الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الطربوش

 

 
 

 

الطربوش

 

طربوش

 

تصادف قراءتي لكتابين في وقت واحد يعبقان برائحة الطربوش الذي ولى و أهلوه...

الأول هو رواية أميركا لمؤلفها اللبناني ربيع جابر و التي رشحت لجائزة بوكر العربية لهذا العام... و ليتها فازت...

 

أميركا     ربيع جابر


الرواية ترصد فترة حياة المهجر، حين سافرت الشراويل و الطرابيش من ما كان يسمى بسوريا الكبرى إلى أمريكا طلبا للرزق في بدايات القرن الماضي... و ذلك من خلال قصة مارتا حداد التي سافرت لأمريكا بحثا عن زوجها و كيف عاشت هناك و أسست عملا حتى صارت جزاء من نسيج المجتمع... و من خلال مسيرتها يفتح أمامك باب واسع على تاريخ السوريين الأوائل في بلاد المهجر...
ربيع جابر أذهلني بمدى اتقانه للتفاصيل التاريخية و بحثه المتقن و كمية المعلومات الموثقة التي ضمنها قصته... و فاجأني أيضا بأسلوبه إذ هي أول مرة أقرأ أسلوبا يروي حكاية بهذه الطريقة؛ و كأنه مع البطلة و كأنه يريد أن يحضنها و يواسيها و كأنه جزء من الأحداث و بعيد عنها، مشاهد للحد ث و متدخل فيه بآن... و كأنه يدخل و يخرج في الحبكة... يقدم و يؤخر و يلاعبك بالزمن و الأحداث و طريقة السرد، و ذلك كله من دون أن تفقد الخيط أو تشعر بالغموض أو الحيرة... و إنما ببراعته في الانتقال بخفة...
كنت كلما أغلقت الكتاب عدت إليه، بت أشعر أني أيضا مرتبطة بمارتا حداد لا أريد أن أدعها وحدها...
ثم كان أن ختم روايته بأجمل ما يمكن أن يختم روائي، فقد وهب مصنوعته السعادة المؤبدة و أوقف روايتها عند هذه اللقطة:
"
هكذا أريد أن أتركها في الحديقة التي زرعتها تفاحا في باسادينا، تسمع خرير المياه و تحيا إلى الأبد"
 

حقيقة قد أدهشني ربيع جابر... و من المؤكد أني سأقرأ له ثانية...



أما الكتاب الثاني فهو كتاب طريف و ظريف و غريب من عام 1896
غرائب المكتوبجي لمؤلفه اللبناني سليم سركيس

 

سليم سركيس    سليم سركيس


المكتوبجي هو الرقيب كما كان يسمى على زمن السلطنة العثمانية
و سركيس هو صحفي عايش تحكم ذاك الرقيب بالصحافة و كتب هذا الكتاب بناء على ما شاهد و سمع من مواقفه. في هذا الكتاب تقرأ عجبا من هذا الرقيب و فهمه و تحويره و حذفه، و خصوصا إن علمت أنه لم يكن يتقن العربية كثيرا... و المفارقات المضحكة التي تنتج من جراء ذلك، و إن كان من شر البلية ما يضحك...
خذوا هذا المثال:
وضع الاعلان التالي في الصحيفة أن قطعة الأرض المشتملة على بيت 4 أوض و مطبخ و دار ملك محمد علي الطرابلسي معدة للأجرة و على الراغبين مخابرة صاحبها... فلما شاهد المكتوبجي كلمة ملك استشاط غيظا و حذفها و قال لا ملك إلا السلطان، و لم يفهم أن كلمة ملك هنا تعني شيئا آخر، و أصر على استبدالها بكلمة امبراطور، فصار الاعلان: إن الامبراطور محمد علي الطرابلسي معدة للأجرة...
بل مفارقة أخرى، أنه حين علم أن بعض المقالات تكتبها النساء طلب عدم نشر مقالاتهن، لأن "
ذلك يفتح عقولهن أكثر من اللازم و ليس من شأن المرأة أن تهتم بهذه الأمور".

و هكذا لتكتشف أن الرقيب هكذا مذ وجد و كأن اللامنطقية و التحكم هما حدا مقصه عبر الزمن...
فحين طالبه أحدهم عندما ضج من كثرة حذفه و تحويره بالخطة التي يسير على وفقها أو القانون الذي يتبعه، فأشار إلى دماغه و قال هنا القانون...

