|
هل نتحدث نفس اللغة؟

حين بدأت بكتاب تاريخ القراءة لألبرتو مانغويل
استوقفني أحد المقاطع مطولا لدرجة أني لم
أستطع أن أكمل الكتاب دون أن أرى ما يراه
الآخر في هذه الفكرة:
يقول: "نعرف أن القراءة ليست عملية يستطيع
المرء تفسيرها بالاعتماد على نموذج آلي؛ إننا
نعرف أن هذه العملية تحدث في أماكن معينة من
الدماغ، و لكن إلى جانب هذه الأماكن هناك
العديد من الأمور الأخرى التي تشارك في صياغة
هذه العملية. و نعرف أيضا أن عملية القراءة،
على غرار عملية التفكير، مرتبطة بالقدرة على
فهم اللغة و قراءتها و التفكير. أما الخوف
الذي لا يجرؤ الباحثون، كما يبدو، على التعبير
عنه فهو أن بحوثهم في كيان اللغة ستضع اللغة
بحد ذاتها التي يعبرون فيها عن معارفهم، موضع
التساؤل: أي أن تصبح اللغة نفسها نوعاً من
الترهات الاعتباطية التي ربما لا تعبر إلا عن
خليط من التأتآت التي قد لا تعتمد في وجودها
كثيرا على الناطقين بها قدر اعتمادها على
مفسريها، و كيف أن مهمة القارئ تتمثل، حسب
جملة ابن الهيثم المأثورة، في إيضاح ما قد
تفصح عنه الكتابة من تلميحات و ظلال" ص52
هو أمر يشغل بالي منذ مدة... إذا كانت دلالات
الكلمات تختلف في الأذهان من شخص لآخر وفق
بيئته و تجربته و درجة وعيه فعلى أي أساس
نتحدث أو نتناقش فيما بيننا؟
إذا كنا أسرى ذاتيتنا و حواسنا و وعينا و
دماغنا الذي يفسر الكلمات التي نتخاطب بها
فكيف لنا أن نفهم مقصد الآخر؟
حين قرأت "هكذا تكلم زرادشت" لنيتشة و أردت أن
أتناقش فيه مع من نصحني بقراءته. فأخبرته بأني
لست متأكدة إن كنت فهمته كما أرادني نيتشة أن
أفهمه، لأني فهمته بناء على تجربتي الشخصية.
فما كان إلا أن أجابني: "ليس ما يقصده الآخر
من كلماته بذي أهمية، إنما المهم هو ما
تفهمينه أنت منها..." بدا لي ما قاله غريبا...
و لكنه منطقي جدا... لأني لن أعرف بأية حال و
لن يعرف أي شخص ما قصده نيتشة حقيقة...
هذا الأمر يجعلني عادة أتوقف كثيرا قبل أن
أناقش بحوار أو أدلي برأيي في مسألة ما، إذ
أني في معظم الأحيان أحس بأني أقف في بُعد آخر
يختلف عن محدثي...
فإذا كنا من أبعاد مختلفة... و نتحدث بكلمات
لا يفهمها تمام الفهم كما نريد و كما نقصد
حقيقة إلا نحن... فعلى أي اساس ثابت مكين
يقيني واضح للجميع بنفس الطريقة و الدرجة
نتحدث؟
تبدو الفكرة موحشة... لأنها تُظهر كم نحن
منعزلون داخل أنفسنا و بعيدون جدا عن بعضنا
بحيث لا يمكن لاثنين أن يصلا لبعضهما حقيقة و
تماما مهما اقتربا أو حتى التصقا...
على أية حال نحن في النهاية أفراد... أليس
كذلك؟
سلمى الهلالي
2007
|