الرئيسية >> أكثر من مجرد كلمات... >> أنا أحب البطيخ... فهل البطيخ يحبني؟

 

 

 


أنا أحب البطيخ... فهل البطيخ يحبني؟


قبل يومين و فيما أنا جالسة قدحت في ذهني لمعة من عبقرية فذة ملأتني نشوة و سعادة...
كنت أنا سلمى الظريفة و الجميلة كما تعلمون أو ربما لا تعلمون، حسنا سواء علمتم أم لم تعلموا إنما يهيأ لي أني ظريفة و جميلة و هذا أمر كاف بنظري لأدعي ذلك و أصدع رؤوسكم بتكرار الأمر طوال الوقت... المهم كنت أنا سلمى الظريفة و الجميلة أجلس و آكل قطعة من البطيخ حمراء و لذيذة... و فيما أنا مأخوذة بحلاوتها أصابتني حالة من الجذب و قلت لازمتي المعهودة معبرة عن شعور نابع من شغاف قلبي: أنا أحب البطيخ... فهل البطيخ يحبني؟
أمي سمعتني فقالت: طبعا...
لكن لمعة العبقرية لم أشعر بها من جواب أمي حتما... لأنها كشأن كل الأمهات ترى أولادها الأحلى و الأذكى، لدرجة رؤيتها أنه من الطبيعي جدا أن يبادلهم البطيخ ودا بود... و لأن واحدنا حين ينزل للحياة يكتشف أنه لم يكن يوما الأذكى و لا الأحلى و ربما حتى البطيخ لا يحبه... لذلك فمن الآمن لواحدنا أن يشك بمسلمات كل الأمهات حين يسمعها، حتى لا ينصدم كثيرا بالواقع...
و لم تكن لمعة العبقرية بسبب أني آكل بطيخا أحمرا و لذيذا، و ذلك لأن كل العباقرة يحبون البطيخ حتما و هذا أمر لا يميزني عنهم... و هو أحمر و لذيذ منذ وجد و لا عبقرية أشعر بها من جراء ذلك...
و لكن لمعة العبقرية ملأت دماغي بسبب سؤالي المعتاد...
هذا السؤال الذي بدا لكم سخيفا و جعلكم تضحكون ضحكات مكبوتة ساخرة قد وصل إلي صداها... نعم هذا السؤال هو الذي جعلني أشعر بلمعة العبقرية تلك...
إذ أنه يعبر عن فلسفة برمتها... يعبر عن منهج حياتيّ يُسار على وفقه... عن نظرية معرفية تعتبر فتحا في الفكر البشري... حسنا أعترف لا يعبر عن ذلك كله لهذه الدرجة، هو يعبر عن طريقة تفكيري بالمقام الأول... و إن تصادف و دلعتموني بأسماء مثلا فلسفة و منهج و نظرية فإنه بهذه الحال ستكون جملتي صحيحة لأنه سيكون معبرا عني ... و بغض النظر عن قيمة سؤالي الفكرية و لن نختلف فيما بيننا، و لن أجادلكم لأثبت لكم مدى روعته أو روعتي، إذ أني لا أخفيكم سرا أني أشك بوجود هذه الروعة مثلكم تماما لكن كما تعلمون واحدنا لا بد أن يمدح و يدلع نفسه لزوم الأنا التي تسكننا طبعا... لذلك سأخبركم أنه بكل الأحوال هذا السؤال يعبر عن طريقة في التفكير جميلة و مفيدة و تجعل المرء يجد حلولا لكثير من المعضلات الفكرية و اللافكرية لأنه ينظر للأمور بزاوية غير الزاوية المعروضة بها...
 

فمثلا حين يقولون أن أول يوم في الزواج هو أسعد يوم، يتبادر لذهني أن لماذا ليس آخر يوم؟ حسنا هذه ليست سفسطة و أعلم أنه ليس بالإمكان تحديد آخر يوم، لكن ما أقصده أن منطقيا و عقليا يفترض به أن يكون اليوم الأول هو أقل الأيام بهجة، و إلا إن كان هذا أجمل يوم و أسعده فعلام هذه الحياة المشتركة أصلا، إن لم يكن المرء يعد نفسه ليجعل السعادة في تصاعد في هذه الحياة المشتركة، فإن عدمها أفضل، و ليرح نفسه منها أو لنقل ليرح من حوله من شكاويه و تذمره الذي لا ينتهي...
 

مثال آخر حين قرأت قليلا من كتاب وهم الإله لدوكنز، والذي للحقيقة و لا أخفيكم أني أرغب بالكتابة عنه أكثر و لكن و كالعادة و لأن الكتابة أمر مزعج لأنها قائمة على التفكير الذي هو من الأعمال الشاقة و لذلك هو بضاعة مزهود بها و الذي و لا أخفيكم أنه ليس السبب حقيقة لعدم كتابتي و إنما لأني كسولة و لا أحب أن أكتب... أقول أن أول ما خطر لي هو أن لماذا لا يكون الأمر بالعكس، لماذا لا يكون الإنسان هو الوهم و هو الفكرة المبتدعة؟ كوننا أحياء نفكر و نتأمل و نتحرك و نرى ليس دليلا على أنا حقيقون لنلقي تهمة الوهم على الإله... فمثلا أي شخصية روائية لو نظرنا إليها في عالمها لوجدناها تعيش طولا و عرضا في عالم تحسبه حقيقة و هو مجرد كلمات، فمنذا الذي يخبرها أنه كلمات؟ إن لم يرد المؤلف أن تعلم شخصياته بحقيقتها فلن تعلم و إن يردها فستعلم... و للحقيقة أن كتاب دوكنز ليس من نوعية الكتب التي تجذبني، إذ لا أستسيغ الكتاب ضيق الأفق الذي يؤله الواقع و يتعبده، و لكن لأن إيكاروس ذكره في معرض حديثه، فالفضول دفعني لأبحث عنه. و بالمناسبة إن كنتم لا تعلمون من هو إيكاروس، فهذا دليل على أنكم لا تقرأون مواضيعي، و هذا أمر لا يعجبني ، لأني _و ككل من يكتب في هذه الدنيا و حتى أولئك الذين يدعون مكابرين أنهم إنما يكتبون لأنفسهم_ أحب أن تقرأوا مواضيعي و إلا ما كنت لأخاطبكم و لكنت اكتفيت بمخاطبة نفسي و لما احتجت للكتابة، و ذلك لأني و لحسن حظي أفهم معانيَّ بتجرد دون حاجة لتجسد الكلمات... دعوني أتوقف هنا، إذ لو أني ابتدأت في الحديث عن الإبهام بالمعنى و البيان بالكلام فإن حياتي ستمضي و لم أنه كلامي... فالكلمات كالمتاهة قد تضل طريقك فيها فتظل تدور ولن تخرج منها أبدا...
 

عودة لتساؤلي عن كون البطيخ يحبني، بدل الاكتفاء بتقرير محبتي له، و ما نتج عنه من فلسفة بطيخية، سأخبركم أنه ليس الأمر بالسهولة التي تحسبونها، و ليس كل قلب هو قلب، فهناك قلب فاسد لا فائدة منه سوى السفسطة و هناك قلب ينتج عنه فكرة جديدة... ففي فيلم Stardust و الذي أحبه كثيرا و الله و لا أنفك اشاهده و أعيش فيه و كأني جزء منه، قد عولجت هذه الفكرة في بدايته، حيث افتتح بالكلمات التالية:
"(تسآل فيلسوف ذات مرة: هل نحن بشر لأنا نتأمل النجوم، أم نحن نتأملهم لأنا بشر؟)، كلامه لا معنى له حقيقة، و لكن هل النجوم تتأملنا هي الأخرى، هذا هو السؤال؟"
و طبعا أجاب الفيلم عن هذا السؤال بطريقة جميلة، حيث اكتشفنا أن النجمات تتأملنا فعلا كما نتأملها، و تحفظ كل قصصنا عبر الزمن... و أنا أنصحكم بمشاهدة الفيلم إن كنتم حالمين و محبين لقصص الفنتازيا و الأميرات و الساحرات مثلي... و إن لم تكونوا كذلك للأسف بحجة أنكم نضجتم _مع تحفظي على الكلمة لأني لا أدري ما معناها اللهم إلا الجمود ربما، و إنما أقول للأسف لأن الكثير من متعة الخيال تفوتكم بسبب هذه الحجة المزعومة_ فبإمكانكم الاكتفاء بسماع الأغنية الأخيرة في الفيلم فهي جميلة جدا، و تناسب الجميع الناضجين و غيرهم...
 

و عودة للفكرة التي ابتدأت بها، أريد أن أخبركم أن قلب العبارات... و قلب الأسئلة... و قلب طريقة التفكير... تجعل المرء يجد الكثير من الأجوبة و الأفكار المدهشة و يدرك تهلهل الكثير من الأفكار و المسلمات التي تعرض أمامه، بل يتعلم كيف يجد حججا للأمور التي يؤمن بها، حين يحاول قلبها و ردها ثم قلبها و ردها و هكذا...


و لا أخفيكم سرا، أنه بعيدا عن كل ما تقدم من محاولتي لإلباس سؤالي لبوس التفكير و الفلسفة حتى لا يبدو ساذجا في أعينكم، ما زال يعتمل في داخلي و يتردد في جنبات نفسي: هل البطيخ يحبني، كما أحبه؟


 
سلمى الهلالي

16/07/2010

 

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali