الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> المضمومة

 
 

 

المضمومة

 

أول التقاء لي مع عبد الواحد الأنصاري كان من خلال حوار أجري معه في جسد الثقافة، عبر كلمات له جعلتني أذهل من منطقها:

"في الأمور الأكثر قابلية للشك تجدني شكّياَ، وفي الأمور الأقل قابلية للشك تجدني يقينيا، أما ما لا يقبل العقل الشك فيه، كالعلوم الضرورية والنتائج الحسية وما قامت عليه الأدلة العقلية القاطعة، فالشك فيه مجرد "تمكيج متفلسف بنظري".
لديك مثلا: وجود المصنوع دون صانع، الشك في بطلان هذا المبدأ هو جهل يتمكيج بالتفلسف.
اليقيني غير مضاد للإبداعي أصلا إلا لدى من لا يستطيع المزاوجة بينهما، إن من جهة ضعف في المهارة، أو من جهة تشدد في المبدأ.
لكن ما يتضاد فيه اليقيني والإبداعي بنظري هو خارج عن الأمر نفسه، أي: هو في "الوسط".
فبعض الأسماء في الوسط الإبداعي تشمئز من اليقيني رغم أنها تمارس اليقين فيما تستيقن منه، ولا تفتح لنفسها خط رجعة.
وأكثر الأسماء في الوسط الشرعي تشمئز من الإبداعي على اعتبار أنه غير ملتزم وغير مهذب.
"
"موحد، أتأول اسمي: عبد الواحد.
فقط!
إضافة إلى أنه عنصر تنبيه إلى أنني لست شكياً، لأن الشكية واللاأدرية أصبحت موضة في هذه الأيام لمن "يتعاطى" الإبداع
"

و بعدها رحت أتابع حواراته... و للحقيقة أنه مجادل و منطقي من الطراز الرفيع و لديه الحجة، إذ أنه يملك قدرة فائقة على تحرير محل النزاع و عدم التيه فيما لا يمت لموضوع النقاش بصلة... و قد تعلمت منه الكثير أنا شخصيا...

طريقة حواره هذه قد ولدت فيّ الرغبة لقراءة أعماله الأدبية... فـ عبد الواحد هو كاتب و روائي سعودي...

 

عبد الواحد الأنصاري

 

و كان أن قرأت له بعض قصصه القصيرة... من بينها قصة اسمها المتقلب في منامه... حيث تتحدث عن رجل متزوج يعيش صراعا بين حاجاته كرجل و بين مبدأه و يظهر هذا الصراع بوضوح على شكل مكابدة في أحلامه... و القصة هي وصف لما يصعب تقييده بالكلام، هي وصف لخلجات الأحلام...

ثم انتقلت لقراءة مجموعة قصصية عنونها بعنوان غريب: مضمومة "بكارة"

مضمومة بكارة

 

"مضمومة" هذه الكلمة لوحدها حكاية... فهي توظيف جديد و لا مألوف عوضا عن كلمة مجموعة المستخدمة... و هي أفضل تعبير عن نوعية اللغة التي يكتب بها عبد الواحد... لغته مذهلة و مبينة... يقبض ناصية اللغة بقوة... جمله الطويلة تخرج بسلاسة، منسوجة مع بعضها ببراعة _كسجادة يدوية محاكة بعناية_ بحيث لا تشعر بنتوءات فيها أو عوائق... و هذا أكثر ما لفت نظري... إذ أني نادرا جدا ما أقرأ من كتابات المعاصرين من هو قادر على سبك الجمل بهذه الطريقة... حتى أنا نفسي لطالما عانيت من حبك الجمل مع بعضها دون الشعور بتلك البروزات المشوهة...
مثلا هذه الجملة من قصته (غرق) و التي تتحدث عن رجلين داهمها فيضان ماء المطر و صارا يخوضان فيه...
"ثمّ التبس النهار بالليل ولم يعد يجدي تقديرنا للوقت، ثم لم يبق من المشهودات إلا أجرامها، تكاثف الغيم شديد، والضباب ثلاثة أردية بعضها يكتم على بعض، وأنا وعمّي في حقله بالوادي، نحاول أن ننفذ بأعيننا إلى الغيب"

و القصة برمتها عبارة عن لوحة لغوية، و هي من القصص التي أعجبتني... مع أني أعترف عدم استساغتي عادة لكثرة الوصف... و لكني أحببت طريقة وصفه ففيها الكثير من عبق الأولين... و لطالما أحببت طريقة كتابة الأجداد و وصفهم... حتى لو كان وصفا للربيع الذي أعترف أنه من أكثر المواضيع التي تسئمني عادة فأنا صديقة الخريف، غريم الربيع الأول كما تعلمون ، _أو بالأحرى كنت صديقته حين كان يزورنا قبل أن تخرب البيئة _.


القصص في المضمومة تجمع ما بين الخيالي الغرائبي و الأسطوري و الفلسفي و الصور الملتقطة من الواقع... و أكثر ما أعجبني هي قصة (سلسلة)... إذ يظهر فيها نفـَس عبد الواحد الفلسفي بوضوح... ذلك النفس الذي شدني ابتداء للخوض في عوالمه... يبتدئ القصة بـ "يصر أفلاطون –في لحظة من لحظات الحزن- على أنّ التاريخ لا يكرر نفسه إلا بطريقة هزليّة" ثم ينتقل بنا عبر التاريخ بلقطات سريعة و عميقة من هناك حتى يصل إلى هنا... و نفس الهزلية السوداء تكر أمامنا... لتتوقف القصة عند نقطة ما:
"وتعود الأسطورة لتصبح مهزلة حقيقية، لكن بأسلوب مغاير لما يجري في الجانب الآخر من العالم، مختلف تماما عما تنبأ به أفلاطون أو ما وصل إليه الفتى اليابانيّ: كف أمين عن النساء، لكنه أقنع رجال عشيرته بسُنّة الختان، ولا تزال تجري فيهم عقباً إلى عقب."
و تبقى السلسة مستمرة...
 

لكن عوالم عبد الواحد مرهقة... بقدر فتح الهاء في الكلمة داخله، بقدر ما أنها تؤدي إلى انكسارها في داخل من يعايشها معه... 
الغنى و العمق و الجمال و حتى الفلسفة كلها مصبوبة في قالب من القسوة و الشقاء... البيئة الصحراوية اللافحة بشدتها و جلافتها... إنه الواقع... الواقع بشكله المنهك... تحتاج لمخالب حتى تنجو فيه... أن تقاتل بشراسة حتى لا يسحقك بوطأته... إنه الواقع في الأرض الذي يفر منه المحلقون... إنه النضج بمعناه المثقـَل الذي يقاومه الحالمون...

فقط قصة واحدة وجدت فيها تلك الخفة، و هي قصة (مفتونة)، عن فتاة تتخيل و تستدعي ذكرياتها مع الحبيب الذي يبدو أن دمه خفيف قليلا...
لكن بشكل عام قد أنهكتني عوالمه و أثقلتني... و كاد الحزن يطلس روحي ، لولا رحت أفكر في نفسي _مثل كل مرة أعيش فيها وفق رؤى الآخرين المتعبة_ أن يا سلمى لا تنسي أن هذا الواقع حسب عينيه هو، و ليس بالضرورة هو الواقع حقيقة، بل ما ترينه أنت هو الواقع أيضا... و حين فكرت فكرتي هذه تنفست الصعداء و ابتسمت...


الرحلة مع عبد الواحد الأنصاري ليست أمرا يسيرا... فهي مليئة بالوعورة... بيد أنك لا تملك إلا التفكير بإعادة التجربة...

 

ملاحظة أخيرة أوجهها للمسيو كيليطو _بما أن مشاغبته في كتابه لن تتكلم لغتي ما زالت تسكنني_ أن ها هو شاب مبدع يكتب بلغة عربية أصيلة، من دون حساب لمتلق أجنبي، كتابة سترهق المترجمين حتما...

و على فكرة ليس هو وحده، إذ تذكرت أيضا كتاب التجليات للغيطاني، ذاك الكتاب ذو اللغة الفاخرة و الذي _على حد تعبير صديقتي وفاء_ لم يترك كلمة عربية في المعجم إلا و استخدمها، _مع أني أعترف أني لم أستطع تجاوز الصفحة 50 منه لأني كدت أموت وصفا_، قد صدرت ترجمة فرنسية له و فازت بجائزة فرنسية للأدب المترجم...


----

مضمومة بكارة Virginity

لمؤلفها السعودي عبد الواحد الأنصاري Abdul Wahid Al-Ansari

دار وجوه
 

 

سلمى الهلالي

9/11/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali