|
الفرق بين الكافر و الجاهل
في مؤتمر عن حوار الحضارات و الأديان حضرته
مؤخرا، و في كلمة قصيرة لأحد الأساتذة
المشاركين و هو الأستاذ خوسييه خابيير غاييغو
(أبو
بكر) و هو المستشار الثقافي
الإسباني في دمشق، ذكر فكرة رائعة في سبع
دقائق اختصر فيها الكثير من الكلام.
تحدث عن كلمة الكفر و الفرق بينها و بين الجهل...
فالكفر في الأصل اللغوي من الكفر أي التغطية،
و يبدو أنها الأصل _على حد تعبيره_ لكلمة
التغطية في اللغات اللاتينية إذ تتشابه في
حروفها معها مثلا في الانكليزية Cover أي غطى...
و الكفر في الإسلام معناه تغطية الحقيقة...
أما الجهل فهو عدم معرفة هذه الحقيقة...
بمعنى أن المرء إن أدرك و وعى أن الإسلام هو
الحقيقة ثم غطى ذلك بأن اختار الجحود فهذا
يسمى كافرا، أما إن لم يدرك و لم يعِ ذلك فهذا
جاهل..
ثم تحدث عن نفسه قائلا، أنه لبث أربعين سنة لم
يسمع بالإسلام لذلك هو كان جاهلا و ليس كافرا،
لكنه حين سمع بالإسلام و أدرك أن هذه هي
الحقيقة، كان في هذه اللحظة بالخيار في أن
يجحد ما استيقنته نفسه و يغطي هذه الحقيقة و
حينها كان يستحق لقب الكافر، و لكنه اختار
الإيمان و اتباع الحقيقة و لذلك أسلم...
لذلك نبه الجمهور من أن عليهم أن ينتبهوا
لكلماتهم و لا يستخدموا كلمة كافر على عواهنها
و بأريحية، و ليس كل غير مسلم يسمونه بالكفر...
هذا ما قاله، و بصراحة هذه أكثر كلمة جميلة و
مفيدة سمعتها في المؤتمر... فأحببت أن أنقلها
لكم...
____________
بعد أن كتبت هذا الموضوع في
أحد المنتديات، علق أحد الزملاء (طرس) على الموضوع، و قد أحببت أن أنقل لكم
مداخلته
المداخلة من طرس:
الحين: "الكفر" أصلها اللغوي
صار "التغطية!"..
... والتي بدورها ربما أصل لـ Cover..!!
هذه التأويلات أسمّيها
"التأويلات التلفيقيّة"..
إنّها أشبه بإخراج والأرانب والحمام من تحت قبّعة الساحر..
سيّما وأنها لا تحل الإشكالية بقدر ما تعيد تدويرها فيصبح السؤال:
ماذا عن الذي بلغه الإسلام لكن إدراكه و وعيه قاده إلى أنه قطعًا ليس من
عند الله..؟
ماذا عن الذي بلغه الإسلام ثم لم تسعفه قدراته العقليّة في إكتشاف حقيقة
كونه رسالة من عند الله..؟
... هل يعتبر كافر أم جاهل..!؟
أجاد الدكتور محمد شحرور في هذا الأسلوب الذي يقتات على مُصادفات الحروف..
... أجاد إخراج الأرانب والحمائم - وأحيانا الجِمال والبقر - من تحت القبعة..!
-----------------------------
- فأجبته:
سيدي الكريم
كان أبسط شيء بإمكانك فعله قبل أن تستنكر الأصل اللغوي جُزافا أن تفتح
معجما للغة العربية و تتأكد...
ورد في محيط المحيط:
(و كَفَّرَ الرجلَ : نسبه إِلى الكفر . وكل من ستر
شيئاً , فقد كَفَرَه وكَفَّره . و الكافر الزرَّاعُ لستره البذر بالتراب .
و الكُفَّارُ الزُّرَّاعُ . وتقول العرب للزَّرَّاعِ : كافر لأَنه يَكْفُر
البَذْر المَبْذورَ بتراب الأَرض المُثارة إِذا أَمَرّ عليها مالَقَهُ;
ومنه قوله تعالى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ أَي
أَعجب الزُّرَّاعَ نباته , وإِذا أَعجب الزراع نباته مع علمهم به غاية ما
فهويستحسن , والغيث المطر ههنا; وقد قيل : الكفار في هذه الآية الكفار
بالله وهم أَشد إِعجاباً بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين . و الكَفْرُ
بالفتح : التغطية . وكَفَرْتُ الشيء أَكْفِرُه , بالكسر , أَي سترته . و
الكافِر الليل , وفي الصحاح : الليل المظلم لأَنه يستر بظلمته كل شيء .
وكَفَرَ الليلُ الشيءَ وكَفَرَعليه : غَطَّاه . وكَفَرَ الليلُ على أَثَرِ
صاحبي : غَطَّاه بسواده وظلمته . وكَفَرَ الجهلُ على علم فلان : غَطّاه . و
الكافر البحر لسَتْرِه ما فيه , ويُجْمَعُ الكافِرُ كِفَاراً وأَنشد
اللحياني : وغُرِّقَتِ الفراعِنَةُ الكِفَارُ
وقول ثعلب بن صُعَيْرة المازني يصف الظليم والنعامة ورَواحَهما إِلى بيضهما
عند غروب الشمس :
فَتَذَكَّرا ثَقَلاً رثِيداً بَعْدَما
أَلْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِرِ
وذُكاء : اسم للشمس . أَلقت يمينها في كافر أَي بدأَت في المغيب , قال
الجوهري : ويحتمل أَن يكون أَراد الليل; وذكر ابن السكيت أَن لَبِيداً
سَرَق هذا المعنى فقال : حتى إِذا أَلْقَتْ يداً في كافِرٍ , وأَجَنَّ
عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها قال : ومن ذلك سمي الكافر كافراً لأَنه ستر
نعم الله )
ينبغي الانتباه لنقطة و هي أن القرآن حين نزل، إنما نزل على قوم يفهمون
اللغة العربية... و حين استخدمت لفظة الكفر... كان تُستخدم بحسب أصلها
اللغوي أمام أشخاص يعرفون... يعني حين ذكر الله كلمة كافر لهم فهم فهموها
بأنه ساتر للحقيقة...
الأصل اللغوي لأي كلمة واردة في القرآن هو سابق لمعناها الشرعي...
أما في ما يتعلق بـ Cover فهي قوله هو و هو أدرى بفلولوجيا اللغات
اللاتينية، و أنا لا علم لي بهذا المجال... و حتى لو كان تأويل منه، لا يهم...
لأن المهم هو الأصل اللغوي العربي لأنه هو الذي استخدمت له الكلمة في
القرآن...
و لا أدري عن أي إشكالية تتحدث... إن كان شخص لا يستر حقيقة و هو لم يعِ أن
الإسلام هو الحقيقة، فعلى أي أساس يُسمى كافرا؟
و لماذا سميتها "تأويلات تلفيقية"؟ لماذا لا يكون هو وعيهم و فهمهم للأمر؟
أم أن كل فهم مختلف عن ما تربيت عليه أو اعتدت سماعه هو مجرد تلفيق و
محاولة للتجميل؟
بأية حال إن وجدت الأمر منطقيا فخذه، و إن لم تجده كذلك فدعه... لكن لا
تجعل ردة فعل عاطفية تجاه أمر هي المحرك لقبول أو رفض ما يُقال عنه دون
النظر فيه أولا... كفتح قاموس للغة في مثالنا هذا...
و لا حاجة للسحر و الأرانب و القبعات لإيهام الناظر... فالناظر لا يستحق
هذا الجهد لأجله... صدقني...
و شكرا لمرورك
--------------------------
- فعاد طرس و قال:
الإشكالية التي أتحدّث عنها
تتعلق بالغاية الأساسية التي تعقد من أجلها مؤتمرات الحوار بين الأديان..
فهي تعقد لردم هوّة الخلافات وتخليص كل دين من المفاهيم التي تشكل عقبات
أساسية أمام دعوات المقاربة مع الأديان الأخرى..
ولا شك أن كلمة "كافر" بكل ما لها من إعتبارات وتبعات - أقصد التبعات
الإصطلاحية وليس اللغوية - تشكل عقبة كبيرة أمام المسلمين إذا ما أرادوا
مواكبة دعوات المقاربة والتسامح..
والسيد أبو بكر قدّم مُحاولة جيّدة لتلطيف المعنى في الإسلام من خلال قوله:
|
اقتباس من سلمى:
والكفر في الإسلام
معناه تغطية الحقيقة...
أما الجهل فهو عدم معرفة هذه الحقيقة...
بمعنى أن المرء إن أدرك و وعى أن الإسلام هو الحقيقة ثم غطى ذلك
بأن اختار الجحود فهذا يسمى كافرا، أما إن لم يدرك و لم يعِ ذلك
فهذا جاهل.. |
أقدر وأحترم غايات وأهداف التجمّع الذي قيل فيه الكلام لتقديم الإسلام كدين
قادر على مواكبة روح العصر والذي لا يمكن أن تقبل فيه تعليمات مثل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ
الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ)
لكني أؤكد أنه من الضعف بحيث لا يصمد أمام صلابة المعنى الذي تقدّمه
السلفية..
فتأويله يا عزيزتي يقودنا إلى تساؤل هو نسخة أخرى من نفس الإشكال الذي
هربنا منه أو تصوّرنا أننا حلّيناه:
كيف نستطيع أن نُفرّق بين الكافر والجاهل..؟
ولكي يصبح السؤال أكثر تحديداً:
السيد عزمي بشارة مثلا - العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي - مسيحي
الديانة ولا شك أنه عرف الإسلام ولكنه لم يسلم..
فهل نسميه جاهل أم كافر ..؟
ثم على أي أساس يتم تحديد الصفة:
... طالما يتعذر فرز الذين عرفوا الحقيقة فغطّوا عليها عن أولائك الذين
عجزوا عن معرفتها..!
من جهة أخرى إذا أخذنا بالآيات القرآنية فكثير منها يدحض ما قاله السيد أبو
بكر..
فمثلا الآية التالية تتحدث عمن يعرف الحقيقة تمام المعرفة ثم ينكرها فتصفه
بالجهل ولم تصفه بالكفر:
(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ
الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ
لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَجْهَلُونَ)
فلو أخذنا بتأويل السيد أبو بكر لكان من الأولى أن تختم الآية بالقول (ولكن
أكثرهم يكفرون)..
على إعتبار أنها إنطبقت عليهم شروط التأويل من معرفة الحقيقة ثمّ التغطية
عليها..
... إلاّ أن الآية قالت "يجهلون"..!
--------------------
-فأجبته:
كما ترى يا
سيدي الكريم فإن المفعول به في (يجهلون) غير مذكور... و بالتالي فإن باب
تأويل مفعول به مفتوح... فقد تكون يجهلون مدى فداحة فعلتهم... يجهلون ما
أعد لهم بسبب تكذيبهم... أو يجهلون المعاني التي تفوتهم بسبب إنكارهم...
الخ...
فكونهم قد أنكروا الحقيقة التي يعرفونها لا ينفي عنهم أنهم أيضا جاهلون
بالتأويلات التي سبق ذكرها و غيرها... يعني زيادة في الاستنكار عليهم...
بس هلأ خطر ببالي فكرة: يا ترى ماذا عن الجاهلين الذين يعون أنهم جاهلون و
لكنهم ينكرون جهلهم ماذا يسمون باللغة؟
ليتني سألت المسيو أبو بكر...
|
اقتباس
من طرس:
ولكي يصبح السؤال أكثر تحديداً:
السيد عزمي بشارة مثلا - العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي -
مسيحي الديانة ولا شك أنه عرف الإسلام ولكنه لم يسلم..
فهل نسميه جاهل أم كافر ..؟ .. |
بداية لا أدري ما الداعي من إقحام الأسماء... فأنا لا أحب هذا الأسلوب من
ذكر اسم شخص بعينه و سؤال ما تصنفين هذا الشخص... يعني من غير اللائق
استخدام اسم شخص محترم كفأر لتجاربنا الجدالية عليه...
الأمر الثاني و ما أدراني أن شخصا ما عرف الإسلام أم لم يعرف، ثم أنكر ما
عرف أو جهل و لم يعرف؟ كون امرئ ما يعيش في بيئة تسمى إسلامية و يعرف طقوس
المسلمين و حيواتهم ليس بالضرورة يعني أنه عرف الإسلام و وصله الإدراك على
أن الإسلام هو الحقيقة و حصل له الشهود بذلك، لربما ما شهده هو أسوأ و أجهل
و أكثر أشكال التفكير سطحية عن الإسلام، مما يجعل أي شخص منطقي ذا وعي ينفر
مباشرة حتى من دون التفتيش عن ما وراء ذلك...
الأمر الثالث و هو الأهم أن جوهر كلمة الأستاذ أبو بكر كانت هي توجيه
الجمهور إلى عدم التكفير و التصنيف و إطلاق الأحكام... و ها أنا أراك تعود
لنفس النقطه من السؤال عن التصنيف:
|
اقتباس
من طرس:
كيف نستطيع أن نُفرّق بين الكافر والجاهل..؟
ثم على أي أساس يتم تحديد الصفة:
... طالما يتعذر فرز الذين عرفوا الحقيقة فغطّوا عليها عن أولائك
الذين عجزوا عن معرفتها..! |
هذا هو مربط الفرس... طالما أنه يتعذر علينا التفريق و الفرز... فهذا ليس
شأننا و إنما هو شأن الخالق... هو العالم و هو المحاسب...
|
اقتباس
من طرس:
والسيد أبو بكر قدّم مُحاولة جيّدة لتلطيف المعنى في الإسلام من
خلال قوله
أقدر وأحترم غايات وأهداف التجمّع الذي قيل فيه الكلام لتقديم
الإسلام كدين قادر على مواكبة روح العصر |
من الطبيعي و من المنطقي بل مما ينبغي أن ينطبع الإسلام بطابع عصر معتنقيه...
لأن البشر الناظرين إلى تعاليم الله و المتدبرين في كتابه محدودون بزمانهم
و مكانهم، و بالتالي فالنتيجة التي سيخرجون بها ستكون منطقيا منطبعة بطابع
الزمان و المكان و تعبر عن حاجات عصرهم كما تبين درجة الوعي الحضاري التي
وصلوا إليها... إذن ما معنى عبارة أنه دين صالح لكل زمان و مكان؟
و هل جر الويلات على الأمة إلا أن كثيرا من علماءها لا يفكرون بروح هذا
العصر و أنهم ما زالوا يكررون أقوال من سبقوهم دون التفكير في صالحيتها
لهذا الزمان؟
و حتى لا أشتت الموضوع الرئيسي نعود لكلمة أبي بكر... بأكدلك إنو أبو بكر
ما جايب المعلومة من بيت أبوه، و إنما فتح القاموس فوجدها... يعني مو
هالتأويل العجيب و ما جاب الديب من ديلو، مجرد فتح القاموس فوجدها، أترى
بساطة الأمر... و مع ذلك سبّب استغراب الكثيرين... ربما لأنا طوال حياتنا
لم نفتح القواميس لنرى معاني الكلمات التي نستخدمها!
حضرت عدة محاضرات سابقة لأبي بكرة و هو في كل مرة يؤكد على أهمية المعاني
اللغوية للكلمات في أصلها، إذ أنه من خلال عيشه في المجتمعات العربية لاحظ
أن الكلمات العربية قد حُمّلت في أذهان مستخدميها معان و دلالات و تأويلات
نتيجة للبيئة و عبر تاريخ طويل من التفاسير و التأويلات ليست بالضرورة أن
تكون من اصلها اللغوي... و ليس بالضرورة استخدامهم للكلمات أنهم يعرفون
أبعادها اللغوية...
لذلك فإنه في كل مرة يدعو المسلمين إن أرادوا فهم القرآن أكثر إلى فتح
القواميس و المعاجم العربية _و ليس التفسير لأن التفسير هو جهد و تأويل
بشري مبني على اللغة أي أنه محكوم بزمان و مكان و مبلغ علم صاحبه_ و يدعو
للتعمق و توثيق الصلة باللغة العربية أكثر، و محو ترسبات بيئتهم للكلمات،
بالإضافة إلى أهمية الانتباه إلى معنى الكلمة الذي كان مستخدما في زمن
التنزيل، لأنه أصلا نزل بتلك اللغة...
شخصيا أجدها دعوة جدا منطقية و عادلة، يعني أبسط أبجديات البحث في كتاب ما
هو النظر في معنى كلماته في القاموس اللغوي...
لكن صراحة و بعد هذا الجدال كله أسأل نفسي حول ماذا نتجادل؟

حول اللغة مثلا؟ حول عدم إمكانية استخدام المعاني اللغوية؟ حول عدم إمكانية
التدبر في القرآن و الإتيان بأساليب رؤية مختلفة؟
أو يمكن هو جدال لأجل الجدال و السلام...
مع أني أومن بأن لا نتيجة تخرج عادة من جدال لم يُحدد فيه الهدف منه و لا
الأسس المشتركة بين المتجادلين التي يُنطلق منها و لا حتى على الأقل مناط
الخلاف... بس ماشي الحال كسبنا تشغيل مخنا و كمان تشريفك مرة تانية...
سلمى الهلالي
2008
----
2010
الحقيقة أني سألت
أحد الزملاء عن إشكالية مصطلح الكافر... و قد
أجابني مشكورا بالجواب المفصل التالي:
|
قبل كل شيء: الإسلام
والإيمان المعتبران اصطلاحهما شرعي، والمرد فيهما إلى الاصطلاح
الشرعي، وإن كان الأصل اللغوي معتبرا في وضع الاسم ابتداء، لكن لا
يبقى للأصل اللغوي أثرا في الحكم فيما بعد. أي أن أثره لا ينطرد
على تفاصيل وحقائق وأصول الإيمان.
ثبتي عندك هذا الأصل.
ثم بعد ذلك ثبتي عندك هذه القاعدة:
لا يسمى المرء كافرا، حتى يبلغه البلاغ (بصورة يفهمها) وينكره.
وهنا يحدث التقاطع بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
هذا فيما يتعلق بمسائل الأحكام مجملاً.
إذا ثبتت عندك هذه القاعدة، عندئذ نتساءل: فلماذا نطلق على من مات
غير مسلم كافرا بالإطلاق؟ على رغم أننا لا ندري عن حقيقة وصول
البلاغ إليه وفهمه أو عدم ذلك؟
الجواب: يكون ذلك بمعرفة مسألة مهمة اسمها: باب الأسماء والأحكام
فلا بد من التفريق بين الأسماء والأحكام، وهذا بيانه
لدينا صورتان:
الصورة الأولى: من مات وليس مسلما، ولم نعرف أن البلاغ وصله. فهذا
كفره متعلق بالأسماء، أي بإطلاقنا على ظاهر أمره أنه لم يؤمن، لأن
الكفر والإيمان نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلا بد
من وجود أحدهما، وهو ما يسمى بالثالث المرفوع، مثلا: العدد إما أن
يكون فردا أو زوجيا، ولا يحتمل أن نرفع عنه الصفتين معا، فلا بد من
وجود إحداهما فيه، كما لا يمكن أن تجتمعا فيه قطعا، وهو ما يسمى
الوسط الممنوع، بأن يكون وسطا بينهما. ونحن لا نرتكب الوسط الممنوع
ولا الثالث المرفوع في شيء، وإنما قد يتخيل خصومنا أننا نرتكبهما.
وهذا أمر لم يفرضه علينا المنطق الأرسطي، بل هو مستمد من روح
شريعتنا وطبيعة لغتنا العربية المعجزة، فلن تجدي في عصور الاستشهاد
من يقول: فلان ميت حي، وإنما يقولون ميت كالأحياء بمعنى أن ذكره
أحياه، ولا يقول حي ميت، وإنما يقولون حي كالأموات، بمعنى أنه لا
أثر له. وقد يقولون: فلان ميت، بمعنى أنه ميت القلب، ولكن لا
يقولون قطعا: حي ميت. فهذا أمر ليس فيه منة للثقافات اليونانية
والأعجمية لوصوله إلينا، ولكنهم وافقوا فيه الصواب الذي جاءنا فيه
من عند الله موافقا لفطرتنا.
ودفعا للاستطراد أعود فأقول: فهذا الذي مات قبل أن يسلم بوصفنا
مسلمين نعامله طبقا لاسمه الشرعي، فلا نرثه ولا نورثه، ولا يدفن في
مقابر المسلمين، لعدم إمكان الجمع بين عدم دخوله في الإيمان وحصوله
على أحكام أهله، فهو كافر اسماً.
لكن هل هو كافر حكما (أي عند الله)؟ هذه لا نقطع بها، بل نكلها إلى
الله تعالى.
والسبب في هذا التقعيد غير راجع إلى مجرد النص، ولا إلى التقدير
الذهني المحض، بل هو راجع إلى حقيقة غيبية لا يمكن لنا استقصاؤها،
فهذا الرجل قد يكون سمع الحق أو اشتاقت إليه نفسه ولم يطلبه، أو
عرضه عليه أحد من الناس بطريقة مفهومة صحيحة فوقع عليه التكليف
ونحن لا ندري. وقد يكون في الوقت نفسه ممن لم يأته بلاغ، فلا حساب
عليه "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"، وقد يبتليه الله بتكليفه
بعد موته تكليفا لا نعلم ماهيته، بأن يعرض عليه الرسالة قبل الحساب
يوم القيامة أو ما شابه فيرفضها أو يقبلها، لكن هذا خارج عن نطاق
خبرتنا الحسية والشرعية على أي حال.
لذلك يُعمل بالأسماء، ويُتوقف في الأحكام في هذا النوع من الناس.
الصورة الثانية: من سمع عن الإسلام ولم يدخل فيه فهذا ايضا اسمه
كافرٌ على حكم الأسماء، وهو أوضح من السابق، لأن الفرق بينهما أن
الأول لم يبلغه شيء عن الإسلام في الظاهر الذي وصل إلينا، والثاني
بلغه في الظاهر، ولا ندري إن كان بلغه بطريقة مفهومة أم لا، فهذا
فرق جليّ.
والمسلمون يسمونه كافرا أخذا بالظاهر، حتى لا يقعوا في الإرجاء،
الذي من سقطاته التساهل مع الكفار، ومعاملتهم معاملة المؤمنين.
لكن هناك مسألة الأحكام:
وهي أن الله تعالى هو المتولي حكمه، ولم يكله إلينا، وإنما وكل
إلينا تسميته كافرا، فقد يكون بلغه عن الإسلام شيء غير مفهوم، فلا
يعذبه، وقد يكون بلغه ما فهمه وتجاهله وكفر به فهو كافر اسما وحكما،
لكن هذا من خصائص علم الله التي لم يجعل لأحد من البشر إليها سبيلا.
وقد يتبادر إلى ذهنك سؤال: حتى لو رفض جزئية؟ فنقول لك: إذا تبين
له وجه الحق في أمر الإسلام ولو في جزئية ورفضها كفر، لكن هذا لا
ندري عنه شيئا لأن له تعلقا بمسائل الأحكام لا الأسماء.
ومن ثمرات هذا التمييز أن يعلم الإنسان أي إنسان: أن البلاغ مهما
وصله فالمطلوب منه استقصاؤه، ولا يعذر بتجاهله إذا حمل في طياته
شيئا من حقائق الدين التي فطر الله القلوب على استقبالها، فهكذا
الأنبياء كانوا يعرضون أمرهم في الجلسة الواحدة والوقفة الواحدة
على من يقابلهم، فمن كفر بهم كفر، ومن آمن بهم نجا، ومثال ذلك حال
يوسف مع صاحبي السجن، وحال النبي عليه السلام مع أهل الطائف ومع
الغلام النينويّ، فقد اجتمع في مثال الطائف البلاغ والإيمان والكفر
بمجرد البلاغ الواحد، إذ كفر أهل الطائف ورجموا الرسول وأدموه
بالحجارة وآمن الغلام النينوي، ولم نجد عن رسول الله أنه عذر
الكافرين بعدم بلوغ البلاغ.
فمثلا: بوذي هندي، هذا لا بد أنه سمع عن الإسلام، أو سمع عن إحدى
حقائقه التي لا ترفضها الفطرة السليمة، كما أن البوذية لو كانت
دينا حقا لسمع الهنود المسلون من بعض أمورها التي لا ترفضها الفطرة
السليمة ما يدفعهم إلى السؤال عنها، ولبدؤوا في الدخول فيها جماعات
وأفرادا، وهذا نوعٌ من الظهور دائم للإسلام على غيره من الديانات،
لكننا لا نلحظه لأننا على الدين الصحيح.
|
|