تهذيب الأطوار في عجائب الأمصار (رحلة مرتضى الكردي)

في عام 1715م خرج مرتضى الكردي من دمشق مغاضبا أهلها وساخطا عليها بعد أن تراكمت عليه الديون فيها وتنكر له الزمان وطلسه الحزن، وبعد ازدياد اضطراب نفسه لمقتل عمه على يدي بعض الأعراب، خرج يضرب في الأرض قاصدا أرض مصر المحروسة عله يجد سعة فيها. وحين وصلها مكث مدة يرتاد الأزهر يحضر دروس علمائه ريثما يعثر على رزق، حتى فرجها الله عليه وعُين جابيا للضرائب في الصعيد…

وفيما يلي هو نص رحلته التي كتبها منذ خروجه من دمشق إلى عودته من الصعيد للقاهرة، حيث كتب مشاهداته في الطريق وما مر معه من أمور وما استذكر من حكم وأشعار تناسب الأحوال المتقلبة وشيء من الطرائف والقصص والمعلومات… ثم انقطع نص المخطوط فجأة، فما علمنا أين انتهى به المطاف، ومن أين كان يحدثنا، فهل تصالح مع دمشق وأهلها وعاد إليها، أم استقر في القاهرة التي أحبها أم هو مكان ثالث؟

نص الرحلة لطيف، الفريد فيها قليل والعادي وفير… بيد أنها ممتعة وجديرة بالقراءة، فهي وإن خلت من تميز في الأسلوب وكانت الأشعار والحكم قد غلبت أجزاءها الأولى وهو يحاول تخفيف انتزاع نفسه من دمشق وانتزاعها من نفسه، مما قد يجعل شيئا من ملل يتخلل لنفسك… إلا أن فكرة كونها وردت في نص عتيق من شامي مبتلى يواسي نفسه ويبثها لك من وراء الأزمان، كافية لتضفي عليها الحميمية، وقد شهدت عموم البلوى على شامي هذا الزمان!

يقول:
دمشق دار لأهل المال طيبة
وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها
كأني مصحف في دار زنديق

ويقول مذكرا إياه وإياك أيها القارئ:
وكم لله من لطف خفي
يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر
ففرج كربه القلب الشجي
وكم أمر تساء به صباحا
وتأتيك المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأحوال يوما
فثق بالواحد الفرد العلي

ومن المبالغات الشعرية التي استوقفتني:
دمشق دار البذرقة (أي الخفارة أو العصمة التي يعتصم بها)
فيها الوجوه المشرقة
لو حل قارون بها
حلت عليه الصدقة

لا نعرف الكثير عن مرتضى الكردي هذا كما يخبرنا المحقق محمد الزاهي، إلا نزرا يسيرا… فهو دمشقي المولد والنشأة، ويُعرف بالأمير الكردي، وكان مثقفا واسع الاطلاع ناظما للشعر، وقد تتلمذ على الشيخ عبد الغني النابلسي، ومجموعة من علماء الأزهر الذين تحدث عنهم وعن كتبهم وبعض أحوالهم حين مكث في مصر… وليته تحدث عن بعض علماء الشام كذلك، ولكنه لم يفعل! كما يذكر أن له كتبا أخرى… وقد توفي عام 1742 م – 1155 هـ
الرحلة اعتمدت على مخطوط وحيد عُثر عليه في مكتبة برلين، وما أكثر كنوزنا في مكتبات تلكم الديار! والتحقيق حاز على جائزة ابن بطوطة، لمشروع ارتياد الآفاق المحبب…

يقول في مطلع رحلته:

“لما قدر الله علي بهجر الوطن وتزايدت علي المصائب والمحن، والكرب بي اشتد وباب السرور دوني انسد، وضاق بي الحال حتى قلاني الدون والعال، وأقفر المنزل وأصبحت عن الأحباب في معزل، وعدت عند القريب كأني امرؤ غريب، وقد غاض مجلس أنسي حتى صار بيتي حبسي، وخلا ما في الكيس وتباين علي الجليس […] ثم أردت أن أكتب رحلة لطيفة وأحدوثة مطربة طريفة فيما أصابني من جور الزمان وغرائب الدهر والحدثان، وما شاهدت من الأمصار وما عاشرت فيها من الأكابر الأخيار، ووضعت فيها فنونا متقنة ونوادر مستغربة مستحسنة، وجمعتها من كتب فريدة ومجلدات عديدة، وسميتها بـ <<تهذيب الأطوار في عجائب الأمصار>>، أرجو الله سبحانه من مننه أن يوصل كل مشتاق إلى وطنه.”


——
تهذيب الأطوار في عجائب الأمصار (رحلة مرتضى الكردي)
لمؤلفها: مرتضى الكردي
تحقيق وتقديم: محمد الزاهي
دار السويدي/أبو ظبي – دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت، ط1 / 2015

شعبان 1440
نيسان 2019
سلمى