غياب راويات الحديث وعودتهن


Girl Reciting Qu Ran 1880 Poster by Hamdi Osman
فتاة تقرأ القرآن لوحة لحمدي عثمان عام 1880

تذكر (أسماء سيد) تحليلا جديدا وحاذقا لسبب تراجع راويات الحديث ما بعد عصر التابعين إلى القرن الرابع الهجري كتابها الممتع والرائع (المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام) تخرج فيه عن الكليشيهات المعتادة والإسقاطات المعاصرة، تقول:

“كان لإضفاء الطابع المهني على رواية الحديث _مثله في ذلك مثل العديد من الإصلاحات ذات النية الحسنة_ ضحايا غير مقصودين؛ ذلك أنها أدخلت معايير لم يكن لدى النساء كبير فرصة لتلبيتها. فكانت المطالب التالية على وجه الخصوص عبئا كبيرا عليهن: أولا. اشتراط الدراية في الرواي عند تحمله الحديث. ثانيا. ضرورة تحمل الطلاب الحديث من خلال الرواية الشفوية وعن طريق الاتصال المباشر وجها لوجه بشيوخهم (أي استبعاد الرواية المكتوبة). ثالثا. ضرورة تكريس طلاب الحديث وقتهم ومواردهم لاكتساب أكبر قدر ممكن من الحديث خلال حياتهم.
وقد طرح كل مطلب من هذه المطالب آنفة الذكر تحدياته للمرأة خاصة. فالدراية، على سبيل المثال، لم تقتصر على الإلمام بالفقه والمعرفة بالأحكام، بل امتدت أيضا إلى المعرفة بقواعد اللغة العربية، بلاغة وصرفا. والنساء _بغض النظر عن الأقلية منهن من نساء الطبقة العليا_ لم يكن لديهن _في أغلب الأحيان_ الموارد أو الوقت الخالي من الالتزامات المنزلية اللذين يفرضهما الانخراط في تعليم كهذا، كما كان القصد من متطلبات اللقاء وجها لوجه مع الشيوخ وتحمل الرواية مشافهة ضمان تحمل الرواية بأعلى قدر ممكن من الدقة. فعادة ما يتم نسخ الرواية باللغة العربية غير المضبوطة بالشكل، مما يزيد احتمال حدوث أخطاء في النقل. ومن ثم ينبغي أن يقرأ الراوي النص بصوت جهوري، ليستمع الطالب ويدون ما قاله الشيخ، ثم يُعارض الطالب نسخته بنسخة الشيخ لضمان النقل الدقيق لنص الحديث. واصطدم متطلب لقاء النساء بالشيوخ وجها لوجه رأسا بالتربية والمعايير الثقافية والدينية التي حالت دون التفاعل بين الرجال والنساء اللاتي لم تربطهن بهم صلة. وفوق ذاك، دعا العلماء […] ألا يشرعوا في دراسة الحديث (أي طلب الحديث من مظانه) إلا بعد إظهارهم التمكن من العربية […] وهكذا كان يتعين على الفتيات أو الشابات اللاتي رغبن في التفوق في هذا المجال، أن يشرعن في متابعة دراستهن في مستهل سن البلوغ و/أو خلال سنوات خصوبتهن. وغني عن الذكر أن الثقافة السائدة _في العالم الإسلامي ما قبل الحداثة، وكذلك في أماكن أخر على حد سواء_ لم تشجع النساء على التخلي عن التزاماتهن العائلية…” 
كما أن “خصائص الرحلة التي وضعت مثل هذا المسعى فوق قدرة معظم النساء في المجتمع الإسلامي الأول [..] فليس من قبيل المصادفة أن مشاركة المرأة في الحديث أظهرت تراجعا شديدا عندما راجت الرحلة في طلب الحديث بين الرواة وعلماء الحديث.”
إذن “تراجع نشاط المرأة في رواية الحديث بوصفه نتيجة عرضية غير مقصودة لزيادة معايير التخصص والمهنية في هذا المجال”

ترى المؤلفة إذن أن هذا التراجع في رواية النساء وبالتالي ذكرهن في كتب التراجم التي أعتنت بالرواة بالمقام الأول، ليس أساسه جنوسي وموقف معارض لرواية المرأة، ولا بسبب تأثر الاتصال بالثقافات الأخرى في عهد الفتوحات، وإنما بسبب تطور المعايير في مجال الحديث وجعلها أكثر صرامة وتحوله لحقل علمي تخصصي يشترط معايير أعلى في مؤهلات الرواة وفهمهم ومزيدا من التدقيق في أحوالهم…

أما لماذا عادت النساء بقوة لساحة الحديث في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري أي بعد حوالي 250 سنة من الغياب، فله صلة أيضا بهذا… فقد ذكرت تحليلا ذكيا كهذا أيضا…
إذ على إثر تلك المهنية والتخصص في رواية الحديث، ظهر الصحيحان وبقية الكتب الستة، وكان لهذه الكتب الفضل على النساء لعودتهن للمشاركة، فظهورها هو ما فسر هذا التحول، تقول:

“برهنت مسيرة كريمة [المروزية وهي راوية للحديث] العلمية على فضل مجموعات الحديث الرئيسة من كتب الصحاح والسنن _فضلا عن قبول الرواية المكتوبة_ على ظهور النساء مجددا بوصفهن راويات للحديث.”

“يعد الاعتراف واسع النطاق بمجموعات الحديث عاملا تفسيريا رئيسيا في هذا التحول الجوهري. ومن بين المفارقات أنه كان نتيجة غير مقصودة لذاتها، وقعت بسبب علماء تميزوا بالصرامة مثل البخاري ومسلم، فعادت النساء بواسطتهم إلى الساحة مجددا، بوصفهن راويات للحديث، بداية من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. وكان ظهور مجموعات الحديث الموثوقة التي يمكن التعويل عليها باطمئنان في مسائل العقيدة والشعائر والتشريع، نقطة تحول بارزة في تاريخ رواية الحديث. […] ومن المهم أن نوضح هنا أننا لا نستطيع أن نوازن بين ظهور أية مجموعة من مجموعات الحديث، سواء كانت الموطأ أو صحيحي البخاري ومسلم، وبين تلقي الأمة لها بالقبول. بل حصلت هذه المجموعات على منزلتها تلك بعد مناقشة مستفيضة من قبل العلماء لها، ولوضعها في عملية دامت لعدة عقود، بل وربما لقرون بعد ظهورها […] ومن حيث المبدأ، فمن غير الدقيق وصف الانتشار واسع النطاق للكتب الستة وتلقي الأمة لها بالقبول على أنه تقديس لأدبيات الحديث. ففي الواقع كانت أعمال البخاري ومسلم _وغيرهم من أصحاب مجموعات الحديث المحتفى بهم بين أهل السنة _منفتحة على النقد والمراجعة. بل اضطلع العديد من العلماء بمهمة فحص معايير أصحاب هذه المجموعات في قبول الرواية، والاستدراك عليهم. غير أن أيا من هذه الأعمال النقدية لم تكتسب المنزلة التي بلغتها هذه المجموعات الرئيسة، بل لم يكن لها سوى أثر محدود حتى في الأوساط العلمية نفسها. ونظرا للحد الأدنى من النجاح الذي حققه الاستدراك على أعمال أصحاب تلك المجموعات، فقد تلقاها أهل السنة بالقبول.
[…] وقبيل ظهور مجموعات الحديث واكتسابها لمنزلتها، كان على طلاب الحديث الطموحين تلبية معايير أكثر صرامة من نظيرتها في الحقبة الكلاسيكية […] كان فهم التطبيق الفقهي للحديث _في هذه البيئة ما قبل الكلاسيكية_ إلى جانب المعرفة بأحوال الرواة (علم الجرح والتعديل) ضرورة حتمية لرواية الحديث المتمرسين بالرواية […] بيد أنه بحلول أواخر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، أدى ظهور مجموعات الحديث الموثوقة، وانتشارها على نطاق واسع، إلى مزيد من الاستقرار في ساحة رواية الحديث، وإلى حماية الحديث من الوضع والتزوير، كما أدت أيضا إلى تحرر الرواة من من لوازم الدراية والمعرفة الواسعة بأحوال الرواة. […] وإجمالا، كان إنجاز العلماء مثل البخاري ومسلم هو تقليص مساحة الإلزام لكل راو بتقييم الحديث نقديا فضلا عن جرح الرواة وتعديلهم في إسناده. وعلى مدار القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، فتحت مجموعات الحديث مجال تحمل الحديث على مصراعيه لمشاركة أولئك الذين لم يكونوا على حظ من العلم بالجرح والتعديل، ولكن مع ذلك يمكن لهم أن يسهموا في الرواية من خلال التأدية الأمينة لنصوص أعمال منتقاة بعينها. ومن ثم هدفت كتب الحديث إلى تمييز الرواة الحقيقيين والمهنيين في هذا المجال عن هؤلاء الهواة بمواصلة الإصرار على الدراية والمعرفة بأحوال الرواية بوصفها شروطا مسبقة للرواية.”

إذن انخفاض المتطلبات المتوقعة من رواة الحديث بفضل تدوين المجموعات الحديثية الرئيسية مثل الكتب الستة والاعتراف بها على مستوى الأمة، جعل النساء تعود لساحة رواية الحديث بقوة، والرواية المكتوبة جعلت نشاطهن يتجدد في العودة لرواية الأحاديث:

“فقد مكن قبول الرواية المكتوبة هؤلاء الأفراد الذين لم يتمكنوا من المشاركة على نحو مستقل في نقل المعرفة شفاهيا من الوصول إلى ساحة تعليم الحديث […] وهكذا تمكن الرجال من الحصول على إجازة لنسائهم اللاتي لم يستطعن السفر بمفردهن لجمع الحديث أو الأخذ مباشرة عن العلماء من الرجال، ومن ثم عملت الإجازات على تقليص مطلب الرحلة في طلب الحديث. […] وبسبب الانتشار الواسع النطاق للرواية المكتوبة، فإن من المثير للاهتمام أن ارتفاع معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة لدى عموم السكان قد ارتفعت، ومن ثم ارتفعت في أوساط ضمنا، مما سهل عليهن الوصول إلى التعليم الديني، وينسحب هذا الحكم أيضا على النساء اللاتي لم ينتمين إلى الأسر العلمية. وسبق أن أشرت _في الفصول السابقة_ إلى أن المرأة ازدهرت بوصفها راوية للحديث في عصر صدر الإسلام عندما كانت الرواية شفوية تحديدا، ذاك أن الأمية لم تكن قضية يؤبه لها آنذاك في الرواية، وفي المرحلة الثانية من تاريخ الرواية، ومع تنامي ظاهرة الرواية المكتوبة في دوائر الحديث، أضحت النساء من العوام، اللائي لم يكن يجدن القراءة والكتابة كالرجال، في وضع غير موات للمشاركة في الرواية. ولكن _بعد هذه المرحلة_ ويقينا بحلول القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، أسفرت تلك السهولة النسبية في الحصول على الورق، فضلا عن التطور في أشكال المخطوطات وتقنيات الكتابة عن زيادة شاملة في معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة بين السكان في مختلف أرجاء العالم الإسلامي. وجاء الاستخدام المتزايد للإجازة للمصادقة على الرواية المكتوبة بين النساء ليشكل مؤشرا مهما على انتشار التعليم في المجتمعات الإسلامية الكلاسيكية بين عامة السكان، وهو ما أتاح _بدوره_ الفرصة لمشاركة أكبر بين قطاعات أوسع من النساء والرجال خارج طبقة النخبة من العلماء.