الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  نقد المسلمين للمنطق

 

 

نقد المسلمين للمنطق

في كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام

 

 

 

 

المنهج هو طريق البحث عن الحقيقة في أي علم من العلوم أو في أي نطاق من نطاقات المعرفة الإنسانية... و لكون ما يميز حضارة عن أخرى هو مناهجها كما يخبرنا علي سامي النشار فلذلك كان مشغولا به... و كان مشروع حياته تسليط الضوء على المنهج المعبر عن روح الحضارة الإسلامية و حقيقتها و المستمد من كتابها و لغتها و الذي تجلى في أصول الفقه و أصول الدين (أي علم الكلام)... و كان بذلك من أوائل من سبح عكس التيار الذي كان ظاهرا بقوة في بدايات القرن العشرين بتأثر من دراسات المستشرقين الذين لم يروا في الحضارة الإسلامية إلا صدى للمنطق اليوناني تدور في فلكه... و لأجل هدفه هذا فلم تشمل دراسته للمنهج الإسلامي من يسمون بفلاسفة المسلمين كابن رشد و ابن سينا، لأنه لم يعتبرهم أكثر من مقلدين لليونان... و لم يبدعوا منهجا جديدا...
يخبرنا النشار أن المسلمين قد عرفوا المنطق اليوناني منذ القرن الهجري الأول في العهد الأموي، و منذ البداية كان هناك رفض له... لكن رفضه لم يكن رفضا للتفكير كما يـُدلـَّس بالجملة عادة، فدلالة الكلمة في تلك الفترة لم تكن تعني التفكير أو بديهيات العقل البشري، و إنما المراد منهج معين قائم على شكل معين... و المنطق اليوناني مباحث متعددة، بعضها له علاقة بالشكل و طريقة القياس، أو طريقة التعريف أو الألفاظ، و منها ما يدخل في الغيبيات...
و قد اختلفت أسباب الرفض بين مفكري المسلمين لاختلاف المناهج بينهم، كما اختلفت أيضا أساليب نقده، فبعضها اتخذ شكلا هدميا استعانوا ببعض جوانبه ممن سبقهم من نقاد المنطق اليونان من رواقيين و سفسطائيين، و بعضها كان نقدا إنشائيا، و هو قيام المنهج التجريبي أو الاستقرائي الذي استمدوه من روح الإسلام...
و أذكر هنا باختصار مخل بعض أسباب الرفض و أنواعه:
· الرفض بسبب اللغة و أهم ممثل لهذا الاتجاه الإمام الشافعي، فالمنطق اليوناني يقوم على خصائص اللغة اليونانية و حين طبق على الأبحاث الإسلامية التي لغتها العربية ظهرت التناقضات... و كما نعلم فإن الإمام الشافعي مؤسس علم أصول الفقه، الذي هو بالنسبة للفقه كما المنطق للفلسفة... و هو مستمد من بنية اللغة العربية و من أساليب الحجاج و البلاغة العربية في الكتاب و السنة... و يعتبر الإمام الشافعي للمنهج الإسلامي مثل أرسطو لمنهج اليونان، فهو أول من قعّد هذه القواعد بكتاب... و في هذا المبحث كان شرح النشار رائعا في تقسيماته لطرق الاستنباط و القياس الأصولي و العلل...
· الرفض بسبب الغيبيات في المنطق اليوناني كالأفلاك و الماهيات الخ، فهي مخالفة للعقيدة الإسلامية، و لأن كثيرا من أصول المنطق الآرسطي مبنية على الميتافيزيقا فيه، فقد رفضوه جملة... و أكثر من ذهب لهذا علماء الكلام على اختلاف فرقهم من أشاعرة و معتزلة...
· ما تقدم كان كله في المتقدمين من مفكري الإسلام، إلى أن أتى الإمام الغزالي، و الذي كان أول من أدخل مباحث المنطق الأرسطي في أصول الفقه، و ذلك بعد أن حرره من مباحث الميتافيزيقيا التي كان المسلمون الأوائل قد انتقدوه لأجلها و رفضوه... و خطوته هذه قد أيدها بعض ممن جاء بعده فبنوا عليها مؤلفات كثر، و صارت بعض مباحث المنطق جزءا من كتب أصول الفقه... و أنكرها بعض آخر... أما النشار فقد اعتبر هذه الخطوة قد شوشت على منطق إسلامي كان مبتدأ به... حتى و إن كان الغزالي غيّر رأيه بعد ذلك كما يخبرنا النشار، منتقلا للمذهب الذوقي الصوفي...
· نقد السهروردي _صاحب الفلسفة الإشراقية_ ارتكز على تلخيص كثير من مباحث المنطق مما جعلها تخرج من شكلها اليوناني... و هذا أعقد فصل وجدته في الكتاب... لأنه اختزله بشكل كبير، و لأنه يحتاج لتصور أبواب المنطق مرتبة، لمعرفة الفرق الذي أحدثه السهروردي...
· المتصوفة أيضا رفضوه لرفضهم العقل كأداة، و لكن النشار لم يذكر الأمر باستفاضة، لأنهم غير داخلين في البحث، فهم لم ينقدوا المنطق من وجهة منطقية نظرية، و إنما لأنه يخالف في جوهره طريقهم المعرفي من الكشف أو الذوق، و هي طريق يخالفهم بها مفكرو الإسلام من أصوليين و متكلمين، لأنها ذاتية و لا تصلح لتكون منهجا و قاعدة للحياة...
· أما أهم مباحث الكتاب و أكبرها، فهو نقد ابن تيمية للمنطق، و ذلك لأنه نقده نقدا علميا محكما في مباحثه كلها، متبعا أساليب مختلفة هدمية و إنشائية، و أكثر إبداعه فيما يتعلق بواقعية القضية الجزئية، حيث اعتبرها سابقة على الكلية التي لا وجود لها خارج الذهن... و هكذا فلم يعد زيد فان لأن كل إنسان فان كما في المنطق الأرسطي، بل كل إنسان فان لأن زيدا و عمرا و أسلافهم قد كانوا فنوا فاستنتجنا كلية كل إنسان فان، بمعنى أنه اعتبر الجزئية هي ما يتوصل به إلى الكلية، و ليس العكس... و قد سبق و تحدثت عن المسألة باستفاضة حين حديثي عن كتاب تشيلفان ما الذي يربط دمشق بباريس... و لكن نقد ابن تيمية لم يستثمره من أتى بعده كما ينبغي، كما يخبرنا المؤلف... و حقيقة أن النشار أبدع في هذا المبحث، و شرحه شرحا وافيا...
· رفض علماء الطبيعة و الكيمياء، لأنهم اهتموا بالمنهج التجريبي الاستقرائي متجاوزين بذلك كلا من الهنود الذين اهتموا بالعلوم الجزئية من دون أن يكون لهم نظرية في العلم، و اليونان الذين كان لهم نظرية في العلم مع قلة العلوم الجزئية.
و كانت النتيجة النهائية للكتاب كما ذكرها المؤلف، أن:
"المنهج الاستقرائي هو المعبر عن روح الإسلام _والإسلام في آخر تحليل_ هو تناسق بين النظر و العمل. يقيم نظرة فلسفية في الوجود، و لكنه يرسم أيضا طريقا للحياة العملية. فالعلة الحقيقية لنقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي: أن هذا المنطق يقوم على المنهج القياسي لأن هذا المنهج هو روح الحضارة اليونانية القائمة على النظر الفلسفي والفكري. ولم تترك الحضارة اليونانية للتجربة مكانا في هذا المنهج، و هي أحدى ركائز الإسلام الكبرى." ص289
كما يذكر أن هناك مناهج أخرى لدى علماء المسلمين، لم يعالجها مثل المنهج الاستردادي عند علماء مصطلح الحديث، و المنهج الجدلي في كتب المناظرات و الجدل... و إنما فقط اهتم ببحثه هذا بالمنهج الاستقرائي و المنهج القياسي "الفلسفي"...
 

و يمكن ملاحظة أمرين في نقودهم للمنطق، أنه جاء بعد دراسة له بدقة، و يظهر لدينا هنا اعتناء النشار في التقصي عن الكتب في المنطق اليوناني التي من الممكن أن يكون قرأها العالم هذا أو ذاك من خلال نوعية نقده، و ما كان ترجم لتوه في عصره...
و الأمر الثاني أنهم قدموا مذاهب منطقية بديلة عن ما رفضوه، قد وجدوها أفضل... مناهج مبنية على أسس علمية تثري المعرفة الإنسانية... و ليس رفضا انعزاليا سلبيا...


الكتاب عظيم جدا و هو نادر المثيل و كان ليباع بوزنه ذهبا لو كان في زمن تثمين الكتب بعدل وزنها ذهبا... تشعر أن الأفكار واضحة في ذهن مؤلفه وضوحا انعكس على أسلوبه الواضح، و تقسيماته المرتبة ترتيبا ممتازا، و لغته السلسة، إلا أنها مختزلة و مكثفة و دقيقة، و لذلك فإن الكتاب يحتاج من قارئه معرفة ببعض الاصطلاحات الأصولية و المنطقية للخروج منه بالفائدة الكاملة... و شخصيا أشعر بامتنان كبير للكتب التي تكون مرتبة باقتدار و ذات منهج منضبط لأنها ترتب الكثير من الأفكار في الرأس... و أحسب الكتاب سيشكل منعطفا لدى كل من يقرأه في فهم التراث، لأن المنهج يجعل الأمور أوضح من رؤية التفصيلات بشكل منعزل و مبعثر...
و يلاحظ أن المؤلف مهووس بإثبات الأصالة، كما كنت ذكرت عنه مرة في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)، و إلحاحه في بعض المواضع يبدو غريبا... لكن يمكن تفهم أن ذلك بسبب الجو الذي كان حينها سائدا، و كونه من أوائل السابحين عكس التيار الدائر في فلك الخطاب الاستشراقي، و كون بعض أساتذته من المستشرقين أيضا... و لذلك اعتبر رائدا لمدرسة الأصالة الفلسفية الإسلامية... و كانت بدايات هذا الاتجاه من أستاذه مصطفى عبد الرازق لكن النشار استطاع تطويره و صنع نظرية متماسكة لاطلاعه على الفلسفة الغربية بلغتها و اتصاله بالمنطق اليوناني.
الكتاب رسالته للماجستير في بدايات أربعينيات القرن الماضي، و كان ما زال في عشرينياته، و هو من حقبة الأصالة و الإبداع كما يسميها رضوان السيد التي كانت مزدهرة في مصر و الشام... و قد توفي رحمه الله عام 1980 في المغرب.
قد كان كتابه بداية لمشروع مهم... و لا أدري كم استثمر من بعده، و كيف استقبل، و هل جرى نقاش حوله أم لا... و لكن من الممكن تخمين أنه لم ينل حظه كما ينبغي، و لا أدري سبب قلة شهرته مقارنة بغيره، هل لتخصصيته، أو لقلة الدعاية له بسبب حقبة القطيعة مع التراث و التأويل المؤدلج التي أتت فيما بعد و روج لها بكثرة، فأعتمت على مثل هذه المشاريع العظيمة حتى كادت أن تتوارى و عرقلت التطور بهذا الاتجاه... أو أني آخر من يعلم كالعادة...
أو شو السبب... لا أدري... حتى أني لم أعثر في النت على صورة له سوى هذه و هي نفسها الموضوعة في الكتاب من أيام شبابه الأولي... رحمه الله و أحسن إليه...
 

كتاب جدير بالقراءة لكل مهتم بالتراث، و بإعادة القراءة لمن قرأه...

و فيما يلي مقالة في موقع الألوكة تلخص الكتاب بشكل مفصل، مع رسم تخطيطي لأبوابه وفصوله
عرض الكتاب


 

 

--

مناهج البحث عند مفكري الإسلام؛ واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي

لمؤلفه المصري: علي سامي النشار

دار السلام، ط2، 2012



 

سلمى

8 آذار 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali