تلك المصيبة قد أنست ما تقدمها      و ما لها مع طول الدهر نسيان


 

مرحبا بالجميع...
أتيتُ لأشارككم بكتابٍ انتهيتُ منه لتوّي وقد أشعرني بعد قراءته بالغنى عن الكثير من الكتب التي تتحدّث في الموضوع نفسه.
وذلك لِـسِعَة وشموليّـة مصادره ومعلوماته.
 


الكتاب هو :
الأمّـة الأندلسيّـة الشّـهيدة.
(تاريخ 100 عام من المواجهة والاِضطهاد بعد سقوطِ غرناطة)
الأمة الأندلسية الشهيدة

بقلم: عادل سعيد بشتاوي.

 

عادل سعيد بشتاوي
 


بصراحة كان كتاباً رائعاً غنيّـاً سلس العبارة، رغم أنّـه كتابٌ تاريخيّ سرديّ للأحداث.
ولكن ربّـما أسلوب الكاتب أضفى عليه تلك الصفات وخاصّـة أنّـه لم يتوانى عن كتابة تعليقاته ورأيه وتحليلاته في كثير من الأحيان، أي أنّـه لم يكتف فقط بالسّـرد والنّـقل الممل.

أدخلني الكتاب إلى عالمه...
أحزنني وآلمني.....

لـَكَـمْ سمعنا عن الأندلس وضياعها وسقوط غرناطة..
ولكن لم أكن أتوقّـع أنّ الأمر كان بتلك الفظاعة والبشاعة والحقد.
والعجيب كيف أنّ تلك المواجهة والإبادة اِستمرّت أكثر من مائة عام، يعني أكثر من جيلين..

هُـنا يُـسائل الإنسان نفسه..
لمَ كل هذا الحقد والكراهية!!...
ألسنا إخوة في الإنسانيّـة!!..
بغض النّـظر عن الأديان والأعراق والاِتجاهات..

وممّـا يذهل له المرء الخطّـة التي وضعها الملوك الإسبان لتهجير الأندلسيين بكل دقـّة ووضوح.
أوأحياناً الوعود والمواثيق البرّاقة المطمئِنة ومن ثمّ الغدر بها بكل بساطة وسماجة، لا بل وعلى الملأ..
دون أي اعتبار لشيء، حتـّى ولو كان ذلك على حساب تعطيل مصالح البلاد.
وكيف دامت القصّـة أكثر من مائة عام!!!
والعجيب بالأمر هو صمود الأندلسيين طوال تلك المدّة الطويلة.
وكيف أنـّهم تابعوا القضيّة طوال تلك الأعوام المديدة.
يتساءل الإنسان كم هو قوي دافع حب الوطن، والتمسك بالعقيدة والحياة.
وكيف تم توارث ذلك بين الأجيال، جيلاً بعد جيل، رغم اختلاف الظروف وبُعد الأزمنة.
فتراهم تحمّـلوا الكثير من الذل والهوان مقابل البقاء في بلادهم وبلاد آبائهم لا بل أجدادهم.

لم أعلم على مَـن أضع اللوم؟؟!!!
الأندلسيين أنفسهم..
أعدائهم...
أم إخوانهم في العروبة والإسلام الذين لم يحرّكوا- وربّـما لم يحاولوا أن يحرّكوا- ساكناً....
لربّـما كان ذلك ساعدهم في محنة التطهير-الجذري- العرقي والوجودي، وأهاب أعدائهم منهم....

لكَـم سرَحَتْ بي مخيلتي وأنا أستعرض فيها حال الأطفال –ذكوراً وإناثاً- وقد تمّ انتزاعهم من أحضان أسرهم وتوزيعهم في بيوت أعدائهم لينشئوا بعيداً عن أهلهم وبالتالي دينهم ولغتهم...
كم هي وحشيّـة تلك الإبادة الجماعيّـة التي تعرّضوا لها!!
ويا ترى كم من المهانة والضياع والحقد واجهوا !!!!!
والتي كانت فكرتها قائمة على مبدأ الإذابة أكثر من الإنهاء والاِجتثـاث، وذلك برأيي أشدّ قسوة وتدميراً من الموت والقتل بحد ذاته..
لأنّـها بذلك تقتـلع جذور الإنسان وتجعله غريباً بعيداً شريداً وهو لا يزال على قيد الحياة وفي بلده.
لعمري ذاك هو العذاب وتلك هي الإبادة...
في كل عبارة كان يذكر فيها تشريد الأطفال وتوزيعهم على العائلات القشتاليّـة كنتُ أفكّـر كيف استطاع أولئك الأطفال الاصطبار؟؟
وكم استمرت محاولتهم التمسّـك بجذورهم ولغتهم ودينهم؟؟!!!
لا شكّ أنّ أولادهم وأحفادهم اليوم لا يكادون يعلمون شيئاً عن تاريخ عائلتهم وأجدادهم..

ما هذا الظلم؟؟ََ
ولمَ كل هذا الحقد؟؟

أنهيتُ الكتاب لأقرأ قصيدة أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس وأنا أستمع إليها وأستعرض في ذاكرتي شريط الأحداث التي مرّت في تلك البلاد المنكوبة، والتي لا زلتُ أحملها في ذاكرتي..
كم وكم استمعتُ لتلك القصيدة، وتأثّـرتُ بها.....
ولكن....
هذه المرّة كان وقعها أقوى..
فكانت دموعي أحـرّ وأغزر..
وذلك لأنّي هذه المرّة كنتُ أعيش في تلك البلاد وأعاني مع أهلها ما عانوه من تهجير وتدمير واغتصاب واستئصال شأفة.....
دون أن ننسى طبعاً محاكم التحقيق (وصمة العار على جبين الإنسانيّـة) والتي أقيمت خصّـيصاً لتلك المهمّـة لا غير.... .

لن أطيل أكثر في الحديث عن الكتاب وما فيه، كي لا أفسد عليكم متعة قراءته والرجوع إليه....

ولكن العبرة التي ممكن أن نخرج منها نراه مختصرة في ذاك البيت..
والذي إذا استطعنا أن نجسّـده واقعاً مُعاشاً في حياتنا لهوّن علينا ربّـما الكثييير الكثيييير مما نعانيه ونواجهه يومياً..
أتى على الكل أمر لا مردّ له حتّـى قَـضـَوا فكأنّ القوم ما كانوا.
يا غافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ إن كنتَ في سِـنَـةٍ فالدهر يقظانُ.
 



هذا رابط لسماع القصيدة كاملة: استمع





وذاك رابط للتعريف بالكاتب وأعماله: هنا

 


أخيراً...
أنصح من يريد أن يقرأ "ثلاثيّـة غرناطة" أن يقرأ ذاك الكتاب أولاً، فتكتمل الصورة لديه بعدها بانوراميّـة كاملة....
ودمتم..
وفاء


هذا الملخّص الذي كُـتب على الغلاف الخلفي للكتاب:
خرجت قشتالة إلى الوجود من تحتِ عباءة حربها مع الأندلس، وخرجت إسبانيا إلى العالم من تحت عباءة حربها مع غرناطة.
وخلال تلك المعارك الطويلة دفع الإسبان ثلاثة ملايين عربي خارج البلاد لذا يُـمكن اِعتبار تلك الأندلسيين من أكثر الشّـعوب المنكوبة آنذاك.
وتتجلّـى مأساة الأمّـة الأندلسيّـة الشّـهيدة في اِنقطاعها عن باقي الأمّـتين العربيّـة والإسلاميّـة خلال صدامها مع إسبانيا في مرحلة من أكثر مراحل التّـاريخ اِضطراباً.
ومنذُ تسليم غرناطة عام 1492 أصبح الأندلسيّـون القاسم المشترك الأعظم بين كل أعداء إسبانيا، فهم مسلمون مثل العثمانيين، وعرب مثل أهل المغرب، وأنصار فرنسا وفق القول "عدو عدوّي صديقي" وإخوان الشّـقاء مع الألمان والهولنديين البروتستانت..
و سَـعـَت إسبانيا إلى تنصير الأندلسيين بالقـوّة وسلّـطت عليهم محاكم التّـحقيق التي أحرقت أكثر من 30 ألف أندلسي وأندلسيّـة، وأوقعت عقوبات وغرامات في حقّ أكثر من 270 ألفاً آخرين.
ولم تشهد أوربّـا في القرن السّـادس عشر حرباً بوحشيّـة الحرب التي شنّـها الإسبان والمرتزقة على الأندلسيين خلال الثّـورة الكبرى (1569-1571) فانتهت باستشهادِ نحو 20 ألف أندلسي وجرح 60 ألفاً آخرين.
وتحـرّكت السّـلطة بعد ذلك فانتزعت ثروات الأندلسيين وأراضيهم وحتّـى عيالهم في واحدة من أطول عمليّـات النّـهب المُـنظّـمة التي عرفها العالَـم..
وحاولت إسبانيا خلال أكثر من 100 عام من الاِضطهاد قطع صلة الأندلسيين بدينهم ومجتمعهم وتذويبِ شخصيّـتهم إلا أنّـهم صمدوا وبقيت روحهم المعنويّـة عالية، وظلّـوا في سوادهم مُـُحافظين على دينهم وعروبتهم وعاداتهم حتّـى يئست الكـنيسة من تنصيرهم، ويئست السّـلطة من إرهابهم فقـرّرت تغريب معظمهم..

 

wafadoro@gmail.com
 

عودة للمواضيع