تأمـُّلات

عاد أخي من يومين من لندن ليقول لي أنّ أهمّ ميّـزة تميّـز المجتمع هناك أنّـه يكاد معدوماً عندهم ما نسمّيه هنا باللّـغة الـدّارجة (العَـيْ ) وهو أحد أوجه الغيبة والنّميمة التي نهانا الله عنها في نصٍ صريح من كتابه العزيز.....
كل شخص هناك مشغول بنفسه ومركّـز على ما يقوم به من عمل...
فقلت : هذا هو إذاً سر نجاحهم وتفّـوقهم واتقانهم..
آلمني ذلك جداً، لأن هذه الآفـة باتت ظاهرة واضحة جداً في مجتمعنا المريض، ومُتعبة جداً...

صادف أن الحديث المقرّر في منهاج مادة الحديث التي أقوم بتدريسها كان الحديث التّالي الذي أسرني بروعة ألفاظه وجمال معانيه وعمقها:
" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تَـعِـس عبدُ الـدّينار وعبدُ الـدرهم وعبدُ الخميصة، إن أُعطيَ رضي وإن لم يُـعطَ سَـخِـط ، تَـعِسَ وانتكس وإذا شِـيكَ فلا انتـقـش، طوبى لعبدٍ آخـذٍ بعِنان فرسِـه في سبيل الله، أشعثَ رأسـُـه مغبرةٌ قـدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السّــاقة، إن اِستـأذن لم يـؤذنْ له ، وإن شَـفَـعَ لم يُـشفّـع".

[تَـعِس: عثر فسقط أو بـعُـد، ومنه قوله تعالى في شـأن الكفار "والذين كفروا فتعساً لهم".
الخميصة: كساء أسود مربع له علمان أي خطان.
انتكس: انقـلب على رأسـه، وهو دعاء بالخيبة.
شيك: أصابته شوكة.
لا انتـقش: لا قـدر على إخراجِ الشـوكة بالمنقاش.
طوبى: جنّـة من الجنان، وهنا دعاء له أن يكون من أهلها.
أشعث رأسـه: متفرّق شعر رأسـه.
السـاقة: مقدمة الجيش]

لنقرأ الحديث سويّـةً ونستخلص ما به من عبر ومعانٍ...
أوّلاً: لطالما أسرني لطف الرسول عليه الصّـلاة والسّـلام وحنوّه على أمّـته، ويتجلى ذلك في بُـعده عن الكلمات التي ممكن أن تخدش ولو بشكل بسيط مشاعرهم أو تجرحهم..
ولكن ما باله هُـنا يدعو على ذاك الشخص الذي يذكر صفاته..
لاشك أنّ ذلك يعود إلى شناعة فعلته وقباحة تلك الصّفات التي يجدر به أن يهرب منها ويفر...
(تعس عبد الدّينار والدّرهم والخميصة)
لا يمكن أن نحصر العبوديّـة بتلك الأصناف فقط..
فالجاه، السّـلطة، كلام الناس وثناؤهم، البيوت، السيارات.....
ألسنا نركض خلف مظاهر الحياة الفانية لنستزيد منها أكبر قدرممكن...
أليس همّـنا اليومي ماذا سنأكل أو نلبس أو نشتري من موبايل جديد...
أليس تقييمنا لبعضنا بات على أساس المظاهرالماديّـة والماديّـة فقط....
حتّـى الأمور القـيّـمة بات يُنظر إليها نظرة مادية خالصة مثل الشّهادات الجامعيّة أو العليا باتت كلها تخدم الغرض الدنيوي ومن مظاهر التباهي، دون أن تمسّ واقع الثّـقافة الحقّـة من قريب أو بعيد...
كم من الشّـباب أو الشّـابات تم رفضهم بسبب أسباب ماديّـة لا أكثر ولا أقل، دون النّظر إلى أخلاقهم الرفيعة...
كم من الأموال الطائلة تُصرَف على حفلات الأعراس والمناسبات الخاصّـة هدفها الأوّل والأخير هو التّـباهي أمام النّـاس (وكسر عينهم) كما يقال...
حتّـى الشّـعائر التعبّـديّـة لم تسلم من تلك الأبّـهات الماديّـة (كالحج مثلاً، الذي يجب أن يكون أبعد ما يمكن عن التّـرف والبذخ!!)...
أليست كل هذه التّصرّفات تجسيداً لما أمرنا رسولنا عليه الصلاة والسلام بالابتعاد عنه، لا بل دعى على من يقترفه...
ماذا دعى عليه؟؟
دعى عليه بالتّعاسة والبعد والتّـعثّـر والسّـقوط...
ألسنا نرى هذا اليوم متجسّـداً في مجتمعنا!!!
ألسنا نعاني من التّـشرذم وضياع الهدف!!!
أباتَ لنا قائمة بين الأمم؟!!
أشك في ذلك...
هذه أوّل دعوة فما بالنا بما جاء بعدها..
يقول عليه الصّـلاة والسّـلام: "تعس وانتكس"
أي مع عثوره وسقوطه كلّـما حاول الخروج والصّـعود فلا أتمّ له ذلك، طالما أنّـه مازال عبد لتلك المظاهر الدنيويّة الفارغة..
وينهيها أخيراً بقوله عليه الصّلاة والسّلام: "إذا شيك فلا انتقش"
أي ولا أن يجد من- أو ما- يعينه في أبسط ما يمكن أن يتعـرّض له من مصائب أو نكبات أو هموم....
وأخيراً ما رأيكم بتلك الصّفات التي وُسِـم بها ذاك العابد لتلك المظاهر التّـافهة : "إن أعطيَ رضي وإن لم يعط سخط"
لنستمع إلى تقييمٍ زوجة لزوجها...
إن كان يغدق عليها بكل ما تشتهيه وتتمنّاه ويحقق لها أكثر مما يحقق جارهم لزوجته مثلاً، عندها أسهمه لديها ستكون عالية جداً وراضية عنه من كل بد...
والويل ثمّ الويل له إن فكّـر ولو مجرّد تفكير بالتّـقصير أو التّخاذل ..
عندها ستكون النّـتيجة وبكل بساطة أن تـَقلِب حياته نكداً وجحيماً لا يطاق...
لا لشيء إلاّ أنّ زوجها والذي هو بنظرها خادم المصباح قد قصّـر-رغم بذله أقصى جهده- في تحقيق بعضاً من أحلامها...
لا أستطيع أن أتعاطف كثيراً مع أحد الطّرفين على حساب الآخر، وذلك لأنّ أساس العلاقة من البداية قامت على اعتباراتٍ ماديّـة بحتة لا أكثر ولا أقل، وهي التي حذّر منها الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في مطلع الحديث، فلا عجب أن تكون النّتيجة هي السّـخط وعدم الرّضى والانتكاس وعدم وجود المُعين..
يعني بكل وضوح هي أشبه بعمليّـة حسابيّـة بسيطة جداً..
تلك هي المقدّمات التي ستقود إلى هذه النتائج...
وأُعـذِر مَن أنذَر...

أمّـا القسم الثّـاني من الحديث فهو يجسّـد الحالة المعاكسة تماماً للمثال الذي ذكره عليه الصّلاة والسّـلام وحـذّر منه....
"طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرّة قدماه...."
أوّلاً نلاحظ هنا الدّعاء له بالجنّة والبركة والخير....
ظاهر الحديث يصف المجاهد في سبيل الله..
ولكن لا أظن أنّـه لا يحتمل كل من هو جـاد في عمله ملهيٌ به عن كل ما سواه حتّـى ربّـما عن نفسه من أجل أن يتقنه ويخلص فيه..
وأكثر ما يبيّـن ذهوله عن من حوله وعن نفسه قوله "أشعث رأسه مغبرة قدماه"
يعني الصورة المعاكسة تماماً لمن ورد في أول الحديث الإنسان العابد للدّرهم والثّـياب....
لا أقول أنّه يجب على الإنسان أن يهمل مظهره إلى هذا الحد، ولكن هذه الصّورة تعكس مدى انهماك الشّخص بالأهم على حساب المهم...
وهو ما سمعته من أخي لمّا وصف ما شاهده في لندن من أنّ كل شخص هناك مشغول بنفسه ومركّـز على عمله....
لا يهمّه ما لبس فلان، أو قال ..أو فعل أو ذهب أو جاء.....

وبعدها أتمّ الوصف بقوله: "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة"
يعني كل المظاهر والوجاهة لا تهمّـه...
أكثر ما يهمه أن يكون في المكان الذي يناسبه ويستطيع أن يقدّم ما يمكن أن يقدّمـه...
لا يسـأل لا عن راحة ولا عن مركز ولا عن أجر...
المهم أنه يعمل ويخلص عمله، ويترك أثراً يـأمل أن يكون إيجابياً...

ختم عليه الصّـلاة والسّـلام "إن استأذن لم يؤذَن له، وإن شفّـع لا يشفّـع"..
يعني أمثال هؤلاء المخلصين لا يكاد يؤبـه لهم رغم أنّ لهم الحظوة الكبرى عند الله تعالى.
فلا يغترّ أحدنا بالمظاهر البراقة، فالجوهر هو الأساس..

كم آلمني أن أجد أننا قد عكسنا ذاك الحديث فما نهى عنه طبّـقناه، وما أشاد به لم نأبه له...
يا إلهي كم نحن مقصّـرون في تطبيق أوامر وتوجيهات نبيّـنا عليه الصّلاة والسّـلام..

فمن يا ترى هو المستهزئ به!!!
"إنّ في ذلك لذكرى لِمَن كان له قلبٌ أو ألقى السّـمعَ وهو شهيدٌ "

 

wafadoro@gmail.com

 

 

عودة للمواضيع