الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  ثلاثية بؤس العالم

 

 

ثلاثية بؤس العالم

 

بؤس العالم رغبة الإصلاح  بؤس العالم: نهاية عالم

بؤس العالم: منبوذو العالم   بيير بورديو

 

 

هذا كتاب يحملك إلى الوجه الآخر للمجتمعات الرأسمالية الغربية، ذاك الوجه اللاإنساني المتوحش الذي يسحق تحت رحى متطلبات السوق و الاستهلاك الأفراد الأضعف في المجتمع...
كتاب في علم الاجتماع مكتوب بمنهج إنساني، يكسر فيه جفاف و جمود الدراسات الاجتماعية، و يبرز ما يراد اخفاؤه وراء الصورة الإعلامية الزائفة... بيير بورديو عالم الاجتماع الفرنسي مع فريق عمله، يقترب من الناس و يعمل على الاستقصاء منهم مباشرة، عبر سؤالهم و سبر أوجاعهم... الكتاب لا يعمد للتحليل إلا قليلا، تاركا المساحة الأكبر لأحاديث الناس... و عبر الأسئلة الذكية و العناوين الجانبية بإمكان الفكرة أن تتضح تماما...
الجزء الأول، الرغبة في الإصلاح يتحدث عن سكان الضواحي الفقيرة و العمالية و التهميش الذي يعانون منه على كل الأصعدة المادية و المعنوية... و المهاجرون الذين يؤخذ خيرهم ثم يرمون حين يكبرون في السن... و كأن هذه الأحياء سجون جمعت فيها هذه الطبقات و عزلوا عن بقية المجتمع ليواجهوا مصيرهم... و مثل كل مكان، هناك أنفس دائما تحاول أن تفعل شيئا لتحسين الوضع، و لكن ما يمكن لأفراد أن يفعلوا في مواجهة ما تتسبب به سياسات دول و بيروقراطيتها... لم ينفك فيلم Dangerous Minds يلوح في ذهني، عن المعلمة التي تذهب لحي من هذه الأحياء، و محاولتها فعل شيء ما...
أما الجزء الثاني: نهاية عالم، فهو الحديث عن نهاية عالم التضامن الذي كان بين العمال عبر النقابات و الوقوف جنب بعضهم البعض حتى لا تؤكل حقوقهم، و استبدالها بأخلاق استهلاكية، بحيث صار المسيطر على أخلاق العمال الفردية و المنافسة غير الشريفة و الكيد للزملاء للحصول على المكاسب... و سياسات المؤسسات تعزز هذه الأخلاق... و هنا وجع و سرد لكثير من العمال الذين عانوا من تغير هذه القيم...
أما الجزء الثالث: منبوذو العالم، فهو يتحدث عن النظام التعليمي و الذي هو رغم مجانيته و إلزاميته شكليا، فهو عمليا يعمل على نبذ الطبقات الأضعف و حشرها في نفس الزوايا، عبر تهميش التعليم و تدنيه في الضواحي الفقيرة، فيعيدون إنتاج بعضهم البعض من دون القدرة على تحسين وضعهم الاجتماعي أو المالي و الذي صار مرتبطا بدرجة التعليم و نوعيته... و هذا النبذ ينطبق على المسنين الوحيدين الذين لم يعد لهم من يعينهم...

الترجمة في الثلاثية متفاوتة المستوى، لاختلاف المترجمين، ليست سيئة و لكن الجزء الثاني كان قد ترجم جزءا من الحوارات إلى المحكية السورية بمصطلحات مغرقة في العامية، بحيث لا أظن أنها ستكون مفهومة لغير الناطقين بها...
و جدير بالذكر أن مقدمات فيصل دراج على الكتب جميلة جدا، قطعة فنية و فكرية، وددت لو أنها كانت مئة صفحة، و هنا يحضرني مقدمته المذهلة على كتاب مداريات حزينة...
الكتاب قديم، فهذه الاستطلاعات جرت في الثمانينات و أوائل التسعينيات، كما أنه متعب و يحتاج لصبر كثير لإنهائه، فهو يدخل في تفاصيل تقنية كثيرة و محلية بحتة نقابية و إدارية و قانونية... و لذلك لا أستطيع أن أنصح به أي قارئ، فلن يملك الجلد على قراءته... و لكنه مفيد لمن يهتمون بالشأن العام، فهو يعلمهم كيفية الاستطلاع و التحليل...
لا أدري ما الذي حدا بي لقراءة هذا الكتاب الطويل و المتعب، و خاصة أني نادرا ما أقرأ في علم الاجتماع، و أني لا طاقة لي على قراءة البؤس حاليا، لكن حصل و قرأته، ربما هو عنوانه مع صورة الغلاف لشاب يضع مسدسا على صدغه، و ربما هو قدري في أن أقرأه، فللكتب مقاديرها كما ذكرت مرات و مرات، حيث تجذبك لتقرأها فجأة و من دون تخطيط... بيد أني أحببت بيير بورديو هذا، و مقاربته لعلم الاجتماع... فليس هو ذاك الذي يجلس منظـّرا و محللا للبشر من علٍ، مطلقا أحكامه الشمولية المتعجرفة القاسية، بل هو ينطلق من الناس، و تستطيع أن تفهم عبره سبب هذه الظواهر المعبرة عن تململ و وجع و من شوّه هذه الأنفس و أنهكها... رؤاه الثاقبة تبرز الانتهاكات التي تفقد الإنسان إنسانيته، و تفضح كيف ينمّط الإعلام الصور و الناس لأجل أغراضه، و كيف تكذب استطلاعات الرأي و المقابلات التلفزيونية و تعد الأخبار لتخرج بنتائج مطلوبة مسبقا... و هو رغم اعترافه بأن هناك شعوب منكوبة و حروب، لكن هذا لا يمنع تعرية البؤس في هذه المجتمعات أيضا، البؤس المغلف بالقانون... من قال أن العبودية انتهت من العالم الحديث؟
حتى لو أن تقيمي منخفض للكتاب لأنه ليس من ضمن دائرة اهتمامي، و لأنه مغرق في تفاصيل مملة... و لكني لم أندم على قراءته، و أحسبني لن أمانع أن أقرأ لهذا المؤلف ثانية يوما ما...
 


 

 

--

بؤس العالم: الرغبة في الإصلاح _ نهاية عالم _ منبوذو العالم

La_Misere_Du_Monde

لمؤلفه الفرنسي: بيير بورديو Pierre Bourdieu
ترجمة: محمد صبح، سلمان حرفوش، رندة بعث

تقديم: فيصل دراج

دار كنعان

 

سلمى

13 تشرين الثاني 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali