الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> لغز قابس

 

 
 

 

كنت أقرأ في موسوعة المستشرقين لـ عبد الرحمن بدوي، و للحقيقة هذه الموسوعة ليست موسوعة للمستشرقين فحسب، و ليست محفزا و محركا و مثيرا للغيرة ليكون المرء باحثا و مهتما باللغة و التاريخ و الشريعة و علوم القرآن و يكرس حياته لأجل دراستهم أكثر منهم فحسب، بل هي كنز حقيقي لأسماء الكثير من المخطوطات العربية و الإسلامية و العلماء و الدراسات و الأبحاث في هذه المجالات، لذلك أنصح بها بشدة، و سأظل أنصح بها بشدة كلما أتى مجال لذكرها، و لكن أنصح بالتلذذ بها على بطء... إذ مع كل اسم مستشرق يفتح لك ثبت الكتب التي عمل عليها بابا كبيرا لتبحث أكثر و تتعرف على نفائس الكتب التاريخية و فرائدها بمواضيع شتى و متنوعة و مختلفة...

كما قلت كنت أقرأ عن المستشرق سوميز (Claude de Saumasie 1588-1655) جملة "
أما من ناحية الدراسات العربية، فإنه تولى الاشراف على طبع (لغز قابس)"ص249 استوقفتني كلمة لغز، يا ترى ما هو هذا اللغز الغريب و من هو قابس هذا؟ ما الذي يمكن أن يكون وراءه؟ و كلمة لغز هي الشرارة التي تولد المعرفة... و هكذا غوغلت عليه، لأعثر على كتاب لغز قابس هذا متوافرا... كانت فرحتي كبيرة، سأقتحم سره و أعرفه إذن، و لأنه لا يتجاوز الثلاثين صفحة، فقد فضضت ابهامه برمته....
 

لغز قابس

The Tablet of Cebes
صاحب أفلاطون
ترجمة ابن مسكويه
طبع بمطبعة ترك 1324هـ (1906م)

 

"قال قابس بينما نحن نمشي في هيكل زحل و نتأمل ما فيه من أصناف الهدى إذ بصرنا في مقدم الهيكل بلوح موضوع فيه رسم صورة ملغوزة لغزا خفيا لم نصل بأفهامنا إلى المذهب فيها ما هو لأنها لم نحسبها تدل على أنها صورة مدينة و لا صورة هيكل و لا صورة عسكر و هذه صفتها.
كان رسم في اللوح حظيرة في داخلها حظيرتان أخريان، أحدهما أكبر من الأخرى و رأينا الحظيرة الكبرى لها باب كأن عليه جمعا كثيرا من الرجال و من داخل تلك الحظيرة جمع كثير من النساء و على هذا الباب رجل شيخ واقف كأنه يومي إلى جميع الرجال بشيء لا ندري ما هو
" ص3
احتار قابس و أصحابه في اللوح و صاروا يتساءلون فيما بينهم عساهم يعرفون حلا... حتى أتى رجل غريب صار يشرح لهم اللوح و تفاصيله...
اللوح باختصار يدل على كيفية الوصول للسعادة... و يتلخص الأمر أن السعادة لا تتأتى من الحظ و لا من شهوات الدنيا و متعها و إنما من الأدب الصحيح و المقصود به الفضائل و الفهم و هذا لا يتأتى إلا من رياضة النفس و مجهادتها و تخليصها من حظوظها و التنقي من الجهل و الغفلة... و حين يصير المرء لهذه السعادة فإنه لا يشقى أينما وضع...
"
و حيث ما أحب أن يعيش فإن عيشه يكون أجمل عيش و كل من يعاشر يقبله و يتمسك به و يرتاح له كما يرتاح المريض إلى الطبيب" ص13
أما إن لم يترق صعودا هذا الطريق الوعر فإنه سيعيش نكدا و تعسا مهما تحصل من متع...
 

لوح قابس لـسبيغل

 

Tablet of Cebes by Hendrik Laurensz Spieghel 1694
 

لغز قابس قصة رمزية أو شبه قصه يتحدث فيها قابس تلميذ سقراط عن تعريف السعادة و كيفية تحصيلها و ذلك من خلال الرسم على ذاك اللوح... و إنما نسبه المترجم إلى أفلاطون مع أنه كان تلميذ سقراط و ذلك لأن أفلاطون جعله أحد المكالمين في عدم فناء النفس في كتابه فدون، كما قال المحقق...
أعجبتني رؤيته للسعادة و لما هو خير و شر و لما لا يوصف بخير و أو شر... إذ فيها الكثير مما أتفق معه فيها... و يبدو لي أن كل ذوي العقول يتفقون على أمور فيما يتعلق بطبيعة الإنسان و الحياة مهما تقادم عليهم الزمان أو تأخر...
على سبيل المثال حين تحدث أن معرفة بعض العلوم كالرياضيات و الفيزياء و غيرها ليست بالضرورة أن تضمن سعادة أو فضيلة... يعني الثقافة و اللغات و الشهادات ليست مرادفا للفضيلة و لا الفهم و بالتالي لا يتأتى عنها سعادة ضرورة، هي قد تكون مسهلة للطريق و لكنها ليست متلازمة مع السعادة و لا مع الخير أو حتى الفهم الصحيح... بل إن صاحبها إن كان يعاني نكدا فهذا دليل على جهل مركب منه، و ذلك لأنه و بسبب معرفته ببعض العلوم لا يتفكر ليبصر أنه لم يصل بعد للعلم الصحيح:
"
هذه العلوم ليست مما يحتاج إليها ضرورة في الوصول إلى الأدب الصحيح لأنها لا تستلزم صلاحنا و يمكن لنا أن نكون من ذوي الفضائل بلا استعانة منها لكنها مسهلة الطريق و نافعة بمنزلة علم اللسان الأجنبي ينفعنا و يغنينا عن المترجم و إن كان فهمه ممكنا بواسطة ناقل يترجم ما لا نفهمه. نعم إنها مما يزين الإنسان و ينوره لكن لا يلزم منه أن تكون حامليها من المحسنين فإنهم أيضا ينخدعون كغيرهم في علم ما هو خير و ما هو شر و يتلونون غالبا بأنواع من العيوب و الشرور فلا شيء يمنع العلماء من أن يكونوا كغيرهم سكارى و طامعين و منهمكين و ظالمين و خائنين و مجنونين ... فبأي وجه يكون لهم فضل على سائر الناس فأظن أن لا وجه له أصلا كما بيناه ... بل هم في أبعد طريق و أصعب حال فإنهم إن وجدوا وقتا للتفكر يحسبون أنهم يعلمون ما لا علم لهم فلا يمكن لهم الوصول إلى الأدب الصحيح ما داموا في هذا الجهل المركب" ص 25 – 26
الكتاب من ترجمة ابن مسكويه، و طبعته المطبعة العثمانية بعد أن ظفر به المحقق سعاوي _الذي لم يعرف عن نفسه بأكثر من ذلك_ من مكتبة اسبانيا بمدريد _أو مكتبة اسفانيا كما كتبها بمجريط و هي الهيئة التي كان يكتب بها أجدادنا هذه الأسماء(و لي مع هذه الأسماء مغامرة صغيرة )_ ، ثم قام ببعض التعديلات على الترجمة مقارنا إياها بالنسخة الأصلية...

لفت نظري أمر و هو أن الذين كانوا يختارون و يتحركون و يفعلون و يحييون و يسعون في اللوح كلهم من الرجال، أما النساء فلم يكن إلا رمزا للصفات الذميمة المعاقِبة أو الخيرة المكافئة لهؤلاء الرجال... لكن لا وجود لهن في صيرورة الحياة البشرية و تقلباتها و خياراتها... و لن أعلق على الأمر فالكتاب قديم... لكن فقط لفتت نظري هذه النقطة... و أحسب أنها ما كانت لتلفت نظر أحد عبر تلك القرون التي انصرمت... اللهم إلا حين تقرأها امرأة في عصرنا... و سبحان من أوجدني في عصرنا حتى أكون من اللواتي يلتفت نظرهن لهذه النقطة... و لا تعليق... 

أمر أخير أحزنني بشدة، إن لم أذكره ستنفقع مرارتي كمدا، أن ها هو قابس كتب قصة قصيرة خالية من الحدث، أقصوصة فلسفية مجردة تنظيرية للتفكير و إعمال الدماغ، و لم يقل له أحد ما هكذا تكتب الأقاصيص يا قابس... و هنا فقد تذكرت من انتقد حين كنت ذات رغبة في التأليف تكتب ما يشبه القصص، و أبثها جدلا و فكرا تنظيريا تجريديا و تفلسفا كهذا تماما، حيث قال لي أن الناس لا تقرأ القصص لتفكر، و أن القصص لا تبنى هكذا، و اكتشفت بعدها مدى فشلي الكتابي... لكن حين قرأت لغز قابس هذا شعرت بالغبن و الله ... فها هو قابس قد كتب ما يشبه القصة و بث فيها فلسفته و تنظيره... قد افتعل حبكة أيا كان ليكون هناك اثنان يتحاوران لتمرير رؤياه... فلماذا يحق لقابس ما لا يحق لسلمى؟ لماذا أشعر في كل مرة أن القوانين و الأشكال الفنية لم توضع إلا لأمثالي؟ أتساءل لو أني غيرت اسمي إلى سلماوس هل سيحق لي حينها أن أحمـّل القصص ما أريد تحميله و أكتب بالكيفية التي أشاء؟ 

 

 

سلمى الهلالي

15/05/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali