الرئيسية >> أكثر من مجرد كلمات... >> صف حكي

 

 

 

 

صف حكي



كثير من الكتابات أحاول فهمها عبثا... و أحاول جاهدة صدقوني و لكن دون جدوى ...

و لم أكن أفهم أين تكمن المشكلة... و خصوصا حين ترى كلاما كبيرا في مديحه... كبيرا أكبر من أن تستوعب لماذا كل هذا المديح...

في رواية جزيرة اليوم السابق لـ أومبرتو إيكو
اخترع الأب إيمانويل آلة لصنع الاستعارات البلاغية حتى تكون ذكية و غير مسبوقة... لم أفهم آلية عملها تماما و لكن ما فهمته أنه صنف الأشياء إلى عشرة أصناف الماهية و الكمية و الصفة و الحركة و العاطفة الخ ثم جمع تحت كل صنف ما استطاع من الكلمات و رتبها أبجديا... ووضع ثلاث اسطوانات يحركها... فتتوقف بشكل اعتباطي مثلا على ثلاثة أحرف SOL فيبدأ بالبحث في الأدراج عن صفات تحمل هذه الأحرف... يعني هيك شي
المهم ما أود قوله أنه كان يصنع استعارات و تشبيهات عبر هذه الطريقة الميكانيكية...
قد يبدو الأمر مضحكا... و لكن لو فكرت ببعض طرق الكتابة الشعرية لوجدتها كذلك... إذ لو فكرت لوجدت أنه ببعض الحذلقة بإمكانك أن تجمع بين أي كلمتين و تصنع تعبيرا ما، تشبيها ما استعارة...
على سبيل المثال من الرواية نفسها حين نادت إحدى الشخصيات لأحد الشخصيات أيضا و كان معجبا بها كتب من شدة تأثره (اليوم تجري الوديان نحو عيونها، فرسان بيض يتسلقون أبراج "نوتردام دي باريس"، النار تتقد ضاحكة من الجليد ... يسيل الدم من الصخرة و الحنش يجامع دبة و الشمس صارت سوداء...)
و لئن كان إيكو يسخر من الحذلقات اللغوية بروايته... فكتب شيئا مضحكا كهذا... إلا أن هذا الكلام ليس نكتة أو مزحة فهو أسلوب كتابة طاغ و يتبعه الكثيرون... فعلى سبيل المثال كنت قرأت مرة قصيدة _أو لا أدري ماذا يسمى هذا النوع من الكلام_ :
 

 

اقتباس من قصيدة ليليت لـ جمانة حداد:

أنا ليليت إلهةُ الليـلَين العائدةُ من منفاها
أنا ليليت العائدةُ من سجن النسيان الأبيض، لبوءة السيّد وإلهة الليـلَين. أجمعُ ما لا يُـجمع في كأس وأشربه لأنّي الكاهنة والهيكل. لا أترك ثمالةً لأحد كي لا يُـظنَّ ارتويت. أتجامعُ وأتكاثرُ بذاتي لأصنع شعباً من ذريتي، ثم أقتلُ عشّـاقي كي أفسح للذين لم يعرفوني
أنا ليليت المرأةُ الغابة. لم أعرف انتظاراً يُـرجى لكنّي عرفتُ الأسُود وأصناف الوحوش الأصيلة. ألقّح جميع أنحائي لأصنع الحكاية، أجمع الأصوات في رحمي لـيكتمل عدد العبيد. آكل جسدي كي لا أُعيَّر بالجوع وأشرب مائي كي لا أشكو عطشا. ضفائري طويلة من أجل الشتاء وحقائبي غير مسقوفة. لا يرويني شيء ولا يشبعني شيء، وأعود لأكون لبوءة الضائعين في الأرض
من ناي الفخذين يطلع غنائي
الأنهرُ من شبقي
فكيف لا يكون مدٌّ
كلّما افترّت شفتاي العموديتان عن قمر؟
أنا ليليت سرُّ الأصابع حين تلحّ. أشقُّ الطريق وأكشفُ الأحلام وأشرّعُ مدن الذكورة أمام طوفاني. لا أجمع اثـنين من كل جنس بل أكونهما كي يرجع النسل نقياً من كل طهر

 

كنت من قبل حين أقرأ شيئا كهذا لا أفهم كيف ركبت هذه الجمل و جمعت هذه الكلمات مع بعضها...ماذا تريد أو ماذا تعني أو شو بدها... عن جد ما عم بفهم... هل هي موهبة سماوية تفوق فهمي البشري المتواضع أو شو القصة...  
و لكني حين قرأت عن آلة الأب إيمانويل، فهمت سر الصنعة ... إذ يبدو أن كثيرين يستخدمونها لصنع جملهم...

يقال أنه ورد في قاموس محيط المحيط:

 

الحَذْلَقةُ التصرُّف بالظَّرْف . و المُتَحَذْلِق المُتَكَيِّس ، وقيل : المُتحذلق هو المتكيس الذي يريد أن يزداد على قدره . وإنه ليَتَحَذْلَق في كلامه ويَتَبَلْتَع أي يتظرَّف ويَتكيَّسُ . ورجل حِذْلقٌ كثيرُ الكلام صَلِفٌ وليس وراء ذلك شيء . و الحِذْلاقُ الشيءُ المُحَدَّد ، وقد حُذْلِقَ ويقال : حَذْلَقَ الرجلُ و تَحَذْلَق إذا أَظهر الحِذْق وادَّعى أَكثر مما عنده .

 

 

و هذا على ذمة بطرس البستاني...


و ليلي ما بيفهم بالنحوي... فبالعامي بسمو هذا النوع من الكتابة "صف حكي"...

و ما أكثر صف الحكي


 
سلمى الهلالي

5/2009

 

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali