الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  قراءة اللامقروء: مخطوطة سيرافيني مثلا

 

 

قراءة اللامقروء: مخطوطة سيرافيني مثلا

 

 

لطالما فكرت إن كان بإمكاني إخراج المعاني التي تثقل رأسي من دون الحاجة لاستخدام الكلمات... فالكلمات بقدر ما تبدو مغوية و شهية و مريحة بقدر ما تكون عصية و صعبة و منهكة حين إرادة لجم المعاني بها، ثم بعد ذلك يبقى المعنى غير مكتمل تماما... و لذلك كنت أفكر بشيء أقل إيلاما من الكلمات... لكن ما الذي قد أوتيه البشري يستطيع أن يكون أكثر دقة في التعبير عن المعنى أكثر من الكلمة، أهي الموسيقى؟ ألرسم؟ هل حقا يمكن أن يقارنا بالكلمة فضلا عن أن يتفوقا عليها؟
هذه المسألة كانت تتأرجح في ذهني من دون أن تعثر على حل...

حتى اطلعت على كتاب Codex Seraphinianus (مخطوطة سيرافيني) لـ لويجي سيرافيني... حينها أدركت أنه ليس من شيء أعلى و أسمى من الكلمات... فلم يؤت البشري معجزة أكمل من الكلام...

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني


في عام 1981 نشر الفنان الإيطالي لويجي سيرافيني كتابا سرياليا اعتبر من أغرب الكتب في العالم، سماه

(Codex Seraphinianus) أي مخطوطة سيرافيني و هو عبارة عن كتاب مصور مكتوب بلغة لا مفهومة و ليست بذات معنى قد اخترعها هو، مع رسوم توضيحية غريبة لا واقعية عن ما يشبه اختراعات و أشكال نباتية و هندسية و حيوانية و إنسانية بطريقة مبتدعة... و كأنه إيجاد لعالم متكامل آخر غير هذا العالم...

 

لويجي سيرافيني


هذا الكتاب العجيب كنت قرأت عنه منذ سنوات في كتاب تاريخ القراءة، و بقي ينمو في أحلامي، إلى أن أتى اليوم الذي أتيح لي قراءته أو بالأدق الدخول بعالمه، و الحق يقال أني وجدت تفاصيله السريالية _التي بدت أبهت حين تجسدها أمامي_ ليست هي مصدر الدهشة فيه بقدر ما هي الفكرة العبقرية بحد ذاتها، و ما تولده في رأسك من آلاف الأفكار...
أعمق هذه الأفكار و التي جعلتني واجمة هي لحظة كشف وجودية... أن خيالنا اللامحدود بطاقته الجبارة، ما هو في حقيقته إلا تكرار لكل الصور الموجودة و لكن بتركيبات و أوضاع و علاقات مختلفة و التي هي بحد ذاتها تقليد لأوضاع و علاقات سبق و وجدت... فمثلا هل يمكن أن نتخيل شكلا ليست خطوطه مما عـُرف، أو عالما موازيا لم يسرق عناصره من هذا العالم؟ أو وجودا لم يستمد جزيئاته من هذا الوجود؟ بل هل يمكن تجسيد ما لا يمكن تجسيده إلا عبر ما هو مجسد لتوه؟  فمثلا الكتاب كل ما فيه لا واقعي... و لكن ليس من جزء فيه إلا و هو مجزوء من الواقع...

و هل كنت أجهل هذا... لا... و لكن هذا لا يمنع تجديد الشعور بالخيبة... إبداعنا _و هو الخلق من غير مثال سابق_ ما هو إلا وهم... محاكاة لما هو مبدع... استنساخ لما هو محدث...

كم نحن محدودون و ضئيلون و مكررون و مقلدون! و مخلوقون!

يا لهزالنا! يا لبؤسنا! يا لبشريتنا!
و حينها وجدت أن كفة التعبير بالكلمات قد رجحت على أي وسيلة تعبير أخرى... بل شعرت أنه على قصور اللغة و اشكالياتها، و مهما بلغ التعبير بغير الكلمات عمقا و تجريدا، سيبقى أقل قدرة من اللغة على البيان... فاللغة تملك القدرة على أن تناور على هذه المحدودية... حتى و لو شيئا ما... أفلا يمكن وصف ما لا سبيل إلى وصفه؟ مثل ذلك التعبير المبين الذي ورد في قوله تعالى: ليس كمثله شيء... أو قول رسول الله "و لا خطر على قلب بشر"... هذه الجمل التي تعابث الخيال و تشاكسه و تتحداه و تهزمه... هذا التعبير عما لا يمكن التعبير عنه و لو عن طريق السلب، قد كان عبر اللغة... عبر هذه الكلمة المعجزة... عبر هذا السر الرباني... هل يستطيع أي شيء آخر أن يعبر عن مثل هذه الفكرة المهيبة المبهمة المجردة؟ هل يمكن لكتاب عجائبي يقوم على إثارة الخيال مثل كتاب سيرافيني أن يعبر عما هو خارج الخيال و الفكر؟ حين خطرت لي هذه الفكرة و أنا أتصفح الكتاب، شعرت كم نحن مقيدون بخيالنا، و هو على اتساعه قيد... و ما خيالنا إلا بشريتنا... و أن الكلمة هي معبرنا الوحيد إلى ما وراء ذلك... و أنها معجزة الخالق قد تفضل بها علينا...


من اللافت أنه جرت محاولات من الكثيرين لفك شيفرة لغة الكتاب... و بعضهم فعلا قد وجد شيفرة ما! بيد أن الطرافة في الأمر أن سيرافيني لا يفتأ يؤكد أن ليس هناك من معنى مخفي وراء هذه الكتابة المبهمة، إنها لعبة ليست بذات معنى و غايته منها أن يعيش القارئ تجربة تشبه تجربة الطفل الصغير حين يمسك كتابا لا يفهمه... و لكن هل كان مثل هذا التصريح ليثني البعض عن محاولة إيجاد شيفرة أو معنى؟ أبدا... فالناس مهووسة بالأسرار و كشفها... ذكرني هذا بالناشرين الثلاثة في رواية بندول فوكو، الذين اخترعوا خطة سرية للمؤامرة الكونية، و كانت من الاتقان بحيث أنهم حتى لو اعترفوا بزيفها فإن الآخرين لن يصدقوا... فحين يكون للناس ميل لاكتشاف الخيوط و الشيفرات و العلاقات في أي شيء فإنهم سيجدونها، لأن الدماغ قادر على اختراع صلة بين أي شيء و آخر... أليس هذا أيضا ما حصل مع جون فوريس ناش في فيلم (عقل جميل Beautiful Mind)... ألم يكن لشدة ذكائه الذي أمرضه يجد شيفرات، في أمور لا شيفرات فيها!
 

لكن هل حقا عشت تجربة طفل صغير يمسك كتابا؟
الحقيقة أن التجربة كانت أقرب لغرقي في أحد تلك الأضغاث الكابوسية المتخبطة... جو الكتاب بدا لي مرعبا... فالصور فيها الكثير من السوداوية و القسوة و الفجاجة و التشوه... و المدرك فينا ليس كالطفل لا وعي لديه فيختبر وجودا جديدا تماما حين يفتح كتابا فلا يعتريه من المشاعر إلا الدهشة... لذلك بدا لي عالم سيرافيني غير ودي، أو حتى عدائيا... مما جعلني أسرع السير في الكثير من الصفحات دون أن أدقق في التفاصيل التي أصابتني بالقشعريرة... و حين أغلقته شعرت و كأني استيقظت من الكابوس و عدت للواقع... صحيح أن الواقع مترع حد الفيضان بالقبح و التوحش و القرف... و لكني على الأقل في هذا العالم و بعد سنوات من اختباره بت أملك بعض الأسلحة _على هزالها_ تساعدني شيئا ما في مواجهة إبهامه: بعض من معرفة، بعض القوانين المنطقية و الفيزيائية التي أستطيع أن أبني عليها، حفنة من البديهيات أنطلق منها، شيء من قدرة على التقاط الجمال وسط كل هذا القبح، بعض من وعي، إيمان أتقوى به، و كلمات أقيد فيها كل شيء و أتواصل بها... لكن في عالم الكتاب شعرت و كأني جردت من كل هذا الذي أملكه و عدت صفرا مطلقا كطفل تائه، بل أسوأ، كمخلوق سريالي يمتلك وعيا بناه من عالم مواز ثم سقط فجأة في عالمنا، لا يعلم فيه شيء و لا حتى أن الشمال هو شمال و ليس أخضر!

و هذا يجعلني أكتشف أني ممتنة لكل الثوابت البديهية و الطبيعية و الزمان و المكان... حتى لو أني أحيانا أتذمر منها لأني فضولية أود أن أعرف ما وراءها... لكنها نعمة حقيقة... فماذا لو أنها لم توجد و كان على واحدنا أن يتفاجأ بقانون جديد كل لحظة فلا يستطيع أن يقف على شيء أبدا... و كأنه سقوط لانهائي في هاوية لا قرار لها!


يقول سيرافيني عن كتابه: أنت ترى ما تود رؤيته، تظنه يتحدث إليك، و لكنها إنما هي مخيلتك فقط"...

و إنما كان هذا كله هو ما قرأته في هذا الكتاب اللامقروء: مخطوطة سيرافيني...

 

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني

 

Codex Seraphinianus مخطوطة سيرافيني


 

ها هنا مقابلة مع المؤلف حول كتابه

--

مخطوطة سيرافيني Codex Seraphinianus

لمؤلفها الإيطالي: لويجي سيرافيني Luigi Serafini



 

سلمى

أيار 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali