الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  رحلة بالداسار

 

 

رحلة بالداسار

 

رحلة بالداسار  

 

كلما مر بي هذا العنوان (رحلة بالداسار) كنت أتخيل قصة ساحر و عوالم غرائبية... حسنا، لم أبتعد كثيرا عن خيالاتي، فقد تبين أنها قصة ساحر فعلا و لكن هذا الساحر هو أمين معلوف...
بالداسار أمبرياتشي جنوي يعيش في جبيل بلبنان حوالي العام 1666 م، يعمل كتاجر للتحف و الكتب الثمينة... وقع بين يديه كتاب فريد و نادر بطريقة غريبة هو (الاسم المئة) لأبي ماهر المازندراني الذي يدّعى أنه يتحدث عن نهاية العالم و علاقة اسم الله الأعظم بكيفية النجاة من هذه الأهوال... لكنه سرعان ما خرج من يديه بطريقة غريبة و متعجلة كما دخل، قبل أن يتسنى له النظر فيه فنعرف ما فيه... ترافق ظهور الكتاب للمحة مع ما بدأ ينتشر في الأجواء من اقتراب نهاية الزمان... هاتين الحادثتين الغريبتين _امتلاكه للكتاب لوهلة ثم ذهابه من يده_ بالإضافة إلى كم من الحوادث جعلت خاطرا يلح عليه بقوة أن عليه استعادة الكتاب مهما كلفه الأمر... ليبتدئ رحلة طويلة مليئة بالعجائب و المصاعب و المغامرات و الإشارات... و صراع داخلي لا يستقر على قرار هل الكتاب حقيقي أم مزيف، هل تصدقه حواسه أم تخاتله، هل يؤمن بهذا كله أو لا يؤمن؟ مع دنو العام الذي يفترض به أن ينتهي العالم به و ازدياد حمى النهاية... و نحن نركض وراءه من مكان لآخر... لنتعلم فيما بعد أن الإشارات التي تـُرسل إلينا و نتعجل في تأويلها... قد تكون إنما تشير إلى ما لم نكن نتوقعه... و هي في آخر المطاف إنما تقودنا لأقدارنا المكتوبة لنا... و التي هي أعظم حكمة مما ظننا...
أسلوب الرواية مشوق للغاية... المذكرات المقتضبة أضفت متعة زائدة على سيرها... فما نقرأه هو يوميات بالداسار... و هو يتردد بالكتابة تارة و يندفع، يتبسط بالتعبير أو ينقبض...
"بعض الناس يكتبون مثلما يتكلمون، أما أنا فأكتب مثلما أصمت"

كما أن الترجمة متقنة...

و قد بدا لي لطيفا في مقاربته للحب، _و هذه ثالث رواية لمعلوف أقرؤها_ عبارات مختزلة و رقيقة لا هي بالمباشرة و لا بالمشاعر الجياشة المملة... و قد صار أمرا ملفتا للنظر أن يكون روائي يكتب هكذا، على عكس الكثير من الكتّاب هذه الأيام... بل خطرت لي رواية "شيطنات الطفلة الخبيثة" الكريهة و رحت أقارن بينهما، و فكرت أن ماذا لو أن معلوف كتبها بدل يوسا الفج و الثقيل... أما كنت لأحبها؟ فكلاهما كتب قصة حب ممزوجة بأحداث أخرى، و كلاهما يملك موهبة القص، و لكن شتان بين من يشعرك بالحب بإيحائه و من يشعرك بالغثيان بابتذالته...


قد أحببت روح أمين معلوف في رواياته... خفة و طرافة و ذكاء و أجواء تاريخية مع تساؤلات تنبئ عن نفس مثقلة بالحيرة... حيرة طيبة خيّرة باحثة لا عدائية مدمرة متعجرفة...
 

"ما زالت تفصلنا أربعة شهور طويلة عن عام الوحش، لكنه حاضر ها هنا. ظله يغشى صدورنا و نوافذ بيوتنا.

لم يعد الناس من حولي يتكلمون عن شيء آخر سوى العام الذي يقترب، العلامات المنذرة به، التنبؤات... أقول لنفسي أحيانا: فليأت! و ليفرغ في نهاية الأمر خرج آياته و نكباته! ثم أراجع نفسي، أعود بذاكرتي إلى كل تلك الأعوام الطيبة العادية حين كان كل نهار يجري بانتظار أفراح المساء. و ألعن ملء فمي عبدة نهاية العالم.

كيف بدأ ذلك الجنون؟ في أي ذهن نبتت بذرته أولا؟ تحت أية سماوات؟ لا أعرف بدقة، مع ذلك، فإنني بطريقة ما، أعرف. من المكان الذي أنا فيه، رأيت الخوف، خوفا فظيعا يولد و يكبر و ينتشر، رأيته يتسلل إلى الأذهان، أذهان القريبين مني، ذهني. رأيته يطيح بالعقل، يدوسه يذله ثم يفترسه." ص1

 

هذه كانت صفحة البداية لحكاية النهاية...
 

رواية تستحق القراءة... و ما أكثر إثارة من قراءة رواية محمومة بنهاية العالم و أنت تعيش أجواءها، و أنت تتساءل هل حقا اقترب الزمان أم أنها فورة أخرى من تلك التي تتكرر عند كل فترة مفصلية في التاريخ؟

 

 

--

رحلة بالداسار Le Périple de Baldassare

لمؤلفها اللبناني: أمين معلوف Amin Maalouf

ترجمة: روز مخلوف

دار ورد



 

سلمى

أيلول 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali