من إعجاز القرآن: العلم الأعجمي بالقرآن مفسرا بالقرآن

موضوع هذا الكتاب فريد وغريب، حيث يحاول محمود رؤوف أبو سعدة إبراز وجه غير مسبوق من وجوه الإعجاز القرآني في الأسماء الأعجمية الواردة فيه… وتقوم نظريته على أن الأسماء الأعجمية الواردة في القرآن قد فسر القرآن معناها ضمن سياق الكلام، حيث تأتي متناسقة مع بعض الآيات التي وردت فيها، أي أن الآيات تقدم لنا معنى الاسم الأعجمي الوارد فيها والذي ذكره القرآن بشكله المعرب، على اختلاف اللغات القديمة التي اشتقت منها هذه الأسماء… وذكر ستة طرق لهذا التفسير: التفسير بالتعريب، والتفسير بالترجمة، والتفسير بالمرادف، والتفسير بالمشاكلة، والتفسير بالمقابلة، والتفسير بالسياق العام… وقد حاول تطبيق نظريته هذه على جميع الأسماء الأعجمية الواردة فيه…

فهل نجح في هذا؟ يمكنني قول أن الكلمات انقسمت في هذا لثلاثة أقسام…
قسم من الأمثلة تجسدت الفكرة فيها بوضوح شديد، مثل اسم (اسحق)، حيث أنها تعريب للاسم العبري (يصحاق) في التوراة والذي معناه (يضحك)، والملاحظ أنها وردت في قوله تعالى {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}…
أو مثلا زكريا، وهو تعريب للاسم العبراني (زخريا: زخر+يا) والذي معناه (ذاكر الله)، ونلاحظ كيف ورد في قوله تعالى: {ذِكْرُرَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} وكأن معناها ذكرت رحمة ربك عبده ذاكر الله…
ومثال زكريا كان الذي قدح فكرة الكتاب في ذهنه، إذ في بداية الأمر اجتذبه الجرس الصوتي للآية ذكر وزكريا، ثم قدحت في نفسه الفكرة بعد أن تعلم العبرية…
لكن الأمثلة لم تكن كلها بنفس الدرجة، فقسم آخر احتاج إلى شيء من تكلف وتأول، وهو أمر مقبول إلى حد معين في مثل هذه المواضيع اللغوية، كما يقول الإمام  الفخر الرازي في تفسيره حين تحدث عن استخراج الاشتقاق الأكبر ذات مرة: “وإن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصنعة والتأويل”
لكنما هناك قسم ثالث من الأمثلة بدت إشكالية واحتاجت لتكلف تجاوز القدرة على الاقناع، لتبدو أنها فقط محض تأول للوصول للمعنى المراد مسبقا… على أنها لا تفسد أصل فكرة الكتاب، وإن كانت ربما تحتاج لتأمل أكثر من قبل الدارسين… وعلى العموم فحتى هذه المباحث لم تخل من نظرات ذكية جدا وتأملات تثير الإعجاب…

هذا وقد استهل الكتاب بمقدمة بديعة ومعلِّمة، والتي يمكن أن تكون كتابا مستقلا في فقه اللغة العربية… تحدث فيها عن كيف يتعرّب الاسم الأعجمي في لسان العرب: (1.كاختزال أحرف اللفظ الأعجمي إلى جذر رباعي على الأكثر حتى يتاح الاشتقاق منه، 2. وتهذيب أصواته على مقتضى مخارج الحروف العربية، 3. وتجنيب اشتباهه بجذر أصيل)، ولذلك يرى أن العرب الأوائل لو شاهدوا التلفون لعربوه بـطلفان، ولاشتقوا منه فعل (طلفن)، والطاء وضعوها حتى لا يشتبه الجذر مع مادة جذر (تلف).
كما تحدث في مقدمته أيضا عن علاقة اللغة العربية بأسرة اللغات السامية، أو (الجزرية) كما يحب الكثير من علماء العرب تسميتها  نسبة للجزيرة العربية، أو (اللغات العاربة) أو (اللغات العروبية) أو (اللهجات العربيات)، كل هذه التسميات بدل كلمة السامية التي ابتدعها مستشرق يهودي لدلالاتها التوراتية، وسبق تحدثت عن هذا في مراجعة كتاب محمد بهجت القبيسي (ملامح في فقه اللهجات العربيات)…
وكاتبنا أبو سعدة ينتصر لمذهب القائلين أن اللغة العربية هي الأقدم بين أبناء أسرتها، وهي أقرب شكل للغة السامية الأم والتي كانت لغة عربية انحدرت عنها جميع الأسرة، ويذكر مجموعة من الأسباب التي جعلته يرى هذا: (1. منها تفوق العربية توفقا ساحقا على العبرية والآرامية بوفرة المادة اللفظية الأصلية للجذر الثلاثي. 2. ومنها أن العربية تستفيد من الجذر الأصلي كل معانيه، على حين تقصر العبرية والآرامية غالبا على وجه أو وجهين. 3. ومنها أنه لا يوجد لفظ مشتق في العربية إلا وتستخدم ثلاثيه المجرد في أصل المعنى الموضوع له، بينما العبرية مثلا يكثر فيها الأسماء المشتقة التي لا جذر لها.) ثم يخبرنا أن لهذه الأسباب وأخرى يلجأ دارسو الساميات إلى الاعتماد على المعجم العربي لمحاولة فهم غوامض العبرية والآرامية وغيرها من بوائد الساميات… وهكذا فهو يرى أن اللغات التي كانت منتشرة في الجزيرة العربية ما هي إلا لهجات قبلية متحورة عن العربية القديمة وقد تهجنت بها ألسنتهم نتيجة الغزو المستمر الذي توالى على أطراف الجزيرة من العراق والشام، بينما سلم اللسان العربي وحفظ من التأثر في قلب الحجاز…

بالإضافة إلى كثير من الفوائد اللغوية والتاريخية والعقدية، والردود العلمية على كثير من المستشرقين الذين درس مقولاتهم في هذا المجال… كل هذا كتبه بأسلوب أدبي رشيق، فقد صدقنا حين ذكر أنه إنما حبره تحبيرا لأجلنا…

الأمر الوحيد الذي لم يرق لي كثيرا في الكتاب هو زيادة ثقة في لغته في مواضيع ظنية كهذه لا تحتمل كل هذه الثقة والجزم على شرف وفرادة ما يقدمه طبعا، إذ في نهاية المطاف هذه المباحث اللغوية قائمة على الاجتهاد والتذوق اللغوي الذي يحصل عليه الممارس والدارس بعد طول دربة ونظر… وهذه الثقة جعلتني متشككة قليلا لأنه يخاطب قارئة كإياي لا خلفية لها عن الموضوع فتزن ما قاله بشكل علمي… ولكني احترمت عبارته التالية:

“وأنا أيها القارئ العزيز _إن كنت لا تعرف عبرية التوراة، أو يونانية الأناجيل_ بما في هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحيانا لا أريد أن يفوتك شيء من حلاوة بحث أريد أن أحبّره لك تحبيرا، أريد منك أن تشترط علي توثيق ما أحدثك به، فلا أكيل لك القول جزافا آمنا ألا تكشف زيفي؛ لأنك لا تعلم شيئا من أمر تلك اللغات التي ذكرت لك، ليس هذا من العلم في شيء، وإنما هو من التّدليس.”

وعلى كل الأحوال، سواء اتفقت مع المؤلف أو اختلفت، فلا يمكنك إلا أن تقر ببراعة صنعته وتشكر نتاجه العظيم هذا…
وفكرة الكتاب خليقة بأن تفتح بابا واسعا للدارسين ليتوسعوا بها ويبنوا عليها…

محمود رؤوف أبو سعدة العاشق لتعلم اللغات حد الإتقان والذي كان يملك موهبة اكتسابها منذ صغره كما أخبرنا، قد كان يمتلك ناصية عدة منها لاسيما تلك المهجورة، وكان يعمل مترجما في الأمم المتحدة كما قال في خاتمة كتابه، ولم ينشر سوى هذا الكتاب الذي أنهاه عام 1991 وقد استغرقت كتابته أربع سنوات، وقبلها عشر سنوات أخر وهو يبني أفكاره فيها ويدرسها وهو في جنيف مترجما، ومناقشا أصحابه الذين كانوا معه وكانوا نعم العون له في تشجيعهم ولفت نظره لكثير من المراجع المتخصصة ولما كتبه المستشرقون في هذا المجال…
وقد قدم للكتاب محمود محمد الطناحي الباحث المصري المعروف…

ومن المؤسف حقا أن الكاتب وكتابه خاملي الذكر، حتى أني ما وجدت لمؤلفه صورة واحدة على الشبكة ولا معلومات أخرى عنه فيما وراء ما كتبه عن نفسه…
—-

من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن؛ العلم الأعجمي في القرآن مفسرا بالقرآن: وجه في إعجاز القرآن جديد
لمؤلفه المصري: محمود رؤوف أبو سعدة
تقديم: محمود محمد الطناحي
دار الميمان، الرياض، ط1/ 2011

شوال 1440 – تموز 2019
سلمى