الكتاب صغير و جدير بالقراءة... و لا يعطيك فقط فكرة عن موضوعه غرائب المكتوبجي، و لكن أيضا على صحافة تلك الفترة و الأجواء الثقافية من خلال قراءتك لمواضيع الجرائد و أسلوب الكتابة الصحفية...
و لا تستطيع إلا أن تشم رائحة الطربوش فيه... بكل ما تمثله حينها بشخصية المحترم الشهم صاحب المبدأ المعتد بذاته و واسع الثقافة العربية و الغربية، الذي يجمع بين استقامة اللسان و البيان بالعربية و بلغة أو أكثر من اللغات الأجنبية، حتى لو قفز كيليطو هنا _و دعوني أقحم ما ذكره في كتابه الرائع "لن تتكلم لغتي" إذ لا تستطيع أن تشفى من تعليقات كيليطو المشاكسة كلما فكرت بفكرة ما، و لا بد أن تجتاحك فجاة فتجعلك تقحمها في ما تكتب_ أقول حتى لو قفز كيليطو و حلل غامزا ما ذكره أحمد الشدياق _و هو من جيل الطرابيش_ أنه لم يتعلم الفرنسية حتى لا يفقد عربيته إذ يكفي ما نساه منها بسبب تعلمه الانكليزية، و كأن تعلم لسان أجنبي يتم على حساب اللسان الأصلي! أقول حتى و لو نسي قليلا هذا الشدياق _أو توهم أنه نسي، إذ كيف ينسى من يحمل معه في أسفاره القاموس المحيط_ فإن لغته العربية هو و مثقفو طرابيش تلك الفترة كانت مبهرة... بحيث نتج عن أولئك الذين هاجروا منهم أدبا رفيعا سمي بأدب المهجر...
و عودة لشخصية الأفندي بالطربوش المتمثلة بسليم سركيس، فيروى أنه حين زار مجلس العموم البريطاني رفض خلع طربوشه كما هو القانون من عدم وضع القبعات في المجلس، و حين أصر على رفضه أعطي استثناء و سمح له بالحضور به، و كتبت الصحف البريطانية في اليوم التالي عن الصحفي السوري _نسبة لسوريا الكبرى كما قلنا_ الذي اعتمر طربوشه في المجلس...
 

ربما رجال رواية جابر لم يكونوا على ذلك القدر من الثقافة، إذ أغلب من هاجر لم يكن من الطبقة المثقفة حينها... و لكن الشهامة كانت ما زالت حاضرة في الناس بقوة بشكل يجعلك تحترم العصر فعلا، فامرأة جميلة تقطع هذه المسافة وحدها و تلقى كل هذا العون و الاحتواء أمر جدير بالإعحاب...

لا أنكر أنه بسبب بعض القراءات عن رجال هذه الفترة و علمهم و سعة أفقهم قد تغيرت دلالة الطربوش في ذهني... إذ بت أتخيل مرتديه ذاك الأفندي الجنتلمان المثقف المنفتح على الآخر و المعتز بثقافته بآن واحد... و الطربوش لم يكن مجرد قطعة حمراء توضع على الرأس... بل كان يحمل معه أخلاقا و مبادئ... شيء أشبه بقوانين الفروسية القديمة... لذلك من المجحف قصر دلالة الرجل بطربوش _كاسم مسلسل سوري معاصر (رجال تحت الطربوش)_ على الرجل "الدقة القديمة" ذاك الرجعي المعقد الخالي من النبل الذي يحتقر النساء و يهينهن... إنما قد كان فيهم و فيهم...

 

ثم ولى الطربوش بحجة العصرنة أو الفرنجة أو الحداثة أو الموضة أو لا أدري ماذا و ولت العمائم و الغترات و الطواقي و الأغطية و الخمارات و الإشاربات إذ كل هذا بات يـُرى رمزا للرجعية و التخلف... و حسبوا أن بخلعها ستزيد رؤوسهم تنورا و انفتاحا و تطورا و فهما و ذوقا بعد أن أزيل عنها ما يحجبها... و لكن من المضحك  رؤية النتيجة بعد كل هذه العقود أنها لم تفض إلى أكثر من انكشاف الصلعات و صغر حجم الرؤوس... و إلى تضخم عريها و قبحها مع الوقت...

حين كنت صغيرة روت لي أمي هذه الحكاية؛ اعتلى نصري شمس الدين المسرح ذات يوم و صار يؤدي أغنيته "الطربوش" و عندما وصل للازمته المشهورة "ارم هالطربوش" أمسك بطربوشه و رماه... و إذ يسقط ميتا...
و من يومها و رهبة الموت أشعر بها تلف مقالته "ارم هالطربوش"... و في نفسي سؤال غائم يتردد صداه منذ الطفولة كلما سمعتها: هل مات لأنه رمى الطربوش يا ترى؟

 

الطربوش لـ نصري شمس الدين


----

أميركا America

لمؤلفها اللبناني ربيع جابر Rabih Jaber

دار الآداب

---

غرائب المكتوبجي The Odd Acts of the Censor

لمؤلفها اللبناني سليم سركيس Salim Sarkis

جريدة المشير، نسخة قديمة من غوغل

 

 

سلمى الهلالي

16/10/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali