|
حين تصاحب
الذئاب و الأسود

إهداء إلى صديقة
منذا الذي لا
يعرف قصة الإنسان الذي يتحول إلى ذئب في
الليالي المقمرة... إذ تظهر أنيابه و مخالبه و
تثيره روائح الطرائد الشهية في تلك الليالي، و
هكذا يتحول من كونه رجلا محترما إلى شخص يدب
الرعب و يثير الهلع في نفوس الناس "العاديين"
و يصبح منبوذا و مطاردا و مطلوبا ميتا...
بعض من هؤلاء المستذئبين كان خلوقا و محبا، و
لكن ذئبيته تشوه صورته و تفسد حياته، و لذلك
حتى لا تفسد طبيعته الوحشية حياته و خياراته
من دون قصد منه، تفتقت قريحته بحبس نفسه في
قفص في تلك الليالي... و كان ذلك حلا لتلك
المشكلة... إذ لم تكن بأية حال أكثر من ليال
ثلاث كل شهر... و ستمضي مثل ما كل شيء يمضي...
لكن هناك نوع آخر من البشر، فالذئب داخله الذي
قُدّر عليه أن يمضي حياته معه لا توقظه
الليالي المقمرة فقط، إذ أنه حي و متيقظ و
يرافقه أينما حل و ارتحل و يريد أن ينقض و هو
يلجمه... و مع كثرة الشد و الجذب و الدفع و
الرد، فإن الحياة مع المستأنسين تتعب صاحب
الطبيعة الذئبية*،
و للأسف أن معظم البشر هم مستأنسين بطبيعة
الحال و المستذئبين هم القلة في هذا العالم...
يصبح المرء متعبا و مرهقا... و هكذا و حتى
يرتاح يخلق لنفسه قفصا و طوقا من العزلة حتى
لا يزعج ذئبه أحدا من المستأنسين و بالتالي
تتلف أعصابه و يتأذى و هو يحاول لجمه عن
الانقضاض في كل مرة... و قد يفلت منه أحيانا...
لكن يحدث أن يقتحم شخص جسور عرين المستذئب و
المتوحد و يدخل بكامل إرادته و بقدميه إليه...
شخص يحب ملاعبة المفترسين و اقتحام خلواتهم
لأنه يرى في نفسه القدرة على ذلك...لأنه يحب
التحدي و المختلف... يعشق الإثارة التي تولدها
الصعوبة... لكن ملاعبة المفترسين خطيرة... لأن
لعبهم قاس، فما بالكم بغضبتهم... و لكنه لا
يمانع لأنه قوي أو هكذا يحسب نفسه... و ينشئ
علاقة صداقة بينه و بين هذا المفترس... هذا
البشري المفترس مع الأيام يبادل صديقه ودا بود
و امتنانا لشجاعته و دأبه، مع الانتباه دائما
إلى تحذير صديقه "المستأنس" من جانبه الذئبي و
إبقاء بعض مسافة من أمان و أن لا يتجاوز الحد
حتى لا يستيقظ ذئبه و هو أمر لا يريده إذ قد
لا يستطيع ردعه فينقض على صديقه اللطيف من دون
قدرته على لجمه...
و في يوم يتجاوز الصديق الحد و يقترب من
المفترس و يخزه وخزة، لأنه يشعر بأنه قادر على
ذلك و قد تراءى له أن في وخزه مصلحة ما... ردة
الفعل العادية للوخزة من قبل مفترس يحبك و لا
يريد قتلك هو التململ بالزئير و تكشير الأنباب
و الدفع باليد... لكن يده و قوته ليست عادية و
إنما هي يد و قوة مفترس... فيها مخالب... و أي
دفعة صغيرة ستتسبب ببعض الخدوش مع الارتطام و
دب الذعر... و كل ذلك مجرد ردة فعل بسيطة و
ملجومة قدر الإمكان...
حينها لا يحق للصديق أن يعترض كثيرا أو يحمل
المرارة أو يلوم الطرف المفترس... لأنه يعرف
مسبقا إلى أين قد دخل بقدميه...
اللهم إلا إن اكتشف أن قوته و جسارته لم تكونا
على قدر المكان الذي اقتحمه... فهنا آثر أن
ينسحب بهدوء... الأمر سيؤلم المفترس حينها أن
شخصا آخر لم يكن على قدر كلماته و لم يحتمل...
لكنه ليس شيئا لا يمكن تفهمه...
لا يفرض بعض الناس أطواقا من العزلة حول
أنفسهم عن عبث**...
و من يكون جسورا على اقتحامها فعليه أن يكون
جسورا أيضا في تحمل نتيجة اقتحامه...
هي الحياة هكذا كل ميزة لها ثمن يدفع بالمقابل...
و قوة الجذب تكون على قدر قوة الدفع لخلق
التوازن... الأشخاص المختلفون بقدر ما يجذبون
بقدر ما لديهم من قوة للدفع و الطرد... و
الأشخاص العاديون بقدر ضآلة الجذب في حيواتهم
بقدر ضآلة الدفع و الطرد عنها أيضا...
لا أحد كامل و هيك الدنيا... و كل يختار ما
يريحه...
طبوش القط السمين الذي يأتي لزيارتي بين فترة
و أخرى، قط لطيف و جميل و ودود و لكنه غير
مستأنس، بمعنى أن لعبه و مداعبته و إظهار
امتنانه عبارة عن عض موجع و خدش مزعج... و
لأني بت أعرف طبيعته و لأني لست على قدر
خشونته، صرت أكتفي بإطعامه و ملاطفته من بعيد...
إن أخطأت يوما فلاعبته فعضني فلا ينبغي لي أن
ألومه أو أغضب منه... لأني أعرف طبيعته مسبقا...
و رغم كل شيء ما زلت أستقبله لأني أحبه ...
لا تداعب قطا إن لم تكن على قدر خدوشه و لا
تخز المفترسين و تقترب منهم إن لم تكن على قدر
احتمال بريتهم... و متل ما بقول المتل: يلي
بدو يلاعب الئط بدو يلئى خراميشو
-----
*
لـ هرمان هسه رواية اسمها ذئب السهوب (أو ذئب
البراري، على حسب الترجمة)... تتحدث عن رجل في
منتصف العمر يعيش الصراع في داخله كرجل
برجوازي متحضر "حسب تعريف الحضارة المزعج" و
بين الذئب البري الذي يسكنه...
و استخدام الرجل هنا للتعبير على الغلبة...
لأن هناك مستئذبات و لكن هن نادرات... و
حياتهن أصعب... لأن الرجل يبقى معذور بأنه ذئب...
أما هن فيفترض بهن أن يكن لطيفات خلقة، و
بالتالي فذئبهن المقابل سيكون أشرس بطبيعة
الحال...
**
في فيلم ٍSpiral
البطل شاب رسام لطيف و وديع كأنه حَمَل يعيش
منطويا و منغلقا على ذاته... تقتحم حياته فتاة
مفعمة بالحياة و تبدأ بالتقرب منه، إذ تجده
غريبا و مختلفا، هذا المنغلق يبدأ على حياء
بالتجاوب شيئا فشيئا على قدر قدرته من التجاوب،
و يكون سعيدا أن هناك من اقترب منه... و لكنها
تخطئ في حقه خطأ كبيرا، خطأ فادح في حق كل
معتزل و انطوائي... تكون فضولية و تتجاوز الحد
الذي أعطي لها... فما كان إلا أن انقلب هذا
الوديع إلى وحش فقتلها... لكنه كان حين يسحبها
من شعرها ليقتلها كان يبكي و يعتذر و يقول
بألم آسف ما كان لك أن تتجاوزي الحدود... لا
مشاحة أن البطل غير سوي و يحتاج لعلاج نفسي...
و هو فيلم بأية حال... إذ في الحياة العادية و
بالنسبة للرجال الذئاب هؤلاء لا يصل الأمر إلى
القتل... فهم ليسوا خطرين لهذه الدرجة... و لا
أدري ما علاقته بموضوعي لأذكره... ربما لأني
شاهدته البارحة و أعجبني 
-------
للتوضيح:
بعد أن كتبت
الموضوع جاءتني بعض التعليقات التي أحسست من
خلالها أن فكرتي لم تصل... لذلك أضفت:
حين نخرج للحياة،
نحسب كل العالم مثلنا أو يفكرون و يشعرون كما
نفكر و نشعر... و لكن التجربة و الاحتكاك تعلم
المرء أن الحياة مختلفة و ألوان متضادة، و
البشر من الاختلاف بحيث لا يمكن حزره...
الإنسانية كالدائرة... تجاوز حدود الدائرة هو
الظلم و الجور... و لكن تلك الدائرة ليست
ضيقة، و إنما فسيحة... نفسيات البشر فيها
مختلفة كاختلاف الحيوانات بعض البشر كالذئاب و
بعضهم كالخرفان و بعضهم كالسلاحف و بعضهم
كالقطط الخ... و لكن جهاد كل امرئ أن يشذب تلك
الروح الحيوانية و يبقيها ضمن حدود العدل لأن
الكل واع أن تجاوز الحد هو الجور، و لكنه لا
يمكن أن يقتلعها من داخله... لا يمكن لشخص
يملك روح أسد بري أن يصير وديعا كالحمل و لا
يمكن لمن يملك روح ثعلب مكار أن يصير بسيطا
كالدجاجة، و لا يمكن لشخص يحمل روح الدب
الكسلان أن يصير مندفعا كالحصان، لكن يمكن
للجميع _بكثير من الجهاد_ أن لا يتجاوز الحد
سواء ببريته أو وداعته، ببطئه أو اندفاعه،
بمكره أو بساطته، و لكنه سيبقى مميزا بتلك
السمة التي تعطي دوره في الحياة... بحيث
يستفاد من سمته تلك و بنفس الوقت لا يتجاوز
الحد... و في كل خير...
كلنا بشر ناقصون و بأضلاع معوجة و لكن بطرق و
أشكال متنوعة... فحتى الضلع المستقيم هو ضلع
غير سوي بالنسبة للضلع المعوج... إن أردنا أن
نقيم بعضنا بعضنا _و لو عن حسن نية_ بحيث
نتشابه (ضمن حدود تلك الدائرة البشرية) سنكسر
بعضنا و إن بقينا بقينا أضلاعا معوجة... بشرا
ناقصين غير مكتملين و مختلفين أبدا.. و من
العدل مراعاة الاختلاف الذي لا يتجاوز الحد
الذي وضع من قبل عالم بهم... و المراعاة إما
بالتحمل و الاحتواء أو بالابتعاد... و كل على
قدر طاقته... و يوم هكذا و يوم كذاك...
و لكن ما أكثر المتكسرين...
-----
و أيضا:
صحيح أن في داخل
كل شخص شر و خير...
لكن طبائع البشر و شخصياتهم مختلفة... كون
المرء بريا ليس مرادف لكونه شريرا... مثل ما
أن كونه مستأنسا ليس مرادفا لكونه خيرا...
الشر يصدر عن كليهما و الخير كذلك... لكن
تمظهره يختلف بحسب الشخصية...
ربما أبسط مثال من الأنبياء المعصومين
النبي يحيى كان متسما بالحنان
النبي موسى كان شديدا
و كلاهما نبيان عدلان...
هذا ما قصدته... أن أتحدث عن نوع من
الشخصيات...
أن بعض البشر يملكون روحا برية... المخلوقات
البرية جميلة و مثيرة لأنها قوية و حرة و فيها
غموض و هيبة... و لكنها أيضا خطيرة و لعبها
شديد و لا يخلو من خدوش...
نعود لمثالنا عن القط طبوش الحلو
...
أحيانا و هو مشغول بالطعام أحاول إزعاجه لأسمع
زمجرته و بربرته... أشعر به يكبت أعصابه... و
بت أعرف ما هو الحد الذي ينبغي لي أن أتوقف
عنده حتى لا ينقلب الأمر إلى غضب منه... لكن
إن حصل و تجاوزت و عضني فأنا الملامة لأني
أعرف طبعه و أنا البادئة...
هو ليس مؤذ... بالعكس لذيذ و ظريف و لكنه بري
الطباع... حسنا ليس من قط كامل... و يكفي أنه
يزورني و يودني... و أنا ما زلت أحبه...

سلمى
الهلالي
30/10/2009
|