نهايات حميمية في تفسير الفخر الرازي

“الكاتب” رسمة من الهند المغولية من القرن السابع عشر A Scrib”. Moghul India 1625″

أحب ما يبثه أحيانا الإمام الفخر الرازي في نهايات تفسيره لبعض السور، إذ قد يكون بثه على شكل دعاء أو نجوى أو هم استبد بقلبه… وأعتبرها بمثابة جائزة صغيرة ظفرت بها لوصولي لنهاية السورة معه، إذ قد تواسيني في لحظة كدر شابتني، كما حصل اليوم معي في نهاية تفسير سورة الشورى، حيث يقول:

“تم تفسير هذه السورة آخر يوم الجمعة الثامن من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا مدبر الأمور، ويا مدهر الدهور ويا معطي كل خير وسرور، ويا دافع البلايا والشرور، أوصلنا إلى منازل النور، في ظلمات القبور، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.”

أو لحظة تشعرك بالتماهي معه لتتشابه الأزمنة الصعبة على هذه الأمة… يقول في نهاية سورة الأنفال:

تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر، كما هو أهله ومستحقه، يوم الأحد في رمضان سنة إحدى وستين وستمائة في قرية يقال لها بغدان. ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان، وكيد أهل البغي والخذلان، إنه الملك الديان، وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان.

ويقول أيضا في لحظة تجل في نهاية سورة الزمر:

قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة في ليلة الثلاثاء آخر ذي القعدة من سنة ثلاث وستمائة. يقول مصنف هذا الكتاب: الملائكة المقربون عجزوا عن إحصاء ثنائك، فمن أنا؟ والأنبياء المرسلون اعترفوا بالعجز والقصور، فمن أنا؟ وليس معي إلا أن أقول أنت أنت، وأنا أنا، فمنك الرحمة والفضل والجود والإحسان، ومني العجز والذلة والخيبة والخسران، يا رحمن يا ديان يا حنان يا منان أفض علي سجال الرحمة والغفران برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، وسلم تسليما كثيرا.

بيد أن أكثر ما أحزنني، هو نهايات تفسيره لبعض السور المتتابعة وهي يونس، هود، يوسف، الرعد… حيث يبدو أن ولده قد توفي قريبا، مما فطر فؤاده…
يقول في نهاية تفسيره لسورة هود:

تم تفسير هذه السورة قبل طلوع الصبح ليلة الاثنين من شهر رجب ختمه الله بالخير والبركة سنة إحدى وستمائة، وقد كان لي ولد صالح حسن السيرة فتوفي في الغربة في عنفوان شبابه، وكان قلبي كالمحترق لذلك السبب، فأنا أنشد الله إخواني في الدين وشركائي في طلب اليقين وكل من نظر في هذا الكتاب وانتفع به أن يذكر ذلك الشاب بالرحمة والمغفرة، وأن يذكر هذا المسكين بالدعاء وهو يقول:{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ } [آل عمران: 8] وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كما رثاه بالشعر، مفوضا أمره لله، يقول في نهاية تفسيره لسورة يوسف:

قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد الله تعالى يوم الأربعاء السابع من شعبان، ختم بالخير والرضوان، سنة إحدى وستمائة، وقد كنت ضيق الصدر جداً بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة والغفران وخصه بدرجات الفضل والإحسان وذكرت هذه الأبيات في مرثيته على سبيل الإيجاز:
فلو كانت الأقدار منقادة لنا … فديناك من حما الروح والجسم
ولو كانت الأملاك تأخذ رشوة … خضعنا لها بالرق في الحكم والاسم
ولكنه حكم إذا حان حينه سرى … من مقر العرش في لجة اليم
سأبكي عليك العمر بالدم دائما … ولم أنحرف عن ذاك في الكيف والكم
سلام على قبر دفنت بتربه … وأتحفك الرحمن بالكرم الجم
وما صدني عن جعل جفني مدفنا … لجسمك إلا أنه أبداً يهمي
وأقسم إن مسوا رفاتي ورمتي … أحسوا بنار الحزن في مكمن العظم
حياتي وموتي واحد بعد بعدكم … بل الموت أولى من مداومة الغم
رضيت بما أمضى الإله بحكمه … لعلمي بأني لا يجاوزني حكمي
وأنا أوصي من طالع كتابي واستفاد ما فيه من الفوائد النفيسة العالية أن يخص ولدي ويخصني بقراءة الفاتحة، ويدعو لمن قد مات في غربة بعيداً عن الإخوان والأب والأم بالرحمة والمغفرة فإني كنت أيضاً كثير الدعاء لمن فعل ذلك في حقي، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، آمين والحمد لله رب العالمين.

فقرأت الفاتحة على روحه وروح ابنه ودعوت لهما بالرحمة…

شعبان 1440
نيسان 2019
سلمى