الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> حتى أنت يا صاحب المداريات الحزينة!

 

 
 

 

حتى أنت يا صاحب المداريات الحزينة!

 

مداريات حزينة     كلود ليفي شترواس

 

ما هو التحضر و ما هو التخلف؟ من الذي يقرر و ما هو المعيار؟ ما الذي يجعل تقليدا إنسانيا متحضرا و آخر متخلفا؟هل من يوتوبيا لمجتمع بشري يكون المعيار الذي يقاس عليه؟ المجتمعات الغربية التي يروج لها في عصرنا الحاضر على أنها أكثر الأشكال تحضرا، هل حقا تختلف في مضمونها عن مجتمعات قبائل الأمازون؟ هل حقا الإنسان العصري أقل توحشا من رجل الأمازون البدائي؟ هل من فرق بين عري المجتمعين، اللهم إلا أن عري البدائيين يرافقه الخفر بعكس عري الآخرين المترافق بالإثارة؟ هل من فرق بين لامنطقية كثير من عادات و قوانين كل؟ ما الذي تختلفه عمليات "تبشيع" الأنف الحالية و نتف الحواجب عن ما يفعله رجال الأمازون من ادخال العصي بأنوفهم و نتف رموشهم لأجل الجمال "التشويهي"؟

تساؤلات و أفكار، كثيرة تقافزت في ذهني و أنأ أقرأ تأملات كلود ليفي شتراوس في الكون و الحياة و الوجود البشري، شتراوس الإثنوغرافي (و هو الذي يُعنى بالدراسة الوصفية لتقاليد و أسلوب حياة شعب ما) الذي أمضى حياته متجولا في البلاد مقتحما غياهيب الأمازون و معايشا لأكثر القبائل بدائية و بعدا، يسكب نفسه أمام القارئ في كتابه هذا مع نفحات من الشجن اللاأدري و التفكر الصوفي...

الكتاب ليس مجرد دراسة و وصف لحيوات البدائيين الغريبة، بل هو أقرب لتأملات شاعرية صوفية ملفوفة بحزن المعرفي الذي يكتشف مدى جهله كلما تعمق في الكون... و لم يكن شتراوس غربيا متعجرفا يدرس البدائيين و يشرحهم، بل كان إنسانا يكتشف مجتمعه و يشكك في مسلمات الحضارة الغربية، عبر دراسته لمجتمعات الآخرين... ليس أفضل من الإثنوغرافي ليفهم تناقضات الطبيعة البشرية و عبثية الكثير من تصرفاتها و مدى زيف ادعائاتها كلما ادعت التقدم، أو توهمت برومانسية أن الحياة البدائية الفطرية بريئة و وردية، فالبشري أينما صنع مجتمعا يفرز نفس الأمراض الاجتماعية و إن كان بصور مختلفة...

"فالمبايا برسوماتهم الوجهية و استعمالهم الإجهاض و وأد الأطفال يعبرون عن المقت ذاته للطبيعة. إن فن الأهالي يجهر باحتقاره للصلصال الذي خلقنا منه."

الكتاب يحملك لأعماق بعيدة، ليست أدغال الأمازون أكثرها عمقا، بل عوالم روح بشرية متوحدة تتفكر في هذا الكون... تماهيت مع الكتاب رغم كثرة الوصف الذي لا أستسيغه، تماهيت معه رغم الترجمة التي كرهتها و حنقت عليها لأني وجدت عسارة في ابتلاعها كونها تبقي مبنى الجملة الأجنبية كما هي، تماهيت معه و كنت أحلق رغم أني في أحيان لم أكن متأكدة أني فهمت ما أقرأ أو حتى أتفق معه فيما لو فهمت، تماهيت معه حتى نسيت أين أنا رغم أصوات القصف التي كنت أحسبها تخرج من قعر الجحيم و تشعرني بعبثية كل شيء...  لكن روح شتراوس المعجونة بالحزن الشفيف و عباراته الرقيقة كانت تنساب داخلي بلطف رغم كل شيء...

يبدأ كتابه بالعبارة التالية:

أنا أكره الأسفار و المستكشفين، و هأنذا أتهيأ لرواية رحلاتي. و لكن كم من وقت مضى حتى أحزم أمري! خمسة عشر عاما انقضت مذ غادرت البرازيل لآخر مرة، و كثيرا ما راودتني، خلال هذه السنوات، فكرة الشروع بهذا الكتاب، لكن نوعا من الخجل و التقزز منعني في كل مرة. ماذا؟ أينبغي علي أن أقص بكل دقة تلك التفاصيل التافهة و الحوادث التي لا معنى لها؟

 و ينهيه بـ

إنها فرصة سانحة، حيوية للحياة و الانطلاق، تقوم ... على الإمساك بجوهر ما كانه [أي المجتمع]، و يستمر في كونه، فيما قبل الفكر و وراء المجتمع: في تأمل بلورات معدن أجمل من كل أعمالنا الفنية: و في الأريج الأكثر علما من كتبنا الذي ينبعث من جوف زنبقة، و في غمزة العين المثقلة بالصبر و السكينة و التسامح، التي يسمح تفاهم لاإرادي بتبادلها أحيانا، مع قطة.

فهمت حينها لماذا يوسف دراج كتب مقدمة تشعر بكلماتها تقطر حبا في الكتاب... لم أقرأ مقدمة مكتوبة بكل هذا العشق لكتاب من قبل... قد أصابه سحر الكلمات مثلي... يقول:

مداريات حزينة كتاب نبيل، يحاور فيه المعروف المجهول، و يسائل المتوقع اللامتوقع، و يواسي الشعر العلم، و تؤانس البصيرة المعارف جميعا. كتاب عن الشعوب البائدة حيث للاختصاص مكانه، و عن الحزن الإنساني الطليق، الذي يفيض على العلوم المختصة جميعها. 

لا أدري، ربما شتراوس قد استخدم إحدى تمائم بعض سحرة قبائل الأمازون ليجعل كلماته مسكونة بروحه المنعزلة الشجية، بحيث ما من شخص يقرأها حتى تتلبسه و تمتزج فيه...  

----

حين أنهيت الكتاب و أنا مسحورة به، و أنهيت مراجعتي الحالمة هذه عنه... طفقت أبحث أكثر عما قيل عن الكتاب... لأكتشف مفاجأة أشعرتني بأن خيانة ثقافية مورست علي و بفجاجة... جعلتني أشعر بالحنق و الاستياء و الجكر الشديد...

فالناشر قد اقتطع مقاطعا من الفصل الأخير مبينا في الحاشية أنه من شاء أن يعرف المزيد أن يعود للنص الفرنسي فيقرأها!! و كأن واحدنا استحمل هذه الترجمة العسرة لأجل سواد عينيها، و ليس مضطرا لأنه لا يتقن اللغة! تساءلت ما يمكن أن يكون اقتطع من الكتاب و هو بمثل هذا الجمال؟ لربما اختصر بعض الوصف فقد طال الكتاب كثيرا! و لكن لم أعر الأمر اهتماما كبيرا، فلم يخطر على بالي شيء سيء... لاكتشف أن ما اقتطع هي أراء لليفي شتراوس متعجرفة و عنصرية و فجة و صادمة عن الإسلام و المسلمين لا تتناسب مع اللطف و التفاهم و التعمق الذي ساد كل اختلاف في هذا الكتاب... فالصورة الاستشراقية النمطية المسفهة لحضارتنا ظهرت بشكل فاضح في كلماته...

أليست تلك صورة الحضارة الإسلامية التي تقرن بين لطائف نادرة جدا كقصور من الحجارة الكريمة، وعيون من ماء الورد، ومآكل مغطاة بأوراق من ذهب، وتبغ للتدخين ممزوج بهشيم الدرر، استخدمت لتغطية خشونة الأخلاق والتزمت الّذي اكتنف الفكر الأخلاقي والديني؟

هذه الديانة العظيمة لم تتأسس على بداهة الوحي وإنما على عجزها عن عقد روابط في الخارج. فأمام رفق البوذية الكوني وتشوق المسيحية إلى الحوار يتخذ التعصب الإسلامي شكلا لاشعوريا عند الذين يقرون بذنبهم، ذلك أنهم إن لم يسعوا دائما، وعلى نحو فظ، إلى حمل الغير على مشاركتهم في حقيقتهم، فإنهم مع ذلك (وهذا أخطر) غير قادرين على تحمل وجود الغير بما هو غير. فالسبيل الوحيد عندهم ليكونوا في مأمن من الشك والخزي يتمثل في إفناء الغير الذي يعتبر شاهدا على عقيدة أخرى وسلوك آخر. *

و لم يكن استيائي من الصورة بحد ذاتها التي قد قرأت مثلها في عشرات الكتب، بقدر استيائي من السياق الذي ظهرت فيه... فبعد كتاب طويل و مسهب مكتوب بحب و شجن و تفهم عن الثقافات المختلفة و الوجود الإنساني من قبل أوروبي استطاع أن يتحرر من مركزية مجتمعه و نزعته الاستعمارية الفوقية، فجأة تنبري من بين هذه السمفونية الطيبة نغمة نشاز يطغى صريرها الكريه على كل ما سبق، ضاربة عرض الحائط كل "المثاليات" السابقة، و كأن العرق الاستعماري الأوربي لم يطق صبرا أخيرا مع منافسه اللدود، فما كان إلا أن نزع و ظهر حين أتى دور الإسلام...

و ما جعل استيائي مضاعفا هو الخداع الذي شعرت به قد مورس علي من قبل الناشر... فقد اتضح أنه قد اقتطع المقاطع التي من شأنها أن تغير نظرة القارئ المسلم العربي نحو الكتاب... و لا حتى أنه نبه إلى ماهية ما اقتطع... فالقارئ الذي يتوجه له الكتاب سيشعر باستياء و لن يستطيع أن يفهم مدى نبل الكتاب فيما لو رأى كيف تبدو صورته في ميزان شتراوس... فدعنا نقتطعها و دع القارئ يستمتع بهذا النبل الإنساني المثالي العظيم حول البشرية، فتتمة الصورة حول الإسلام و المسلمين ما هي إلا شيء يمكن التسامح فيه، فهو الأمر المعتاد و المألوف...

  • المقطع المترجم من مقالة: الإسلام والمسلمون من منظور كلود ليفي ستراوس، تقديم وترجمة: العادل خضر.

--

مداريات حزينة Tristes Tropiques

لمؤلفها الفرنسي: كلود ليفي شتراوس Claude Lévi-Strauss

ترجمة: محمد صبح

تقديم: فيصل دراج

دار كنعان

 

سلمى

كانون الأول 2012

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali