الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  البحر البحر

 

 

البحر البحر

 

البحر البحر آيريس مردوخ

 

تشارلز آروبي ممثل انكليزي مسرحي مشهور، قرر أن يتقاعد حين بلغ الستين من عمره في بيت عتيق و ناء على شط البحر، و طفق يكتب مذكراته... و لكن مشروعه في الانعزال تهشم حين التقى في تلك القرية بحبه القديم هارتلي التي هربت منه قبل أربعين عاما، ليستيقظ الشغف القديم... شغف تحول مع تراكمات السنين و توهمات الذاكرة لهوس أناني انبجس دفعة واحدة... مما أفزع هارتلي التي كانت تعيسة في زواجها حتى تأقلمت مع تعاستها و أصيبت بحالة من الهستيريا حين فرض عليها نفسه و صار يلاحقها... فلو أن شخصا اعتاد أن يعيش في قفص كل هذه العقود حتى تقلص جسده معه، فهل سيستطيع الخروج لو فتحت الباب له و ينتصب قائما، ألن يصاب بالذعر؟
الرواية أتعبت أعصابي بهذيان بطلها و هستيريا بطلتها فتركتها عدة أيام... مع غيظ و انزعاج من مشاعر البطل حتى وددت ضربه على رأسه حتى يصحصح و يدعها و شأنها... هل كان هذا الهوس مشاعر حب حقيقة أو أنه لم يكن سوى انعكاس لنرجسيته في الرغبة باستعادة الماضي عبر تلك المخلوقة المحطمة... لم أفهم شغفه، و لم أستطع التعاطف معه... فكيف يستطيع امرؤ أن يجمد لحظة من الزمن كل هذه العقود ثم يظن أن شيئا لم يتغير... ألم يتغير هو؟ أفكر في نفسي لو أن أحدا التقى بي بعد عقود طويلة و قد أحب صورتي القديمة... لكنما تلك لم يعد لها من وجود إلا في رأسه، و قد غادرتني و ما عدت أتعرف عليها... بل أحسبني لن أكون ممتنة لمثل هذا الحب... واحدنا في تطور مستمر، فكيف يدعي شخص لم يشهد تطورك أنه ما زال يعرفك فضلا عن أنه ما زال يحبك؟
أم أنه أنا التي لم تفهم هذا، أنا التي تستنكف عن قراءة مذكراتها و لا تجد غضاضة في التخلص مما تقادم العهد عليه، لن تفهم كيف يستطيع أن يستشعر الذكرى امرؤ بعد غياب طويل و كأنها حدثت لتوها! و كيف لمن تظن مثلي أن البعد جفاء و نسيان، و ما هو بعيد عن العين لا ينبهك لوجوده طوال الوقت، سرعان ما يبتعد عن القلب و يتلاشى كتلاشي الكحول في الهواء... كيف لها أن تفهم شعوره؟!
و لكن هل حقا كان هوس تشارلز حبا بها، أم أنه حب للصورة التي غذاها في عقله كل هذه السنين حتى أدمنها و باتت مثل أيقونة يتعبدها، تمثالا اصطنعه من واقع ولى لم يعد له صلة به إلا تشابه الأسماء؟
"و هكذا يمكن أن يكون الناس مصادر للنور طيلة سنين في حياة الآخرين دون أن يدروا أبدا، بينما تتخذ حيواتهم مسالك أخرى مختلفة و خفية. و على هذا النحو أيضا يمكن أن يكون المرء ... وحشا، سرطانا، في عقل شخص يكون المرء قد نسيه تقريبا، أو ربما لم يلتق به أبدا" ص598
 

لا يمكن للرواية إلا أن تدخلك في دوامة من الأسئلة و الأفكار... فهذا هو أسلوب أيريس الذي أحببته مذ قرأت روايتها تحت الشبكة... رحلة نفسية تغوص داخل عقل البطل الراوي، تداعيات أفكاره و التناقضات التي تملؤه و محاولته لتحليل أدق و أخفى مشاعره و من ثم كيفية تطوره من الداخل و تنامي وعيه... أسلوبها قد ناسبني تماما، هذا الأسلوب المستغرق في الذات المشغولة بنفسها و المنعزلة و المتأملة لبطل يختلف عن أبطال الروايات الحديثة كما يصرح البطل عن نفسه، فهو لم تكن له تلك الغراميات الكثيرة و هو اعتراف قد يخجل بطل الروايات الحديث ذكره على عكسه... فضلا عن الجو الموحش المتوحد الذي أضفاه المنزل النائي المطل على جرف البحر مع برجه المتهدم و دارت فيه أحداث الرواية...

 

Luna Punch By Alexander Jansson

Luna Punch By Alexander Jansson

 

الرواية حائزة على البوكر لعام 1978... و سر تكرر كلمة البحر في العنوان أنه مقتبس من بيت شعر، و الذي بدوره مقتبس من صرخة السعادة بالعثور على البحر الأسود من قبل الجنود الإغريق الهائمين و نجاتهم من الموت، كما نقلها المؤرخ اليوناني زينوفون...

 

قد أحببت عوالم أيريس مردوخ هذه الروائية البريطانية، التي كانت فيلسوفة أيضا، و لذلك لن أتردد في القراءة لها ثالثة و رابعة و كلما أتيح لي... كما لا أنكر إعجابي الشديد بقصة حياتها مع زوجها الذي أحبها و عاش مبهورا بذكائها و بنقاشاتهما الثرية طوال حياتها، و حين توفيت كتب مرثيته عنها على شكل مذكرات، و التي تحولت للفيلم الجميل Iris...
 

آيريس


و في النهاية أود أن أقول أن الطباعة لم تكن أفضل ما يكون، فلم يكن هناك فاصل بين كثير من الفقرات و لو بسطر واحد، إذ فجأة تكتشف أن الكلام تغير لموضوع آخر، فضلا عن تكرار حوالي الخمسين صفحة... كما أني كرهت غلاف الكتاب جدا... على أية حال، الكتاب طبعته قديمة و دار الآداب قد باتت تعتني بأغلفة كتبها أكثر من السابق...

 

--

البحر البحر The Sea The Sea

لمؤلفتها البريطانية: آيريس مردوخ Iris Murdoch

ترجمة: فؤاد كمال

دار الآداب



 

سلمى

آذار 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali