الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  هل الشيخ زنجير هو جار الشيخ زنكي يا شيمل؟!

 

 
 

 

هل الشيخ زنجير هو جار الشيخ زنكي يا شيمل؟!

 


 

منذ فترة بدأ اهتمامي بالأحلام و القراءة عنها... و كان من ضمن الكتب التي لفتت نظري، كتاب (أحلام الخليفة) لـ آن ماري شيمل... فهو يجمع بين موضوعين من مفضلاتي، الأحلام و الاستشراق...

أحلام الخليفة     آنا ماري شيمل

الكتاب يتحدث عن الأحلام في العالم الاسلامي، و كل ما يتعلق بها من كل جوانبها؛ مكانتها، تحليلاتها، رموزها، الأحلام في التاريخ، و الأدب، و ارتباطها بالسياسة، بالصوفية، بالنساء... تقريبا كل ما يخطر على البال في هذا المجال، قد تناولته شيمل في كتابها، عابرة قرونا طويلة و أراض واسعة، مطعمة إياه بقصص و فرائد و نوادر و أساطير و حكايات و أمثلة، و صاغته بأسلوب سلس و ممتع ولذيذ جدا، مما جعلني أدرك أن أسلوبها الجميل في الكتابة هو سبب شهرتها الواسعة، فرغم ضخامة حجم الكتاب كنت أقرأه بسرعة. و الجهد فيه كبير و من الواضح أنها أمضت ردحا من الزمن تجمع معلوماته...

و لكن الكتاب لا يمكن أن يعتبر مرجعا علميا تماما فيما يتعلق بالأحلام في الثقافة الاسلامية، و إنما الأولى أن أقول أنه مرجع في الثقافة الشعبية أكثر... و الأمر كما قال المترجمون في المقدمة: "حيث تناولت مفهوم دار الإسلام، فاعتبرت أن كل ما ينسب للمسلمين هو صورة للإسلام و تعالميه. و لهذه النظرة الشمولية مزاياها و مثالبها. أما المزايا فتتضح على قدرة المؤلفة على عرض معلومات كثيرة و ربطها بمنابعها التاريخية و الاجتماعية و السياسية، و تكمن المثالب في خطورة أن يتوهم القارئ أصلية ما هو ليس بأصل في العقيدة الاسلامية"

فضلا عن أنه ليس بحثا صارما في استخدام أدواته كثيرا، بمعنى أني وجدت فيه الكثير من الأخطاء البحثية التي لا تغتفر لو أن أكاديميا أراد غربلتها...

فمثلا الربط بين الأمثلة في كثير من الأحيان لم أجده مقنعا و لا أدري على أي أساس منطقي أقيم، فكيف يمكن أن يندرج تحت عنوان واحد فرعي باسم "حكايات الأحلام في أنواع النثر المختلفة" أمثلة لا صلة لها ببعض، من ألف ليلة و ليلة إلى رواية القلعة البيضاء لـ أورهان باموق و تسبك و كأنها تنطلق من روح واحدة و هي الثقافة الاسلامية! مضروبا بعرض الحائط المناهج و الإيديولجيات التي يحملها و يمثلها كل مثال و الفروقات التاريخية و الجغرافية... الصلة الوحيدة التي رأيتها _إن كان هناك صلة حقيقة_ هو كونها وقعت في عالم يصنف جغرافيا _قديما_ أنه عالم اسلامي، و هذا يعني أنه يمكن أن يمتزج فيه كل شيء معا... فكما يذكر دائما إدوارد سعيد أنه في الاستشراق كل شيء يحدث في هذه المنطقة يمكن أن يخلط و يمزج و يقدم على أنه شيء واحد: شرقي-اسلامي، و هذا مبرر كاف ليقحم مع بضعه بعضا...

و أيضا كما قلت أن الكتاب مليء بالحكايا و التي لا أنكر أني أحببتها و وجدتها طريفة و قصص العجائب و حتى تجربة المؤلفة الذاتية و أحلامها و قصص أصدقاءها، لكن السؤال الذي خطر لي هل يمكن لشيء كهذا أن يعتبر مرجعا يمكن أن يبنى عليه بحث يتحدث عن الثقافة الاسلامية؟ فكثير من الأمور لاتدري من أين أتت بها و لا تدري إن كان مصدرها الثقافة أو مجرد مخيلة من أخبرها بها. مثلا ما قالته لها صديقتها التركية أن عليها أن تعطيها ثوبا لأنها شاهدتها في المنام تعطيها ثوبا، فهل كانت صاحبتها تمازحها كما يفعل الأصدقاء بين بعضهم البعض أم كانت تنطلق من كلماتها من موقف ثقافي حول الأحلام؟
 

