وهو القاهر فوق عباده

يقول الفخر الرازي في تفسير {وهو القاهر فوق عباده}: وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد ، والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى . فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في قوله : { قُلِ اللهم مالك الملك تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } [ آل عمران : 26 ] . وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبراً قادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند ، مقدساً عن الشبيه والشكل . كما قال : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } والرابع : أن هذا البدن مؤلف من الطبائع الأربع . وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية ، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج ، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع ، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع . فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى ، كما قال : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن ، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف ، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة . ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة ، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر . فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق ، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية ، والمعارف الإلهية ، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع…

أيلول 2014