الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> إيكاروس و الكونتراباص و زوسكيند و أنا!

 

 
 

 

إيكاروس و الكونتراباص و زوسكيند و أنا!


 



ذات يوم من أيام آذار المنصرم حط إيكاروس في عالمي، و إن كنتم لا تعلمون من هو إيكاروس، حسنا و حتى أنا لا أعرف من هو إيكاروس، و لكن نظرا لأنه حط في عالمي كان لزاما علي أن أسائل النت عنه... إيكاروس يا جماعة هو إحدى الشخصيات المثيلوجية الإغريقية... كان محتجزا ذا فترة في جزيرة مع والده لأن الملك غضب على أبيه العبقري، لأنه بنى له متاهة ثم أعلم سرها خطيب ابنته... أو كان برجا ذاك الذي بناه؟ أو ربما القصة ليست كذلك تماما... أوف! لا أدري ما حصل حقيقة... المهم أن الملك غضب عليه و كفى... و ما أكثر ما يغضب ذوو السلطان من دون سبب و ينقلبوا على أتباعهم... صراحة أجد صعوبة في إعادة حكايا المثيلوجيات، فهي مليئة بالأسماء الصعبة و كلهم أقرباء و أنسباء بعض و أغضبوا و أحبوا و تزوجوا بعضهم بعضا و ماتوا ثم عاشوا و فعلوا أشياء غريبة كثيرا... أراها متاهات لا مفهومة و لا معقولة مثل أحاديث النساء في الاستقبالات و لكن هنا بأسماء أعجمية و مسحة ثقافية و غرائبية أكثر، لكن نفس المضمون! أنا لا شأن لي بكل هذا الكلام... ما كنت أود قوله أن أبا إيكاروس في ذات يوم تفتق ذهنه عن طريقة ليهرب فيها مع ابنه من الجزيرة، فصنع لولده و لنفسه أجنحة من شمع و ريش و قال لإيكاروس بالحرف الواحد: يا ابني يا إيكاروس إياك أن تقترب من الشمس. أو ليش الكذب لم يقل له ذلك بالحرف الواحد، بس يعني تقريبا... شيء كهذا... و لكن إيكاروس لم يطع الكلام، و منذا الذي يطيع كلام والديه؟ فالأولاد يريدون أن يعيشوا التجربة... كيف سيتعلمون الخيار و يتعرفون على الأسباب إن لم يعيشوها؟ المهم، إيكاروس اقترب من الشمس و إذ بجناحيه يذوبان و يسقط في البحر و يموت... و هكذا عاش تجربة الموت و تعلمها و انتهت الحكاية... طبعا للحكاية تتمة من أنهم سموا جزيرة على اسمه، و لا أدري ماذا... و لكن التتمة لا تعنينا...
ما الذي جعلني أتحدث بكل هذه الأمور التي لا علاقة لي بها... أنا كنت أقول أنه في ذات يوم من أيام آذار المنصرم حط إيكاروس في عالمي... طبعا هذا ليس شطرا من قصيدة رمزية حداثية أحاكي فيها قصيدة سربروس في بابل للسياب، فأنا لا أفهم هذا النوع من الشعر و لا يخطر لي حتى أن أقرأه... مع أن قصيدة سربروس مختلفة إذ قد فهمتها صدقوني، طيب ليس كلها تماما و لكن فهمت معظمها، كما أن أخي يحبها كثيرا و هو يحب أن يتسمى بسربروس... دعونا الآن من أخي و مزاجه الغريب... ما كنت أقوله أني هنا لا أكتب رمزا و قصيدة حداثية و إنما أصف واقعا...
في آذار المنصرم فتحت إيميلي لأجد رسالة من زائر لموقعي اسمه إيكاروس يشكرني فيها على موقعي الذي هو عالمي بطبيعة الحال، فنحن مهمشو القرن الحادي و العشرين، نحن الذين ينعتوننا ظلما و بهتانا بأنا غريبو الأطوار، قد ركـَلـَنا الواقع لأنا لم نتعلم كيف نتجرعه و نتأقلم معه، و لأنه لا واسطة لدينا و لا نعرف كيف ننافق أو نماشي الذوق السائد، لذلك لم يبق لنا من عالم نستطيع أن نحيا فيه و نفكر و نكتب و نتنفس قبل أن نختنق أو نسوح مجانين في الطرقات إلا النت... و الحمد لله أنه موجود، فماذا كان يفعل مهمشو و متفردو أيام زمان؟ من أين كانوا يأتون بعوالم تتسع لهم؟
إيكاروس أخبرني أن ما أوصله لموقعي هو رواية جزيرة اليوم السابق لإيكو، و على فكرة هذه الرواية رياضة حقيقية للعقل، أنصح بقرائتها للناس المعتين (المعتين هم الذين يحبون الأشياء المعقدة و المملة، الكلمة أصلها من العث و لكن قلبت الثاء تاء لزوم العامية) و الفايتين بالحيط الذين يحبون السفسطة و التلاعب بالكلمات مثلي، حسنا بإمكانكم أن تضغطوا على اسمها و تقرأوا ما كتبت عنها. لن أضيع سطرا آخر زيادة في الاستطراد، فالاستطراد هو اللعنة الملتصقة بكل ما أكتبه، و صدقوني أحاول جاهدة التخفيف منه إذ أخشى أن أكتب مجلدا و لم أصل بعد لما قاله إيكاروس لي...
صديقنا إيكاروس، أو بالحقيقة هو ليس صديق أحد فينا، فلا أنا أعرفه و لا أنتم تعرفونه، هو يعني أكيد له أصدقاء، فلا أحد بلا أصدقاء، و لكنا لا نعرفهم... دعوني أصحح الجملة، زائري إيكاروس معجب بهذه الرواية و كان يبحث إن كانت تـُرجمت للعربية و عن مستوى الترجمة، هل ستكون كالترجمة الانكليزية التي قرأها، و هذا ما جعله يتعثر بموقعي... و طبعا و لدى الاستطراد بالحديث أكثر اتضح أنه شخص محب للدلالة _و هل من شخص سوي لا يحب الدلالة أصلا؟_ و لروايات هرمان هسه _و هذه علامة أخرى على كونه طبيعيا بنظري_... ليقترح علي مسرحية الكونتراباص لـ باتريك زوسكيند، و ليخبرني أني سأقضي معها وقتا طيبا...
حين يقترح علي شخص أثر هسه على حياته و أحب جزيرة إيكو و هو مهتم بالدلالة كتابا فإن علي أخذ اقتراحه بعين الاعتبار حتى و لو كان غريبا لا أعرفه و لا يعرفني... إذ كلمات صغيرة من عابر قد تعدل في كثير من الأحيان أطنانا من الهراء الذي تجرعتـَه و تخبطت به منذ ولادتك...