مثال أغرب من الأول ذكرت: "هناك أماكن مقدسة إذا صلى فيها الإنسان يمكن أن يرى اللص في المنام، منها على سبيل المثال مقام في سوريا يقال له مقام الشيخ زنجير، إذا دق مسمارا في الأرض أمامه ظهر له الشيخ في المنام و أخبره باللص" ص91

حين قرأت القصة ضحكت منها، و قلت و لمَ لا! فسوريا بلد العجائب التي لا تصدق حقا! و ربما على الحكومة استثمار بركات الشيخ زنجير في القبض على المجرمين... و حينها لن يكون هناك من داع "للمساعد جميل" _ الشخصية الاذاعية السورية الشهيرة في مسلسل حكم العدالة_ حيث دائما ما يتم تخويف المتهمين به فيعترفون فورا...

ثم فكرت أين يمكن أن يوجد هذا المقام تحديدا، فلم أجد خيرا من مقام الشيخ زنكي ليجاوره... و الشيخ زنكي أشهر من نار على علم في المحكيات الشامية...

تقول الحكاية الشعبية:

أن رجلين محتالين تفتق ذهنما عن طريقة للتحايل على الناس لسرقة نقودهم، فدفنا كلبا ميتا، و بنيا عليه مقاما، وادعيا أنه ضريح رجل من الصالحين اسمه الشيخ زنكي، و بركاته تحقق المراد و تقوم بالمعجزات. و أقاما هناك يخدمان المقام و يتلقان الزوار و الهبات و النقود حتى اشتهر صيت الشيخ زنكي و بركاته و كثرت الأموال، ثم حين أرادا اقتسام الغنيمة احتال أولهما على ثانيهما و أعطاه مالا قليلا، فاستنكر الثاني ضآلة المبلغ، فرد عليه الأول مقسما: و حياة الشيخ زنكي أني ما قاسمتك إلا بالحق!

فصرخ به صاحبه: شو الشيخ زنكي؟ ما نحنا دافنينو سوا!"

الشيخ زنكي يستخدمه الشوام في سخرياتهم كثيرا، لوصف الاحتيال... و ما جعلني أربط بين القصتين أن الكتاب فعلا يستقي معلوماته من المصادر الشعبية و ما يقوله الناس، و ما ذكرته فلانة، و ما قاله علان، فربما شخص من هؤلاء قد مازح آنا ماري بأن هناك مقام يفعل كيت و كيت، و الفهم ربما يختلط بين ما هو جد و ما هو هزل في ثقافة ما بالنسبة لغريب عنها، و نظرا لأن أخطاءا أقل من هذه و أكثر وضوحا قد ظهرت في الكتاب، فلا أستبعد أن يكون زنجير جارا لزنكي. هذا إن لم يكن هو نفسه، فـ "زنجير" مع بعض التحريف بفعل العجمة في اللسان ثم الترجمة يمكن أن تصير "زنكي"...

على كل إن كان يعلم أحدكم شيئا عن مقام الشيخ زنجير السحري فليخبرني، لأني لم أسمع به في عمري، اللهم إلا أن يكون السبب أن السارقين قد استبقوا الأمر و ردموه فلا يعرفون أبدا...

 

بأية حال، لا يفهمن أني أقلل من أهمية الكتاب _حتى و لو أصابتني فيه خيبة أمل صغيرة عما كنت أتوقعه_ لأنه كتاب جميل و ممتع و مفيد جدا لمن هو مهتم بهذا الموضوع، و هو بحد ذاته يعتبر ثبتا لعدد كبير من المصادر التي يمكن أن يرجع إليها المرء و يستزيد...

كما أن الترجمة جميلة جدا و متقنة، فضلا عن أن المترجمين قد نبهوا لبعض الأخطاء التي وقعت فيها الباحثة في معرض الكتاب...

و من الواضح أن آنا ماري شيمل كانت معجبة بالثقافة الاسلامية، و هذه الاعجاب يتبدى بين جنبات الكتاب، مع مسحة من تصوف كستها... و أنا لا ألومها كثيرا على فكرة فيما أخطأت به، و لكني فقط أبين كيف أن المنهج المتبع و قالبه مطاط جدا فقد حوى من كل شيء. و ما ذلك إلا بسبب طبيعة الباحثة و الجمهور المكتوب له. فالمؤلفة ألمانية و الجمهور المخاطب ألماني و الموضوع من المواضيع التي يـُتساهل فيها عادة، أعني كونه دراسات اسلامية لجمهور أوروبي إذ لا يمكن أن يكتشف الأمر... فمثلا أن تقول "ورد عن النبي أن رؤيا المرأة نصف صدوق في مقابل رؤيا الرجل" ص185 من دون أن تقدم سندا أو حتى مصدرا قد استقيت منه هذه المعلومة، أمر لا يمكن أن يستوقف أي ألماني... لكن ماذا لو كان الجمهور مسلما و من بينهم أكاديميين في الشريعة، أول انتقاد سيقدم؛ أن أين التوثيق لقول كهذا؟ بل ماذا لو كان بالعكس، لو أن كاتبا ألمانيا نسب قولا غير معروف إلى شخصية غربية مفصلية تاريخيا و بنى عليها حكما ما، ألن يـُطالب بالمرجع الذي استقى منه القول؟ هل يمكن أن يقبل في كتابه كلاما كهذا دون توثيق؟ و لذلك حسب رأيي فإن الصرامة العلمية تختلف باختلاف مدى معرفة المتلقي في المادة المطروحة. و هنا يحضرني ما ذكره كيليطو في كتابه الرائع (لن تتكلم لغتي) حين طـُلب منه أن يلقي محاضرة عن مقامات الهمذاني في نشاط موسيقي جمهوره من الفرنسيين، فاستسهل الأمر بداية حيث شعر أنه يكفي أن يتحدث بالقليل و بملاحظات عامة ثم قال: "على كل حال لن يحاسبني أحد فالجمهور الذي أخاطبه يجهل جهلا تاما فن المقامات بل الأدب العربي برمته، إنه جمهور هين" ص10 يعني أيا ما سيتحدث به فسيتلقاه الجمهور دون انتقاد، و ما كان هاجسه حينها سوى أن يجد مثالا غربيا ليقرب مثال المقامات للجمهور، لا أكثر!

و لا أنكر أن هذا الاستسهال يغريني أنا الأخرى في تأليف كتاب حول بعض المواضيع الاسلامية أوجهه للعالم الغربي، فالأمر يبدو هينا، كما أني سأكسب اعترافا بي هناك و هو الاعتراف الحقيقي الذي ينشده كل مؤلف و مفكر عربي لأنه يعني تباعا و لزاما الاعتراف هنا و بقوة... أليس هذا ما يفعله الكثيرون وصولا للشهرة السريعة؟ و هذا ما لمح إليه كيليطو أيضا بكل دهاء في كتابه ذاك و وضع الكتـّاب العرب في احراج مع ذواتهم حين تحدث كيف أن جزءا من عملية الابداع العربية صار الجمهور الغربي، بحيث باتوا يضعون في أول حسبانهم الترجمة، سواء بطريقة شعورية أو لا شعورية.

لكن هل يفكر الغربي كذلك بالمثل؟! هل يفكر باعترافي به حين يكتب؟ مثلا آنا ماري شيمل هل كانت تضع في حسبانها الجمهور الاسلامي حين كانت تكتب؟

لا... لأنها ليست بحاجة له... فهذه ثمرات التفوق و السلطة للحضارة التي ينتسب إليها الكاتب...

دعوني أمسك عن كيليطو و كلامه اللذيذ و تلميحاته الماكرة التي تسبب لنا المآزق و عن الفروق التي ذكرها بين المؤلف العربي قديما و حديثا، إذ أني لو ابتدأت في الحديث عنه صدقا لن أنتهى إلا بمجلد كامل... و أحسب حكايتي التالية ستكون عنه...

و أيضا سأرحمكم و أتوقف عن الحديث عن كتابي المتخيل الذي أدعي رغبة بتأليفه و أقحمه في كل مقالاتي بينما هو في حقيقته لا وجود له إلا بمقدار وجود زيد و عمرو اللذان تذكرهما كتب اللغة...

و عودة لكتاب أحلام الخليفة، بغلافه الغرائبي الجميل الذي هو نفس الغلاف للطبعة الألمانية، أقول باختصار: الكتاب أعجبني و أحسبني سأقرأ ثانية لآنا ماري شيمل...
 

 


 

 

سلمى

2010

 

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali