الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  ما وراء الطبيعة بين الفلسفة و الإسلام

 

 

ما وراء الطبيعة بين الفلسفة و الإسلام

 

 

 

الكتاب (الميتافيزيقا في الفلسفة الأوروبية الحديثة وموقف الإسلام منها) هو رسالة دكتوراة يتحدث فيها مؤلفها عن ثلاث مسائل ما وراء طبيعية: مسألة وجود الله و مسألة الوحي و مسألة الروح في الفلسفة الحديثة عند ثلاث مذاهب: المذهب الواقعي (متمثلا بـ هوبز و لوك و هيوم) و المذهب العقلي (متمثلا بـ ديكارت و سبينوزا و مالبرانش و ليبنتز) و المذهب المثالي (متمثلا بـ باركلي و كانط و فشته و هيغل)... ثم عرض هذه الآراء على ميزان الإسلام...
موضوع الكتاب جميل جدا و هي المرة الأولى الذي أقرأ فيه... و رغم صعوبته و خاصة المذهب المثالي لكن أسلوب المؤلف كان سلسا في عرض الأدلة و الأقوال و يأخذ بيد القارئ شيئا فشيئا منذ البداية بتعريف مصطلحات كل فيلسوف قبل أن يبدأ بذكر أهم أرائه حول الموضوع... و قد غلبت مسألة الوجود الإلهي على المسألتين الأخريين في الشرح... و ربما ذلك لارتباط الاثنتين بالأولى...
و لكن الملاحظ أنه بعد أن يشرح باستفاضة آراء الفلاسفة و حين يأتي دور الإسلام فإن كلامه يصير مقتضبا و لا يشفي الغليل... يعني يبسط أدلة الآخرين بالتفصيل، أما عرضها على ميزان الإسلام يكون بالجملة و باقتضاب و عبارته خجولة فيها، بحيث تكاد تختفي على حساب النقول، و هي نقول جميلة بطبيعة الحال، و لكنها أحيانا كثيرة تكون عامة، أعم من الكلام المراد تقييمه... كنت أتأمل كلاما أكثر من قسم ميزان الإسلام بناء على ما تقدم من شرح لفلسفات الآخرين و نفسه المسهب و السلس فيها...
الكتاب على أية حال جميل و مفيد و يستحق القراءة و هو مناسب ليكون مدخلا للموضوع...

خمس نجمات لشرح آراء الفلاسفة و ثلاث لميزان الإسلام...


قراءتي لهذا الكتاب جعلت كثيرا من الأفكار تخطر في رأسي:
· شعرت بأن شيئا من أفكار الفلاسفة قد سبق و مرت معي و لكن بأسلوب آخر في النقاشات الكلامية (و علم الكلام هو علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية)... و هذا جعلني أفكر بما أن الإنسان حيوان ميتفازيقي (كما يقول شاتوبريان) من ناحية، بحيث لا يستطيع إلا أن يشغله ما وراء الطبيعة حتى لو ادعى أنه لا شيء آخر سوى الطبيعة و جادل على هذا، و من ناحية أخرى هو محدود و منته و محكوم بعالم الشهود، بمعنى أن له سقف لا يستطيع أن يتجاوزه فيما يتعلق بهذه الأمور، هذان الأمران هو ما يجعل الأفكار و الإشكالات و التساؤلات و كأنها تتكرر عبر القرون و لكن تختلف في كل مرة طرق التعبير عنها و التشبيه و الأساليب...
 

· مما جعلني أفكر بنقطة أخرى... أني أستغرب فعلا وجود زهد و حتى استسخاف بعلم الكلام من قبل الكثيرين، ثم تجد واحدهم مهتما بقراءة الفلسفة الغربية؟! و يأخذ كلام الفيلسوف على أنه برهان، مع أنه ليس أكثر من كلام يحتاج لحجة... و من أين يأتي فيلسوف بحجة على ادعاء بأن الروح هي عبارة عن كيت و كيت أو حتى لا روح، مثلا؟


· كنت في معرض قراءتي لتفسير الرازي ذكرت مرة عن كثرة خوضه في مسائل عجيبة و غريبة فيما يتعلق بالإلهيات، و كنت أتساءل أن لماذا و ما الجدوى... و لكن اكتشفت أن طريقة تفكيره هذه ما هي إلا انعكاس لجو من الشبهات و الأفكار محقون بكل هذا...
و بالتالي الأشخاص الذين يسفـّهون هذا العلم بحجة أنه لا يفيد العامة و أنه يضللهم و أن ما هي الجدوى و أنه لا يقترب من آلام الجماهير و أن الخطاب البسيط هو خير و أفضل... فإنه ربما لم ينتبه أن هناك فئة من الناس كثيرة التفكير و مجبولة على الشك و التعقيد حتى قد يصل بهم الأمر للشك بالضروريات و البديهيات و مسائلة الواقع فيما لو كان له وجود خارج أذهانهم... و هم من الجماهير أيضا... و لكن نسبتهم قليلة... و مثل ما أن مخاطبة العامي بهذه الأمور أمر خاطئ، فكذلك مخاطبة الذي يتعبه عقله بخطاب بسيط أمر خاطئ...


· و طبعا حين أتحدث عن علم الكلام فأهم ما في الموضوع عندي هو تعلم المنهج و الطريقة و رؤية كيف كان يتم الأمر و تدريب الحس المنطقي و الحجاجي و البناء على ما تقدم بدل التكرار أو إعادة اختراع العجلة للمرة المليار... و ليس إعادة الخلافات و الإشكالات القديمة كما هي بلغتها و سياقها، و هو أسوأ ما يمكن لدارس معاصر لمثل هذه الأمور أن يقع فيه... هذا العلم لم يوجد ليحفظ و يكرر كالمسجلة... فهذا يتناقض مع سبب وجوده أصلا...


· أظن سبب مهم لصعود الحضارة الإسلامية بسرعة في بداياتها كان أن الوحي قد كفاهم همّ الميتافيزيقيات، (ليس كمثله شيء... قل الروح من أمر ربي... هديناه النجدين...) و وجههم للتفكر فيما يمكن أن يتطوروا فيه و يتقدموا، أي الكون و أنفسهم و اللغة. و كما ذكرت في معرض حديثي عن كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، أن أكثر ما تجلى المنهج الحضاري عند المسلمين في علم الكلام، و علم أصول الفقه (و هو القواعد التي نتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية) و هي تقابل منهج الفيلسوف و منطقه، و علم الاجتماع و فلسفة التاريخ و مناهج التثبت من الرواية بالجرح والتعديل، و في فلسفة النحو التي تأثرت بأصول الفقه ونبعت من بنية اللغة نفسها... و لم يكن بداخلهم ذاك السؤال الوجودي من أين و إلى أين، مما دفعهم للنظر بدون تلك الاشكاليات الممضة... لذلك لم يكن القلق سمة عامة لتلك الحضارة حينها...
 

· المنجزات التطبيقية لأي حضارة ما هي إلا قمة جبل الجليد... و هي نتيجة لنظرة عامة تجاه الوجود و لمناهج فكرية حول المعرفة و اللغة و الحياة و الأخلاق و التشريعات القانونية... و لذلك فإن الزهد في الإقبال على العلوم النظرية و الفكرية أو فقر الإبداع فيها علامة تراجع حضاري و أزمة خطيرة في وعي أمة ما... و هذا ما يجعل تكريس الضوء حاليا على منجزات الحضارة الإسلامية العلمية على أن هذا ما كان فقط، و إسقاط اعتبار غيرها و عدم الاكتراث بالنظرة العامة للوجود التي كانت و أدت لكل هذا هو نتيجة لقصر النظر ذاك...


· أخيرا حين قرأت كل تلك الإشكالات و الشكوك و الأدلة المتخبطة، قلت صدق الله حين قال: "الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله"... و أيضا على لسان رسوله: (يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)... حقيقة لا يدري المرء كيف يهتدي لولا أن الله الهادي... لو قدمت كل الأدلة و البراهين على وجود الله أو عدم وجوده، فإنه دائما هناك احتمال آخر، و المرء لا يصل لليقين من قراءة الأدلة فقط... و خاصة حين يصاب بالشك و السفسطة فلا شيء يخرجه من هذه الدوامة حتى تجهز على دماغه أو يصاب بالتبلد... كل ما يمكن أن توصل إليه على أحسن تقدير هو الظن و الاحتمالية و استواء الكفة... و ما يغني الظن عن الحق؟
إذن فمن أين يأتي اليقين لدى المؤمن بالله؟
من الله الهادي... فالله الذي هو الخالق لهذا الإنسان و عقله و حواسه و شكوكه و وهمه و الكون حوله، هو وحده القادر على أن يصل إليه و يخرجه من كل هذه الشكوك و يريه اليقين المطمئن و يهديه إليه... و يلقي إليه حبل النجاة من تلك الدوامة المغرقة...
لذلك كيف للملحد أن يدعي يقينا كهذا و ليس من دليل محسوس ينفي وجود الله؟
لا تستوي كفة الإيمان بالله بعدم الإيمان به في احتمالية الشعور باليقين و أنهما بنفس الدرجة في موقفهما من الوجود و نظرتهما إليه، فيُستنكر على المؤمن يقينه بوجود الله، لأن الآخر يشعر بالحيرة... فغير المؤمن بالله ليس لديه في معياره إلا هذا المشهود المحتمل... بينما المؤمن بالله لديه الله الذي هو الخالق للوجود... و لذلك الكفتان ليستا سواء... و مع أني أجد اللاأدرية أكثر اتساقا من الإلحاد، و لكنها ليست هي النهاية الأخيرة المنطقية للبحث... هي فقط نهاية الممكن من قبل الفرد... و لكن الهداية للإيمان و اليقين بيد من جعل كل هذا... لذلك من المنطقي جدا أن يضع المحتار من ضمن خطته في البحث سؤال الله _الذي لا يعلم بوجوده_ أن يهديه...
بيد أن اليقين ليس أمرا يأتي من قراءة كتاب أو جملة ثم يصير المرء مؤمنا... و التجارب في هذا السياق لا تتشابه... لكل تجربته الذاتية في الإيمان... فالأمر ليس بهذه التسطيح و البساطة و لا يوجد تلك الكلمة السحرية التي تقلبك من شخص ملحد أو محتار إلى شخص متيقن، بل الأمر تراكمي... و كما قال أبو يعرب المرزوقي في إحدى تغريداته:
"يمكن أن نستنتج طرق علاج ظاهرة الإلحاد الملازمة للوعي الإنساني الحر أمام مغلقات الوجود ... فموقف الوعي الحر لا يمكن أن يأتيه علاج من الخارج بل علاجه الوحيد هو تطوره الروحي الذاتي وغالبا ما تجري الأمور بالأسلوب الذي قدمه الغزالي"
و بناء عليه أيضا... فلا أحد يضمن أنه اهتدى للأبد... و التكبر أس الخطايا... نسأل الله الهداية دائما و أن لا يتخلى عنا أبدا...
 

 

 

--

الميتافيزيقا في الفلسفة الأوروبية الحديثة و موقف الإسلام منها

لمؤلفه الأردني: سامر بني هاني

دار الأمل


 

سلمى

تشرين الأول 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali