وجه آخر للصورة

في الكتاب المهم والممتع و المنهك للعقل بنفس الآن، والذي أقرأه على تمهل (التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين)، يخبرنا مؤلفه عماد أحمد الزبن كيف أن جدال علماء الإسلام في التراث حول كلام الله، قد أدى لتطور كبير في المباحث اللسانية لديهم، وخاصة عند الأشاعرة في جدالهم الطويل مع المعتزلة، وإن كانت هذه المباحث لم تلق عناية من قبل الباحثين العرب المعاصرين بشكل كاف… يقول: (وهؤلاء العلماء تعمقوا في المسألة إلى هذه الدرجة من التفريع والتدقيق، والذي أحوجهم إلى هذا التعمق مباحث صفة الكلام بحق الله، وقادهم الجدال العميق مع خصومهم العقلانيين في طبيعة صفة الكلام بحق الله، إلى تشجير المسألة والتعمق فيها […] وكان من لوازم هذه المطارحات العقلية، أن يقدم هؤلاء العلماء تصورا وافيا عن ظاهرة الكلام، ليتسنى لهم بعد، أن يجروا عملية سبر وتقسيم عقلي، ينماز بها الكلام الرباني عن الكلام الإنساني. […] والحق أن علماء العقليات الأشاعرة رفدوا البحوث اللسانية بتبصرات عميقة، لست أبالغ إذا قلت: إنها تدنو في كثير من جوانبها من دقة الدرس اللغوي الحديث، ولست أغامر إذا قلت: إنهم أسسوا أنظارا لسانية ذهب صيتها من بعدهم في الغرب وأوروبا، من خلال بحوثهم في الربط بين الكلام الحسي والكلام النفسي، وغاية الأمر أن الدرس اللغوي عندنا، معاشر العرب لم يلتفت إلى حصيلة أنظار علماء العقليات المسلمين بقدر كاف، ولم تحكمه شمولية التبصر اللساني في أغلب تطبيقاته؛ فجاء فقيرا في هذا الإطار.)
ص299 – 308 من كتاب (التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين؛ العضد الإيجي والسعد التفتازاني والشريف الجرجاني؛ نماذج) لـ عماد أحمد الزبن

كانون الثاني 2017