و لكن العنوان لم يكن مشجعا أبدا، فهي مسرحية بعنوان الكونتراباص... و لا أنا أحب المسرحيات، و لا أحب الكونتراباصات، هذا على افتراض أني أعرف ما هي... فالمسرحيات فيها أوصاف للوضعيات و الحركات و المشاهد؛ و قام من مكانه و أغلق عينيه و رفع يده و تثاءب و هذه الأوصاف لا تساعدني على تصور المشهد حقيقة بقدر ما تعطل ذهني، و تقطع علي سلاسة الحوار... كما أني أعترف أني لا أعرف الفرق بين الكونتراباص و التيشلو، إذ كنت أحسبهما شيئا واحدا، هذا كله قبل أن يحط إيكاروس في عالمي في يوم من أيام آذار المنصرم و أسائل النت عنه و عن ما ذكره لي، لأتعرف على هذه الآلة...
هذا الكونتراباص أو ما يسمى أيضا بالدبل باص، و اعذورا وقاحتي، أجده قبيحا و صوته نشازا، و لا يبدو لي آلة أصيلة على الإطلاق، فهو ليس أكثر من كمان متضخم حد المرض بصوت أشج مسن... و كنت في كل مرة أشعر حين أشاهد من يعزفه في الفرقة الوطنية السمفونية سواء هو أو عازف الطبل أو حتى ذاك الذي يقرع المثلث الذي لا أدري ما اسمه _تخيلوا فرقة سمفونية طويلة عريضة، و منفي في آخرها لا يفعل شيئا سوى نقر مثلث بين الفينة والأخرى... أي تعاسة تلك التي نفته للخلف مع آلة بدائية كهذه؟ أي مجد من الممكن أن يطال عازف المثلث المسكين ذاك؟_ أقول كنت اشعر بشيء من الحزن عليهم، لأني فكرت أن لا يعقل لأحد اختيار هذه الآلات بإرادته، لذلك كنت أعد هؤلاء المساكين من الذين لا واسطة و لا ظهر و لا سند لهم و لهذا قد أوكلوا إلى هذا العمل البئيس الذي لا بد منه، و قـُدر عليهم أن يـُنبذوا أبدا مع آلالاتهم المتدنية في زوايا بعيدة عن النظر، فلا يتقدموا المشهد أبدا... ناهيكم عن الارتباك الذي يبدو على عازف الكونتراباص و هو لا يدري كيف يمسك هذا الوحش الكبير... فأي متعة ستأتيني من قراءة حول آلة كهذه؟ و عذرا من صراحتي الفجة. و لكن هذا ما شعرت به...
بيد أن حجم الكتاب الصغير شجعني على الاقدام... فالمسرحية عبارة عن حوار فردي أو ما يسمونه مونودراما لعازف كونتراباص يعمل في الفرقة السمفونية. ليس من يتحدث إلاه، و ليس من حدث سوى حديثه عن آلته و علاقته معها و مشاعره، حديثا مطعما بتاريخ الموسيقى...
في البداية كان يتحدث بفخار عن آلته و يستعرض بعض المعلومات. شعرت بالامتعاض منه و من المسرحية، ما شأني أنا بكل هذا الكلام؟ و لماذ يقترح علي شخص ما كتابا كهذا؟ بل ما الذي سأقوله لهذا الإيكاروس عن رأيي لو حصل و حط ثانية و سألني؟ أنا لا أستطيع ادعاء أشياء ثقافية و كبيرة، كالادعاء بأنها آلة متفردة بشكلها و منعرجاتها الأنثوية و حين ينكب عليها عازفها و كأنه في عناق حميم معها يـُخرج منها نغمات مهيبة و فخمة تداعب أغوارا بعيدة في الروح لا تستطيع أي آلة أخرى أن تلامسها، و القراءة عنها كانت تجربة فنية لا تنسى... أوف! ربما قد أختنق قبل أن أكتب نفاقا كهذا!

لكن شيئا فشيئا بدأت تنسال بعض الجمل... جمل لا يمكن لأي كان أن يكتبها... جمل من يرى... جمل هي أكثر من مجرد حوار في مسرحية عن الكونتراباص... تلك الجمل التي تشعر بها اخترقت رأسك و ملأته حتى الثمالة... جمل قد كنت تفكر بها لسنوات، فتأتي منسابة هكذا بسلاسة...

"
أعرف بشرا في أعماقهم الكون كله، بلا حدود. ما بداخلهم لا يستخرجونه، حتى لو شنقوهم." ص22

ثم شيئا فشيئا بدأ عازف الكونتراباص يخرح من تحفظه و يتحدث على سجيته... هذا العازف بدا حانقا مكتئبا منبوذا مهمشا و وحيدا... و رحت أستمتع بنقمته ذات الدم الخفيف و الحلوة كالبسكوتة... بعض الجمل صدمتني فعلا... و كأنها كانت تقرأ تجاويف دماغي...

"
لا أعرف أحدا من الزملاء اختار الكونتراباص بمحض إرادته. و هو شيء مفهوم. ليس من السهل الإمساك بهذه الآلة. الكونتراباص، كيف أشرح لكم؟ هو عائق أكثر منه آلة." ص 34

"
الكونتراباص هو أفظع و أغلظ و أقبح آلة موسيقية تم اختراعها. خليط ممسوخ من عدة آلات. كم أود أحيانا أن أحطمه. أنشره. أفرمه. أكسره و أطحنه و أنثره. ثم ألقي به طعاما للنيران!" ص 43 44

"أ
متلك في البداية القوة الكافية في ذراعي الأيمن - و هو شيء لا بد منه للقبض على القوس، و إلا لن تستطيع أن تستخرج نغمة واحدة من هذا الصندوق القذر، ناهيك عن أن تستخرج نغمة جميلة. أعني أنه ليس بإمكانك مطلقا أن تحصل على نغمة جميلة؛ لأن هذه الآلة ليس بها نغمات جميلة. هذه... هذه ليست نغمات... هذه – لا أريد أن أكون سوقيا و لكن لا يمكني أن أن أقول لكم ما هذه... إنها أقبح شيء على صعيد الأصوات! ليس هناك إنسان واحد يستطيع أن يعزف عزفا جميلا على الكونتراباص، هذا إذا أردنا لكلمة "جميل" أن تحتفظ بمعناها. لا أحد. و لا أعظم العازفين المتفردين." ص45


"
عازفو الكونتراباص _اعذروني على التعبير_ هم زبالة الزبالة! و لهذا أقول إن الأوركسترا صورة طبق الأصل للمجتمع البشري. إن الذين يقومون بأقذر الأعمال _ هنا و هناك_ لا يجنون إلا احتقار الآخرين." ص50

الأغرب أني بت أشعر بدغدغة خفيفة من بين السطور... و كأن شيئا أيقظ حنيني المعدوم... استشعرت طعما لذيذا أعرفه، طعما مألوفا جدا... أشبه بكيكة بالشوكولاتة... أعرف هذا الطعم و الله، لا ليس كيكة بالشوكولاتة... شيء ألذ... شيء آخر قريب جدا مني و حميم... شيء قريب كقربي مني... و كأنه... و كأنه... و كأنه... آه، و كأنه أنا من يتحدث... قد رأيتني من بين السطور... بل و كأن سلمى هي زوسكيند... لولا أني يقينة بعدم معرفتي شيئا في تاريخ الموسيقى و لا الكونتراباصات، و أني كنت أحبو حين كـُتبت هذه المسرحية لآمنت أني أنا من كتبتها... إلى هذا الحد يا إلهي...يا إلهي!
الآن فهمت لماذا نصحني بها إيكاروس الذي حط في عالمي ذات يوم من أيام آذار المنصرم!

زوسكيند ظريف جدا و مجنون... صدقوني أنه يدخل للقلب مباشرة... دون استئذان...

لكن لا أخفيكم أنه رغم المتعة التي استشعرتها من المسرحية، لم يفارقني الامتعاض... أحسست بأن زوسكيند هذا غريمي... و كأنه قد أخذ لساني و استهلكه... ليست المرة الأولى التي يصدمني فيها اسمه... أذكر أنه قبل شهر تقريبا كتبت قصة قصيرة غريبة هدية لأحد الأصدقاء... و هذا أمر نادر الحدوث... و طبعا بإمكانكم أن تعيدوا كلمة الندرة لأي أمر تشاؤون في الجملة التي سبقتها؛ ككتابتي لقصة أو كونها غريبة أو كون لدي أصدقاء أو كوني أهدي هدية ما، لا يهمني ما ستفكرون به، و لن أخبركم ما هو النادر في الأمر... ما سأخبركم به أن القصة كانت جميلة جدا، حتى أنا أخذت بها و لم أصدق أنها خرجت مني، و الله كانت جميلة إلى الحد الذي لم أشعر منها بالاشمئزاز، تخيلوا! كانت شيئا حقيقيا فعلا... أود لو أجعلكم تقرأوها و تذهلون، أو ربما لا أود لأنكم قد لا تذهلون، لا أدري... سأسأل الصديق أولا ثم أرد لكم الجواب... على كل هذا ليس موضوعنا... و إنما موضوعنا ما علـّق عليه الصديق.. فبعد عبارات الاستسحان (و لا، هو لم يستسحن لأنه صديق يجامل كما تظنون، و إنما لأنها فعلا جميلة، صدقوني! أو لا، لا تصدقوني... أنتم أحرار، إنما أريد أن أخبركم بما قاله بعد الاستحسان) عبّر بأن هناك شيئا فيها ذكره برائحة العطر لزوسكيند...
أوتش... موجعة الخبطة! أنا لم أفتح زجاجة عطر زوسكيند بعد، إذ لتوي اشتريتها قبل أقل من اسبوعين فقط، فأنى التصقت رائحتها بقصتي؟ يا ربي من أين خرج لي زوسكيند هذا؟ يعني حتى و لو كان في عمر والدي و كان ألمانيا و مشهورا و كتابته لذيذة كالبسكوتة... شو يعني... أنا ما بهمني... أنا مغتاظة... أنا مغتاظة جدا من زوسيكند هذا... أنا مغتاظة من كل الأدباء و الكتاب و المفكرين الذين سبقوني... أنا مغتاظة منهم فعلا... إذ كلما فعلت فعلا أو فكرت بفكرة أو قلت كلمة وجدت شخصا سبقني و كتبها، و هكذا يقولون متأثرة بفلان، تشبه علان، تقارب تيار علاك اللبان... و كأنه كـُتب علينا نحن المهمشون، نحن المتأخرون، نحن المغمورن، نحن اللاأحد، نحن غير الألمان، نحن غير الزوسكنديين، نحن عازفو الكونتراباصات و الطبول و المثلثات المنفيون في الزوايا الميتة من فرقة سمفونية الحياة أن لا يُرى فينا إلا تكرارا للآخرين _الذين كان حظهم جميلا ليتقدموا المشهد و يكونوا العازفين الأوائل_ و محاكاة لحركاتهم و تقليدا لعزفهم... و كأنه ليس لنا من شيء أصيل ينبع من ذواتنا... و كأنا لا نملك حواسا مرهفة قد تكشف سر الكون كالمبدعين، و كأنا لا نستطيع أن نعزف نغما لامسبوقا، و كأنا لا نملك روحا قد تـُخرج شيئا فريدا من الممكن أن يغمر البشرية برمتها و يفيض عنها... حاشا و كلا، إذ كيف نملكها و نحن لسنا نرطن بلغات افرنجية؟ كيف يكون لنا رأي و ليس لدينا كتبا منشورة، أو معارف يقحمونا رغم أنف الجميع أو شهادات كثيرة نتبجح بها و لم تطبل لنا وسائل الإعلام المسموعة و المقروءة، فلسنا أكثر من مواطنين مهمشين في بلد مهمش أصلا! قرّاء عاديون ضائعون على الخريطة! مجرد لا أحد، و منذ متى كان للاأحد صوت أو إحساس؟ منذ متى كان لعازف الكونتراباص الثانوي حضور؟
يا زوسكيند أفندي إن كنت تسمعني... مع احترامي لك... أنا ممتعضة منك... لأنك سرقت لساني... لأنك كنت أنا...
و أمر آخر، و لا تخبروا أحدا و خصوصا زوسكيند نفسه، حفاظا على برستيجي الشرير و الحانق كما تعلمون... لا أخفيكم أني أحسبني أحببت هذا المؤلف كثيرا... نعم، من هذا الكتاب الصغير قد أحببته، و سأقرأ له ثانية حتما... و دعوني أهمس لكم بسر آخر، سر قد يفتضح أمري... لكن جلدي يحكني لأخبره... منذ أن ابتدأت القراءة و حتى ساعة كتابتي هذه الكلمات و أنا غارقة بنشوة في مقطوعتين على الكونتراباص... و مع أني ما زلت أشعر أن الموسيقى المصاحبة هي من أضفت على صوت الكونتراباص رونقا... و لكني أعترف أني استمتعت بهما حد الثمالة، و الكونتراباص لم يفسد الصوت كثيرا، بل حقيقة بدا جميلا و متناغما بخشونته...

استمعوا معي و اغرقوا...
 

 

Dittersdorf Concerto DoubleBass

Dittersdorf Concerto DoubleBass By Mandolin Orchestra

 

Serge Koussevitzky Concerto for DoubleBass

Serge Koussevitzky Concerto For DoubleBass Excerpts By Matteo Gaspari

 

أمر أخير...و يا للعجب أو يا للأسف أو يا لحظي! موضوعي هذا بأسلوبه يشبه أسلوب زوسكيند في الكونتراباص... حسنا استخدمت كلمة يشبهه مجازا، احتراما لسنه و لأنه أكبر مني... لأني مؤدبة مع من هم أكبر مني سنا كما تعلمون... بس يعني أنا لا أشبهه... فأنا سلمى و هو باتريك.... و أنا هلالية و هو زوسكيندي... و لو قارنتم بين صورتينا فستعرفون أني لا أشبهه حتما... و إن كنت لا أنكر أني أبدو أني أشبهه...  قليلا فقط... فقط قليلا... لا تكثروا من التشبيه... ممكن؟ لأني لا أحب أن أشبـّه بأحد...  حتى و لو كان أحسن مني... لا أحب هذا التصرف و كفى...

أمر أخير آخر بعد ذاك الأمر الأخير، _حسنا أعترف أنه كلما أردت التوقف عن الكتابة تظهر لي فكرة أخرى، لكن أعدكم أن هذا هو آخر أمر أخير و أتوقف هنا عند هذه الفكرة، صدقوني_ أحسب من وسوس لزوسكيند بالمسرحية هو شيطان الكونتراباص... بل أنا متأكدة أنه هو... كتبها ليغوي به كل الكارهين و المبتعدين و غير المكترثين و اللامبالين و اللامنتبهين... إذ أنه سيجعلك تبحث عن معزوفات بصوته و تستمع لها و تستمتع بها رغما عن أنفك... سيجعل عازفيها يدخلون التاريخ من أوسع أبوابه و يخلدون فيه... بل إنك من الآن فصاعدا كلما حضرت حفلا موسيقيا ستقفز عيناك مباشرة باحثة عن عازفي الكونتراباصات دونا عن غيرهم... أحسب أن كل عازف سيتمنى لو يصير عازف كونتراباص بعد هذه المسرحية...
فقط أتمنى من كل قلبي أن يستيقظ شيطان المثلثات أيضا و يغوي الناس بالالتفات لعازيفها، و يوسوس لأحد حتى يكتب عنهم قصة أو مسرحية أو حتى رواية كاملة... لأني أشفق عليهم و أشعر بكربتهم و بمدى الاجحاف الواقع بهم... عن جد...

و في النهاية الشكر لإيكاروس الذي حط في عالمي ذات يوم من أيام آذار المنصرم و جعلني أرقص على كونتراباص زوسكيند و أتماهى معه و كأنه أنا...
 


الكونتراباص

The Double Bass

 

الكونتراباص
 

لمؤلفها الألماني
باتريك زوسكيند

Patrick Suskind

 

باتريك زوسكيند


ترجمة: سمير جريس، المشروع القومي للترجمة بمصر
رقم 944



 

 

سلمى الهلالي

27/04/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali