الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الأسد و الغواص

 

 
 

 

الأسد و الغواص

The Lion and the Diver
حكاية رمزية عربية من القرن الخامس الهجري

الأسد و الغواص

لمؤلف مجهول
باعتناء رضوان السيد
درا الطليعة، بيروت

 

شيء ما كان يجذبني لهذا الكتاب كتميمة سحرية مغوية... مذ بحثت عن اسمه و حتى لحظة امساكي به لقراءته و ذلك الإغواء لم يغادرني... كنت كلما نظرت إليه في مكتبتي أشعر بدغدغة هالة الغموض التي تكتنفه... اسمه، طريقة إخراجه المتقنة، حجمه الصغير، غلافه السميك و الصورة المختارة بعناية (رداء امبراطوري مصنوع في بالرمو في صقلية حوالي القرن الثاني عشر الميلادي _الخامس الهجري_ على يد فنانين من العرب) موضوعه الغريب (حكاية رمزية عربية من القرن الخامس الهجري)، مؤلفه المجهول، ندرة الحديث عنه في النت، و حتى اعتناء رضوان السيد به... كل شيء...
إلى أن أتى اليوم الذي قررت فيه أن أتذوق تلك اللذة التي كنت أستمتع بتأجيلها و أقتحم عالمه العجائبي و حكمته القديمة التي كنت أسمعها توسوس لي...

الكتاب عبارة عن حكاية مليئة بالحكمة و الموعظة و المثل، تجري على لسان الحيوانات... تشبه في مبناها إلى حد ما كليلة و دمنة... تروى في مملكة يسودها أسد، و في بطانته ابن آوى ذو رأي و أدب، شغوف بطلب العلم كان يسمى غواصا لغوصه للمعاني الدقيقة و استخراجه أسرار العلوم الخفية... يسدي نصائحا لمليكه مطعما إياها بالقصص و سير من سبقوا...
السرد لا يخلو من بعض تشويق، حسب مفهوم ذاك الزمان للتشويق طبعا ، فهناك لازمة لا بد أن ترد قبل رواية أي أقصوصة، إذ يقول المتحدث و ما مثلي و مثلك إلا كمثل كيت و كيت... فيجيبه الأخر متشوقا: و كيف كان مثله أو و كيف كان ذاك... فيروي له القصة... مع أني لا أخفيكم أني أحيانا لا أفهم الربط بين الحكاية و ما أراد أن يستدل به عليها... لكنها تبقى طريقة ظريفة لشد الانتباه...
"
قال: ما مثلي و مثلكم إلا مثل البلبل و العصفور! قالوا: و كيف كان مثله؟ قال: ذكر أن عصفورا مر ببلبل في قفص، فقال له البلبل: أيها العصفور! أشكرِ الله على نقصك فهو الذي خلى سراحك، و أطلق عنانك و الفضيلة فيّ هي التي حبستني في هذا القفص! فقال له العصفور: أنسيت أيها البلبل أني لو وقعت موقعك لكنت منذ زمن في المـِقلى؟ فاشكر الفضيلة التي حبستك فإنها هي التي نجتك!"ص94-95
لا بأس بالكتاب... و إن كنت لا أنكر خيبة أمل أصابتني... بيد أني أعزو مصدرها أني كنت أحيط الكتاب بجو من الإبهام الغرائبي... و كشأن كثير من الأمور التي تبدو مبهرة و هي بعيدة و لاممسوسة، تصبح باهتة و عادية بل ربما مملة بمجرد رفع الحجاب عنها... و مع ذلك و بعيدا عن أوهامي المتخيلة، فالكتاب ظريف... و يستحق القراءة...
المقدمة التي كتبها المحقق رضوان السيد غنية و التحليل فيها ينم عن كبير دراية و علم بالعصر الذي كتبت فيه الحكاية و تأثيراته عليها و على هذه النوعية من الأدب (مرايا الأمراء) و ما تختلف به عن غيرها مثل كليلة و دمنة، و أيضا عن شخصية المؤلف و صفاته كما تبدت من المخطوط، بالإضافة إلى التحقيق المعتني من حيث مقارنته بكتب التراث الأخرى و الذي قد يفيد الباحثين أكثر من القارئ العادي... و للحقيقة أن ما أوصلني للكتاب ابتداء هو أني كنت أبحث عن أعمال لـ رضوان السيد (و هو باحث و مفكر لبناني... إذ أني بعد قراءتي لمقدمته و ترجمته المتقنة لكتاب (صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى) و أنا وضعته ضمن قائمة المتميزين عندي... لن أدعي علما به و بفكره... و لكني حتى الآن لم أستطع مقاومة كتاب صادفته و وجدت اسمه عليه... فعناوينه مميزة و توافق هواي و ترافقهم تلك الهالة و لا أدري لماذا... هناك كتابان آخران من ترجمته حصلت عليهما لم يتح لي قراءتهما بعد (المستشرقون الألمان) و (مقاتلون في سبيل الله: صلاح الدين و ريتشارد قلب الأسد)...
إن اختيار العناوين المراد تحقيقها أو ترجمتها إبداع بحد ذاته...

(الأسد و الغواص) كتاب جميل، و الأجمل منه السحر الذي رافقه و جذبني، و الذي لا زلت أشعر به كلما نظرت إليه... مع أنه بات الآن انجذابا عن دراية بماهيته، و التي ليست بقوة الصورة المتخيلة... و لكن ذلك لا يمنع أني ما زلت أستمتع حين أمسكه و أمسح عليه...


 

 

سلمى الهلالي

8/06/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali