الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> بقايا اليوم

 

 

بقايا اليوم

 

بقايا اليوم    كازو ايشيجيرو

 

المستر ستيفنس رئيس خدم انكليزي من النوع الممتاز، نذر نفسه ليكون أداءه في الخدمة كاملا... يذهب المستر ستيفنس في رحلة للقاء المس كنتون التي كانت تعمل معاونة له قبل سنوات بعيدة قبل أن تتزوج و تغادر القصر، و ذلك بعد أن أتته منها رسالة... و في أثناء رحلته تتداعى أفكاره حول حياته التي عاشها، و من خلالها تشهد دواخل شخص متوحد منغلق، لم يكن في حياته شيء يدور حوله إلا أمر واحد، و هو الكرامة... و ما يعني بالكرامة؟ أن يؤدي عمله بكمال من دون أي نقص، أن يصل للعظمة في الخدمة... و لو على حساب نفسه و مشاعره و خياراته و حياته برمتها... معاونته هذه كانت تميل إليه، و حاولت جاهدة لتتقرب منه، و لكنه لم يكن إلا صخرة حجرا جلمودا، مع أنه كان يميل إليها! و لكن ما معنى الميل أو الحب، فالكرامة تقتضي أن يكون ثابتا في أعتى الظروف، حتى أمام المشاعر و الحب! إلى أن ملت منه و تزوجت من الخاطب الذي تقدم لها، و تركته وحيدا يكمل أداء كرامته!
يستعرض حياته في رحلته، لم يكن من راحة له إلا راحة مخدومه، ليس من فكرة أو رأي إلا رأي مخدومه، سواء في السياسة أو الحياة بشكل عام، ليس من فسحة أو متعة أو شعور أو أي شيء من أي نوع خارج نطاق خدمة مخدومه... حتى نبأ وفاة والده في الطابق الأعلى، قمعه داخله لأجل أن يكمل الخدمة بشكلها الأمثل في الطابق الأسفل، لكن أليس هذا هو واجب رئيس الخدم العظيم، أن يضحي براحته لراحة مخدومه اللورد؟

اللورد الذي مات بعاره و خزيه في البلاد بسبب أخطاء سياسته...
فما معنى هذه الحياة؟ قد تأخر الوقت للتفكير بالأمر أو الندم... ليس على المرء إلا أن يستمر و لا ينظر للخلف حتى لا ينهار، و يكمل ما بقي من اليوم كما بدأه...


صحيح أن الرواية باردة و خالية من الأحداث، و لكني سحرت بها، منذا الذي يحفل بالأحداث و شخصية كشخصية المستر ستيفنس بين يديه تحدثه بأعمق أفكارها و تواريها بشكل مفضوح؟ هذا المتحفظ المتوحد الساذج الذي ليس في ذهنه إلا أداء الواجب... حتى المزاح الذي لا يعرف طريقا لشخص كإياه، نراه يفكر في أن يتقن شيئا منه ليرضي مخدومه الجديد بنفس تلك الجدية الطريفة...
و الأسلوب التي كتبت به الرواية متعة خالصة، البساطة المحببة... التبريرات الخرقاء لدحض أي تهمة من المشاعر قد يكون شعر بها تجعلك تضحك في سرك و ترى بوضوح ما يحاول إخفاءه... الرسمية في التعامل حتى في تداعيات أفكاره، فالكل مستر و مسز حتى في أخص خصوصيات أفكاره... تتساءل و أنت تقرأ عن هذه الشخصية الغريبة هل هو مثلنا نحن البشر العاديون، هل لديه حاجاتنا و نقاط ضعفنا و أخطاءنا! لتكتشف أن وراء هذا المظهر الصلد الكتوم، رجل رقيق و محبب، فقد قبضت عليه المس كونتين ذات مرة يقرأ في رواية عاطفية! و إن كان برر الأمر بأنه اعتاد قراءة الروايات العاطفية، لأجل إتقان اللغة لأنها أكثر وفرة بالمفردات، و لأنها تجعله يشعر بشعور طيب!
أحببت المستر ستيفنس كثيرا، و لطالما كان هذا النوع من الشخصيات هو المحبب لدي و الأقرب لقلبي، فهل من متعة أكثر من مشاكسة شخص بليد المشاعر متحفظ و طيب القلب يظن الدنيا كعملية حسابية، و الاستمتاع بإرباكه و إخراجه عن خط سيره و التمتع برؤيته مندهشا... و اغتظت من المس كونتين لأنها لم تبذل جهدا أكبر لتتواصل معه، لأنها كانت تنتظر شخصا أخرقا كهذا أن يبادرها و ما كان ليفعل!
لا أدري ما كان الحل... ربما كان يفترض بها أن تبادره هي و تكون أجرأ، تكتب له رسائل سرية مثلا دون أن تذكر اسمها حتى تنساب لداخله بهدوء، فإن لم يفهم فحق لها أن تضربه بوكسا على عينه و تجعلها تزرق علّ ذلك يجعله ينتبه، و لكن حتما ليس أن تفعل كما فعلت هي، تنتظر منه أن يبادر و تحترق انتظارا، ثم تختار أول عريس يطرق بابها لتهرب منه...
لكن هل حقا أنها أخطأت باختيارها، فهل من أمل في المستر ستيفنس أن يتحرك يوما؟ و هل يستحق أن تبادر إلى من لم يبادر إليك، وأن تختار من لم يبذل جهدا لاختيارك؟ أم أن هناك استثناءات لهذا المبدأ، فهناك أناس كالمستر ستيفنس عالقون في قواقعهم يحتاجون لمن يشدهم بالقوة؟ و لكن لماذا تبذل جهدا مع من لا يقدره؟ و لكن ألا يستحق المحاولة معه و لو قليلا و إعطاء الأمر فرصة؟
أسئلة كثيرة فكرت بها... و لا أدري ما هو التصرف الأمثل... أحببته كثيرا و تألمت لأجله أنه بقي وحيدا هكذا في النهاية لم يتحصل على شيء، فلا عاش الحب، و لا عاش عظمة خدمة لورد خالد، إذ نراه يتنكر لمعرفته به لأن العار لحقه في نهايات حياته، حتى الكرامة و العظمة في كمال الخدمة في قصر انكليزي عريق بات مفهوما عتيقا و مهجورا مع تقدم العصر و لا معنى له... وددت لو أستطيع إخراج هذا الرجل النبيل و الجميل من حياة روايته التي هو فيها و لو بالقوة، و منحه حياة أفضل...
شاهدت الفيلم المقتبس من الرواية مرتين، بعد الرواية و قبلها، و أعجبني كثيرا، و أداء أنطوني هوبكنز للمستر ستيفنس يظهر تلك الشخصية الانكليزية ببراعة، و بسبب الفيلم كنت قررت قراءة الرواية، لأتفاجأ بسحر الأسلوب و روعة الشخصية أكثر و أنا أكتشفها من الداخل، بل و طرافة هذه الجدية الخرقاء، و هو ما يغيب في الفيلم...

 

بقايا اليوم الفيلم


هذا ما أسميه رواية من الروائع...
الأسلوب الفاتن و الأجواء الإنكليزية الكلاسيكية هي لـ
كازو ايشيجورو، انكليزي من أصل ياباني، عاش بأعراف هذين المجتمعين المتحفظين، فصار شغله عوالم المتحفظين، كما ذكر المترجم في المقدمة، و لذلك أحسبني وجدت مؤلفا جديدا يسعدني تتبع أعماله... و أتساءل لماذا هذه الشخصية تكاد تنعدم في الروايات و في الواقع، حتى بالكاد تصادف أحدا كإياها!
أمثال ستيفنس كزهر البنفسج، كما تقول الأغنية القديمة، هذا الزهر المحتشم الرزين يبهج مع أنه زهر حزين...
 

ألا قربا للمتحفظين الطيبين الحزينين!

 

استمع: ليه يا بنفسج - فرقة نايا


 

 

--

بقايا اليوم The Remains of the Day

لمؤلفها الانكليزي الياباني: كازو ايشيجورو Kazuo Ishiguro

ترجمة: طلعت الشايب

المركز القومي للترجمة

 



 

سلمى

أوائل نيسان في يوم كنت فيه مريضة أكتشف فيه مدى ضآلة الحياة 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali