الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  شيطنات الطفلة الخبيثة

 

 

شيطنات الطفلة الخبيثة

 

شيطنات الطفلة الخبيثة  

 

ريكاردو الطيب حد السذاجة عشق امرأة لعوب _لا اسم ثابت لها يقيدها_ مذ كانا مراهقين... و طفقت هذه المرأة تظهر و تختفي في حياته بصدف و حبكات مختلفة، تلوعه و تذيب قلبه ثم تهجره لتعاود الظهور تارة أخرى، على مدى أكثر من ثلاثين عاما... حتى اهترأ الجسد و انهار، و آل للضعف بعض القوة، كنهاية أي بشري فان... فتوقفت تلك اللعبة بطبيعة الحال... و فيما بين أحداث هذه الحبكة الرئيسية، تظهر شخصيات بحبكات ثانوية و جانبية كالمترجم الفوري في الأمم المتحدة و الثائر الاشتراكي البيروي و الهيبي في أوربا الستينيات و خبير كاسر الأمواج في بيئة الفقر المدقع في البيرو و رجل المافيا الياباني المنحرف... الخ

 

القصة بدت لي قصة حب مثالية، أن يقع الملاك في حب الشيطانة... رجل طيب خال من الطموح حنون متسامح و معطاء، يغرم بالمشاكسة الأنانية القاسية، مستغلة طيبة قلبه و مضفية الإثارة على حياته المملة بمفاجآتها... أوليس هذا هو الحب؟

لكن أعط قصة حب مثالية كهذه لمؤلف من أميركا اللاتينية و ستخرج لك بهذه الطريقة الثقيلة و الحسية و المباشرة... فهو لا يدع لك فرصة لينمو خيالك و تحلم عبر التعريض و الكناية، بل يفصل لك تفصيلا حد القرف ليقحم خياله الخاص و الحصري في رأسك... فيصير كالعبء...

يوسا ماهر في الحكي، و لكنه ثقيل ثقيل ثقيل... و كأنه يروي لك و هو جاثم على صدرك... و كأنه يمسك برأسك و يغرقه في بركة من الماء ليخنقك... فهو أرضي، يقتحم بوقاحة من دون مقدمات... فتصير تنهال كلماته عليك بفجاجة و كأنه يحاجرك بها... ليس من نوعية الحكايا التي فيها عمق من نوع ما أو فلسفة، مجرد حكي و وصف خارجي للشخصيات بشكل مسطح، و وصف و وصف و الكثير من الوصف... حتى ناء كاهلي بأحمال الوصف... و أنا سرعان ما يضيق صدري بكثرة الوصف... دع عنك التفنن في الأوصاف الداعرة و أفعال الشخصيات المنحرفة المقززة... فهذا ما لا أدري كيف أعلق عليه...

لن أنكر أنه كاتب مبدع في افتعال الحبكات... و لكنه أفسد كل شيء بأسلوبه... و لم أشعر بارتباط بيني و بين الشخصيات، رغم شغفي عادة بشخصية الطيب في الروايات... و لم أكرههم بطبيعة الحال أيضا... و لم أختبر معه تشوقا لمعرفة ما يحدث بل صارت تتباعد فترات قراءتي للرواية... لأنها أزعجتني مثل انزعاجي حين أقرأ الأخبار... فإن كانت فترة قراءة الرواية و هي الفترة المفضلة عندي في يومي كله جعلتني أشعر بكل هذا الثقل... و لم أستمتع بها اللهم إلا في بعض الفقرات، كسخرية الطفلة الخبيثة من كلماته الغزلية و مشاعره الجياشة مع طلبها للمزيد و سعادته بسخريتها، و أيضا بعض الحديث عن الشخصيات الجانبية كعالم المترجمين الفوريين في الأمم المتحدة... و قد أنهيتها بدافع إتمام كتاب ابتدأته... مما يعني أنها رواية رديئة بنظري...

 

ربما أحد الأمور غير المقنعة أيضا، أن الرواية مكتوبة بصيغة الأنا على لسان ريكاردو الطيب... و لكن يوسا و هو على هذا الحال، كان الأنسب لو كتبها بصيغة الراوي العليم أو على لسان تلك اللعوب... فذلك أنسب لروحه و طريقة حديثه من نفسية الرجل الطيب ليتحدث بلسانه...

شعرت بخيبة كبيرة كبيرة... و خاصة أني قرأتها بعد رواية بقايا اليوم لـ إيشيجورو و هو يتحدث عن عوالم رجل طيب و متحفظ و قليل الطموح أيضا... و شتان شتان بين طريقة رصد العالمين... ليت أن إيشيجورو هو من كتب هذه الرواية...

لن أدعي أني كنت أملك توقعات عالية، فأنا بعد عدة تجارب فاشلة مع بعض مؤلفي أمريكا اللاتينية _اللهم إلا بورخيس_ و التي في كل مرة تجعلني أتساءل إن كنت سأنتحر فورا فيما لو كنت ولدت في أميركا اللاتينية، أو كنت لأبحث عن عالم آخر بمعايير أخرى قبل أن أقدم على هذا... و لكني لم أستطع كبح خيبة الأمل لأني أحببت فكرة الرواية... و قد يعلق أحد المهووسين _كالعادة_ لماذا تقرأين لهم إن كانت هذه فكرتك ابتداء، ثم إنها مكتوبة بمعايير عالمهم و عليك الحكم عليها هكذا... فأولا لأني حرة أقرأ ما أشاء و كيفما أشاء، و ثانيا لأن هذه الأفكار تراكمية تتشكل بعد القراءة، فعلي أن أقرأ أولا لأشكل فكرة... و ثالثا لأن المؤلف يقص على سكان العالم و ليس فقط على أصدقائه الخاصين، فمن حق سكان العالم أن يبدو رأيهم في عوالمه و معاييره... و رابعا أنها رواية قائمة على الذائقة و الخيال و ليست كتابا علميا حتى أحكم وفق معيار خارجي... فالمعيار شخصي و ذوقي، و لست ملزمة بأن أكذب ما اختبرته بإحساسي لتغليب إحساس الآخر... و خامسا لأني أستمتع بالحديث عن الكتب في كل حالاتها... و سادسا و هو الأهم أن الكتب هم أصدقائي و أعدائي، أحب بعضهم فأتلذذ بمدحه، و أكره بعضهم فأتلذذ بهجوه... و مثلما ينكافني و يرفع ضغطي كتاب ما، فإني لا أتوانى عن الرد عليه بضربه علقة ما... فهو ليس كالإنسي الذي عليك أن تعامله بالمعروف قدر الإمكان...

 

السؤال الذي خطر على بالي حول أدب أميركا اللاتينية أن هل هذا هو التيار الوحيد عندهم فعلا، أو هو فقط ما يبرز للعالمية و ما أريد لهم أن ينحشروا فيه... الغرائبية الحسية الواقعية الفظة التي تشابه الغرائبية الحسية التي تبرز من الشرق؟ هل من تيارات أخر؟ هل بورخيس بقصصه العميقة و الغريبة و المختزلة طفرة؟ لا أدري حقيقة... فربما هذا فقط الذي صادفته... أحتاج لأقرأ و أبحث أكثر حتى أعرف...

 

و بعيدا عن يوسا المزعج، و كما قالوها في الأمثال الشعبية (القط بحب خنائو)، فإن فكرة الرواية مطروقة كثيرا في تراثنا الشعري العربي... الطيب المسكين الراضي بحبه و المستسلم لنزوات تلك المشاكسة المستبدة التي تلوعه... منها أبيات غاية في العذوبة و الشقاوة بنفس الآن، حتى بالنسبة لكائن غير شعري مثلي، و لذلك سأعرض مقتطفات منها، لأجل استعادة الفكرة في ذهني بعد أن خنقتها الرواية بسماجتها...

 

لـ حسان الهند غلام علي قصيدة غزلية رقيقة يقول فيها:

لا أشتكي و الله من جفواتها ... أنا طالب للذات لا لصفاتها

يا للعناية إن أتت بإساءة ... يا للكرامة إن أرت حسناتها

وعدتْ بتسلية للشوق فما وفت ... واها لمعتمد على كلماتها

أمسي و أصبح راقبا لأريجها ... حتام هذا المكث من نسماتها

كتب القضاء على المتيم أن يرى ... في قلبه الكيـّات من جمراتها

رُمت الشفاء من السقام بسوحها ... فمرضتُ طول العمر من لحظاتها

قلبي زجاج قلبها حجر و إن ... لقيا فلا منجاة من آفاتها

تبكي على قتلي و لكن فرحة ... فانظر إلى العينين لا إلى عبراتها

إن متُّ في سبل الغرام فهين ... أبغي من المنان طول حياتها

 

و لـ أبي فراس الحمداني قصيدته الرائعة:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك و لا أمر؟

بلى أنا مشتاق و عندي لوعة ... و لكن مثلي لا يذاع له سر

إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ... و أذللت دمعا من خلائقه الكبر

معللتي بالوصل و الموت دونه ... إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر

حفظتُ و ضيعتِ المودة بيننا ... و أحسنَ، من بعض الوفاء لك، العذر

وفيتُ و في بعض الوفاء مذلة ... لآنسة في الحي شيمتها الغدر

تسائلني: من أنت؟ و هي عليمة ... و هل بفتىً مثلي على حاله نكر؟
فقلتُ _كما شاءتْ و شاء لها الهوى_: ... قتيلكِ. قالت: أيهم؟ فهم كثر

فقلتُ لها لو شئتِ لم تتعنتي ... و لم تسألي عني و عندك بي خبر

فقالت: لقد أزرى بك الدهر بعدنا ... فقلت: معاذ الله، بل أنتِ لا الدهر

و ما كان للأحزان لولاكِ مسلك ... إلى القلب لكن الهوى للبلى جسر

و تهلك بين الجد و الهزل مهجة ... إذا ما عداها البين عذّبها الهجر

فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... و أن يدي مما علقتُ به صفر

و قلبت أمري لا أرى لي راحة ... إذا البين أنساني ألحّ بي الهجر

فعدتُ إلى حكم الزمان و حكمها ... لها الذنب لا تـُجزى به و لي العذر

 

و أختم ببعض من أبيات قصيدة نوفل إلياس التي غنيت كثيرا:

أرى سلمى بلا ذنب جفتني ... و كانت أمس من بعضي و مني
غدا لما أموتُ و أنتِ بعدي ... تطوفين القبور على تأني
قفي بجوار قبري ثم قولي ... أيا من كنتُ منكَ و كنتَ مني
خدعتكَ في الحياة و لم أبال ... و خنتكَ في الغرام و لم تخني
كذا طبع الملاح فلا ذمام ... فـُطرن على الخداع فلا تلمني


 

 

--

شيطنات الطفلة الخبيثة Travesuras de la niña mala

لمؤلفها البيروي: ماريو باراغاس يوسا Mario Vargas Llosa

ترجمة: صالح علماني

دار المدى



 

سلمى

حزيران 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali