الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> تبرير خامل آخر...

 
 

 

تبرير خامل آخر...

 


رواية بالزاك و الخياطة الصينية الصغيرة لـ داي سيجي

 

بالزاك و الخياطة الصينية الصغيرة      داي سيجي


تدورأحداثها في الصين زمن ماو، عن شابين في مقتبل العمر أحدهما عازف كمان و الآخر ابن شاعرة، يـُرسلان لإعادة تأهيلهما حسب النظام السائد في تلك الفترة من إرسال أبناء الطبقات المثقفة و البرجوازية إلى القرى ليعيشوا حياة الزراعة و الكفاح... حياة تسودها الصرامة حتى النخاع، حيث كل أدب و فن غير مكرس للثورة ممنوع... حتى يخاطران ذات مرة في سرقة حقيبة ملأى بالروايات الكلاسيكية الغربية و التي كان مجرد اقتناءها جريمة يعاقب عليها القانون... و هناك يعاودان تذوق الفن و الجمال سرا... و يشعران و كأنهما يعودان للحياة من جديد... و يشركان سرهما خياطة صغيرة صادقاها من القرية، راحا يرويان لها روايات بلزاك... الخياطة تماهت مع الروايات حتى تغيرت حياتها تغيرا جذريا... و قررت ترك القرية لأنها لم تعد تتسع لها فهي تريد اختبار الحياة...


رغم الشقاء الذي كسى الفترة المحكي عنها و رغم التعب و الصعوبات إلا أن الأسلوب لذيذ و منظوره للحياة حلو بحيث لا تشعر بالكرب بقدر ما تشعر بالصفاء... بجمال الروح التي تغلفها... بشيء يجعلك تظن أنه مهما حدث فهو ليس سيئا جدا... و أن الحياة ليست قبيحة رغم الكدح الذي فيها... و ان الجمال الذي في داخلك يبقى جميلا مهما حصل...
المؤلف نفسه قام بإخراج فيلم عن روايته... و رغم كونه هو المؤلف إلا أنه قام بتغيير بعض الأحداث عن روايته حين أخرجها... و هذا بدا لي أمرا معززا للفكرة التي قرأتها في كتاب سوزان سونتاغ "ضد التأويل و مقالات أخرى" من كون المسرح عمل فني مستقل عن الرواية و المخرج ليس خادما للمؤلف... و أحسب هذا ينسحب على الفيلم أيضا...

و لا أخفيكم أني لم أفكر بالأفلام و المسرحيات قبلا بهذه الطريقة، إذ لطالما كنت أرى الرواية هي الفيصل في الحكم على الفيلم في مدى اقترابه أو ابتعاده عنها، و لكنها تبدو لي فكرة تستحق أن أعمل عليها في ذهني أكثر، و خصوصا أن المؤلف حين صار مخرجا فإنه قد قام بالتعديلات تماشيا مع متطلبات هذا النوع الفني المختلف عن الكتابي...

 

فيلم بالزاك و الخياطة الصينية الصغيرة

 

استمتعت بالفيلم كاستمتاعي بالرواية...  و سيجي بارع مؤلفا و مخرحا...
و كلاً من الرواية و الفيلم يستحقان المشاهدة و القراءة...

 

كنت قرأت الرواية قبل فترة، و لكن ما جعلها تخطر على بالي لأحدثكم عنها هو تساؤل بعضهم _و ربما للمرة المليون_ عن فائدة قراءة نص مكتوب بلغة عربية معتقة أو شعر ما؟ فهم لا يقرأون إلا ليتحصلوا على معلومة ما...

هذا النوع من الفكر البليد مسيطر على واقعنا كثيرا، حيث كل شيء ينبغي أن يقاس بمقياس محسوس... و الفن و لكونه تجريدا يحتاج لتبرير دائما. فهو إن لم يكن مقترنا بشيء ملموس فلا معنى له، إن لم يقدم عوضا ماديا أو معلومة طبية أو تاريخية أو تكنلوجية أو واقعية الخ فما الفائدة منه؟ و كأنه أمر غير أصيل، ترف زائد، غير مقنع، لا معنى له، فائض عن الحاجة... و لذلك يحتاج دائما إلى تبرير...

 

في رواية سيجي يجد رئيس القرية كمانا مع أحد الشابين فيريد رميه في النار ليحرقه إذ بدا له بلا فائدة، و لكن الشاب الآخر أنقذ الموقف بقوله أن صديقه عازف ماهر، و سيعزف له مقطوعة جميلة لموزارت... رئيس القرية تشكك حين سماع الاسم، و لم تشرق أساريره حتى ادعى الشاب أن عنوان الأغنية: موزار يفكر في ماو... و هنا في هذه اللحظة، بدا الفن مقنعا، فقد قدم التعليل له... لأنه ارتبط بشيء ملموس للمتلقي... ماو... و بذلك صار أمرا يعتد به و يـُستمع له بل و يـُتلذذ به...

الرواية برمتها تدور حول هذه الفكرة، حول الفن... الفن غير المرتبط بعائد مادي، أو بالواقع... كيف أن له من السلطان بحيث يحول كل شيء حولك، لأنه يحولك من الداخل...

 

فهل من شيء أقوى و أكثر منطقية في الحياة من الشيء الذي يغيرك؟ الفن هو ما يغير... للأسوأ أو للأحسن ذاك يعود لنوعية الفن... و لكنه هو الذي يلعب على وتر الروح... على وتر الداخل... إما أن يأد روحك، يثقلها، يفرغها، يلعنها، يخرج أسوأ ما في طبيعتك البشرية و أكثره شرا و قبحا... أو يملأ روحك، يشدك للأعلى، يغذيك بالكمال، يخرج منك أجمل ما أودع في داخلك... هذا هو الفن... هو الذي يعميك أو يبصرّك... هو الذي يقتلك أو يحيك...

الفن هو اللذة... اللذة التي تحطك أو ترفعك... اللذة التي تفسد الحياة أو تصلحها... تجعلها عجفاء خاوية أو مفعمة نابضة... اللذة التي مدار حياة البشر حولها بين فقد و بحث و إيجاد... و كل يختار لذته من أخسها لأرقاها، من أعجلها لأدومها، من أتفهها لأنفسها... حتى الإيمان بالله بحد ذاته قائم على اللذة... فأي لذة تعدل عبادة الكامل و تسبيح مطلق الجمال...

الفن هو الشعور و الفكر... الفن هو أنت...

ثم يأتي من يقول و ما الفائدة؟ ماذا ستجني؟ هل هناك عائد من وراء ذلك؟ هل من ربح مادي؟ هذه الأسئلة الباردة التي لا تنتهي، مطالبة بمبرر كلما نظمت شعرا أو خططت مقالا أو أفنيت نقودك و سني عمرك على ما هو فكر و فن...

 

في فيلم إصلاحية شوشانك The Shawshank Redemption

 

فيلم إصلاحية شوشانك

 

يختلس أحد السجناء لدقائق فرصة و يضع في إذاعة السجن مقطوعة أوبرالية آسرة لموزارت، و إذ تجمد في مكانها كل الأنفس التعسة و الملعونة هناك في ذاك العذاب المسمى جورا بإصلاحية و تحلق مع الصوت و كأنه انتشلها من الجحيم إلى الجنة بلحظة، نزعها من كل الشر و القبح الذي يغلفها إلى جمالها و خيرها المدفون فيها... بتلك اللحظات لم يطالب أحد بمبرر، لم يسأل أحد عن المعنى، لم يخطر على بال أحد أن لماذا... كل ما حصل لحظتها أن شعورهم بالجمال قد شل كل شيء و أوقف مشهدهم الوجودي لفترة...

 

الفن هو ما يملك القدرة على تحويل قطرة مطر أو يوم عادي أو حدث تافه من الحياة إلى لقطة من الفردوس... و هو نفسه الذي قد يشوه الكون بكل ما فيه من حكمة و عمق إلى لعبة عبثية خاوية من المعنى... و هو نفسه الذي  قد يغير كل جمال سماوي بثه الله إلى مجرد شيء نفعي و مادي...

 

فمحادثة مملة بين سيدتين عن إرسال رسالة لأحدهم علـّه يحس، تصير و كأنها ترنيمات من عالم أثيري لم يعهده إنسي...

Mozart Marriage Of Figaro Sul Aria By Karl Boehm

 

 

و هو من يجعل كارهة و مناهضة للقهوة مثلي تود من كل قلبها لو كانت حول النار في الصحراء مع هذا البدوي الذي يصف تحميصه حبات البن، لتتذوق قهوته و تستمع لأنشودته من فمه مباشرة

 

يا ونتي لمشاري العفاسي

 

 

أم ما العوض الذي تريده لتتماهى مع أغنية عن الربيع... حتى أنا التي لا تستسيغ مواضيع أساطير الآلهات، و لا أحب الربيع لأني صديقة الخريف غريم الربيع كما أخبرتكم قبلا، قد سحرتني أغنية فنلندية فلكلورية عن إلهة الربيع و لخبطت أفكاري و كدت على إثرها أخون الخريف و أعشق الربيع لولا أن تنبهت في آخر لحظة أن هذا هو الربيع نفسه الذي أعرفه، و أن الأغنية قد أزاغت عيني...

و إن كنت أعترف أني لم أتمالك نفسي و رقصت معها قليلا .. و أرجو أن لا يؤاخذني الخريف بم نسيت

 

Suveta (Goddess of Spring) by Gjallarhorn

 

 

أو أن أبيات رقيقة كأبيات البهاء زهير هذه تحتاج لتبرير:

 

كيف خلاصي من هوى      مازج روحي و اختلط
و تـائه أقـبـض فـي      حبي له و ما انبـسـط
يا بدر إن رمـت بـه      تشبهاً رمت شـطـط
و دعه يا غصن النـقـا    ما أنت من ذاك النمط
قام بعـذري وجـهـه     عند عذولي و بـسـط
للـه أي قـــلـــم      لواو ذاك الصدغ خـط
و يا له مـن عـجـب     في خده كيف نـقـط
يمر بي مـلـتـفـتـا    فهل رأيت الظبي قط
ما فيه من عيب سـوى    فتور عينـيه فـقـط
يا قمر السـعـد الـذي    نجمي لديه قد سقط
يا مانعي حلو الرضـا    و مانحي مر السخـط
حاشاك أن ترضى بـأن    أموت في الحب غلط

 

تلك التساؤلات المتبلدة تفسد اللحظة و تشعر بفجاجتها كالصفعة ترديك من الحالة التي كنت فيها على الواقع المثقل المحدود الضيق: ما الفائدة من الكلمات؟ ما الفائدة من الشعر؟ ما الفائدة من الفن؟ ما الفائدة من التفكر؟ ما الفائدة من الألحان؟ ما الفائدة من الألوان؟ ما الفائدة من التنفس؟ ما الفائدة من الروح؟

ثم تدفعك لتمارس مكرها فعل التبرير السطحي... هذا التبرير الخامل الذي يجعلك تشمئز من نفسك و أنت تبهت المعنى و تحاول إيجاد ما تعلل به... و تكتب موضوعا كهذا...

 

بالله عليكم و قبل أن أبرر للمرة المليار هلا أخبرتموني و لو لمرة واحدة ما الفائدة من الفائدة أصلا؟

 

 

 


----

بالزاك و الخياطة الصينية الصغيرة Balzac and the Little Chinese Seamstress

لمؤلفها الصيني: داي سيجي Dai Sijie

ترجمة: محمد علي اليوسفي

المركز الثقافي العربي

 

 

سلمى الهلالي

20/11/2010

 

تعقيب:

أسوأ ما في موقعي _أو ربما فيّ _ أني لا أعلم كيف أضيف إليه صندوقا للتعليقات... إذ هذا يحرمني من التفاعل و بسط أفكاري أكثر...

أتاني تعليق على موضوعي هذا، و كأنه فـُهم منه أني أومن بمقولة: الفن للفن

و لكن ليس هذا ما عنيته من موضوعي...

ما عنيته أن الفن يملك قوة و سلطانا... هذا السلطان يستطيع على إثره أن يرفع المرء أو يحطه... أن يغير نظرته للوجود برمتها إن خيرا أو شرا... أن يجعله مجدفا أو مسبحا... الفن يملك القدرة على التزيين... الغواية...
دائما أذكر مقطعا في رواية اسمي أحمر، حيث الوصف حينها عن مخرز يدخله المرء في عينه ليعميها... الوصف كان بطريقة صوفية و جميلة بحيث تجعلك تكاد تشتهي أن تدخل المخرز في عينك لتذهب نورها...
هذه الفكرة حينها أشعرتني بالقشعريرة و الرعب، إذ أن غواية الفن قد جعلت شيئا مقرفا و شاذا و متوحشا مشتهى و جميلا...

الشعراء يتبعهم الغاوون...
هم شعراء... نعتهم الله بكونهم شعراء... و الآخرون يتبعونهم... الغاوون... هذا هو السلطان الذي عنيته...
هذا ما عنيته بالفن... أنه يملك هذا السلطان بالهيمنة...
و لذلك أن يأتي شخص و يتساءل ما الفائدة، و يقصد بالفائدة الأمر الملموس و النفع المادي... يبدو لي سؤالا لا معنى له... هو نفسه لا يدرك مدى سلطان هذا الذي يسفهه عليه...

و لكني لا أؤمن بفكرة أن الفن للفن... و لا أستسيغ كل أنواع الفن و لا أستمتع بها و لا أؤمن بها، بل أدعو لنقيضها... أعني تلك التي تزين القبح و الشذوذ و اللاأخلاق و التشوه أو التي تطلس المعنى من الوجود و تدعو للعبث...

أنا أؤمن بالفن الذي ذكره عدي الحربش
"الفن هو نزعة نحو المطلق..
و الجمال لا يعدو أن يكون طيفاً من أطياف المطلق، يماثله في لا نهائيته..
و كذلك الأخلاقي.. طيف من أطياف المطلق.. يماثله في لا نهائيته..
و كذلك الحقيقة.. طيف من أطياف المطلق.. تماثله في لا نهائيتها..
"

و لكني لا أستطيع أن أنكر أن في الفن الذي أنا ضده سلطان... لأنه غواية... لأنه يزين...

أمر آخر، أظن تصرفات البشر الاختيارية قائمة على اللذة... و لكن ما يختلف و يمايز البشر فيما بينهم هو ماهية اللذة التي يبحث عنها كل امرئ و يطلبها...
منهم من يطلبها آنية و زائفة و سهلة ملموسة... و منهم يفضل عليها سامية و دائمة و صعبة مجردة...
و الفن بأشكاله يلعب على هذا الوتر...

بأية حال لا أدري إن كانت فكرتي وصلت كما أردتها، أو إن كنت عبرت عنها في الموضوع بشكل جيد... فأفكاري كثيرة التبعثر و الفوضى مثل صاحبتها ...

بالمناسبة لست خير من يتحدث عن المدارس الفنية و هذا الكلام... إذ لست معنية بها كثيرا... و في كثير من الأحيان ما بعرف شو بدها...
إنما أتحدث عما أشعر به و افكر... و لذلك لا تستغرب إن وجدتني أميت المؤلف في مقام و في مقام آخر أنافح ضد من يقول بموته، و متل ما بقولو لكل مقام مقال

 

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali