|
|
الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> ولادة ثانية - اليوميات المبكرة "المزعجة" |
||||
|
ولادة ثانية - اليوميات المبكرة
ما هي الفضيلة في فضح امرئ لقباحاته أمام الناس مبديا سوأته
النفسية! في الاعتراف بحطته أمام الملأ؟
كلنا نعرف أن وراء جلودنا التي تسترنا و تجملنا منظرا مفزعا و مثيرا
للإقياء من دم و لحم و عروق، لكن هذا لا يعني أن أكشط جلدي أمام الناس حتى
يروا الحقيقة، فهذه ليست حقيقة و إنما فضح للقبح بإيذاء جمال جلدي...
فالتجمل بالجلد جزء من حقيقتي... و كلنا نستخدم الحمامات يوميا لكن هذا لا
يعطيني الأريحية بأن أفتح الباب أمام الجميع لينظر! و هذه ليست جرأة و إنما
فجاجة و ابتذال... و ليس كل ما فكر به المرء و شعر يستحق الذكر، فنحن
مليؤون بكل شيء من الأقصى للأقصى... هناك أفكار لا يسرها المرء حتى لصديقه
الحميم... لا يجهر بها كتابة حتى... لا يذكرها إلا للذي سواه عسى أن يشذبه
منها...
قرأت مذكرات كثيرة بكل ضعف شخصياتها و نرجسيتها... لكن لم أستأ من أحدها
كما استأت من هذه، ربما لأنه لم يكن مفترض نشرها أصلا... و ربما لأني معجبة
بسوزان كما تبدت في ضد التأويل لدرجة حفظ بعض جملها من قراءة واحدة، و ليس
لدي الكثير من الكاتبات المفضلات اللواتي يعجبنني لدرجة الاقتباس المستمر
منهن... فذهنها متقد و لغتها قوية... مستقلة في رأيها و مترفعة عن من
حولها... فكان مؤلما لي رؤيتها بشخصية المرأة التي أكرهها و أنفر منها،
المرأة الذليلة في الحب الضعيفة المنبطحة المتوسلة، و الأسوأ أنها شاذة!!
قد آذاني الاطلاع على أبشع صورة لديها...
كانت هذه يومياتها المبكرة في شبابها، لكني لا أحسبني سأتشجع لقراءة
يومياتها الأخرى، حفاظا على ما بقي لها من احترام في نفسي، إن بقي شيء منه
أصلا... فهي كانت كاتبة تهتم بصقل كتبها بعناية و حتى ترجمات كتبها، و
تعتبر التهذيب مقدما على الإنصاف... كانت سيدة متحفظة كما يقول ابنها، و ما
التحفظ برأيي إلا نوع فاخر من التجمل، احتراما للنفس و احتراما للآخر... و
هو نوع بات نادرا في عصر الابتذال هذا... و لذلك لا أرغب بالاقتراب أكثر
عبر يومياتها التي لم تمارس فيها كل هذا... يكفيني منها كتبها الأخرى التي
جلست فيها و تجملت لاستقبال قارئ كإياي، و كانت تفكر فيني _كمتلقي_ حين
كتبت، فأظهرت أجمل و أقوى ما فيها، و سترت ما سواه...
-- ولادة ثانية - اليوميات المبكرة 1947 - 1963 لمؤلفتها الأمريكية: سوزان سونتاغ Susan Sontag تحرير: ديفيد ريف ترجمة عباس المفرجي دار المدى
سلمى 28 أيلول 2015
|
|
|||
|
|
||||
|
|