة: النسخة التي قرأتها نسخة الكترونية عتيقة أشبه بمخطوط، و قد وضع قارئ مجهول علامة عند كل انتقاد للأتراك أو المسلمين، بحيث أني كلما شاهدت العلامة علمت أن ها هنا انتقاد ما، و ليست الطبعة الحديثة التي وضعت غلافها الجميل لتركية ترتدي اليشمق...

 

 

---

ثلاثون عاما في الحريم  Thirty Years in the Harem

لمؤلفتها التركية: ملك هانم Melek Hanim



 

سلمى

قرئ في كانون الأول 2013

كتب في كانون الثاني 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali