|
|
|
الرئيسية >> أكثر من مجرد كلمات... >> معانٍ تبحث عن كلمات
|
||||
|
معانٍ تبحث عن كلمات
قصتي التي سأرويها يا سادة يا كرام قد حدثت معي شخصياً، أنا ابنة هذا الزمان، ابنة القرن الحادي و العشرين. و لذلك فهي ليست بقصة حب رومانسية بين حسناء و نبيل وسيم تنتهي بالزواج. فأنا بداية لست بفتاة حسناء، ما أنا إلا فتاة عادية قد تكونوا شاهدتموني مراراً أسير في الشارع بين عشرات من الناس دون أن تلفتوا أنظاركم إلي. كما أنه ليس من اليسير تصور وجود رجال نبلاء في عصرنا هذا فضلاً عن أن يغرموا بفتاة ثائرة و عنيدة مثلي. و في الواقع فإن قصص الحب الأسطورية عادة ما تحدث في المكان الآخر الذي لا نتواجد فيه أو في الكتب و الأفلام و لكنها أبداً لا تحدث معنا أو مع أصدقائنا أو مع أي شخص نعرفه أو حتى من الممكن أن نتعرف عليه في المستقبل. و صراحة لا أدري إن كان الحب كالأشباح الذين نسمع عنهم و نردد قصصهم لنضفي شيئاً من الإثارة على حياتنا المملة، و لكن هل شاهدهم أحد ما؟ أشك في ذلك. كما أن قصتي ليست عبارة عن رحلة بحث حائرة تنتهي بالجواب الذي يسكت كل سؤال و تتفكك عنده كل العقد و تتكشف به كل الأسرار. فما هي إلا حكاية بلا تتمة و طريق من غير نهاية و سؤال من غير جواب. فأنى أصل و أنا ما زلت على قيد الحياة _أقصد و أنا أخط هذه الكلمات_ فالله وحده العالم إن كنت وصلت بينما تقرؤون كلماتي هذه، لكن بالتأكيد لن تجدوا الجواب الشافي في قصتي هذه. حدث ذلك كله في أحد ليالي الخريف الماطرة حيث جلست وحدي في المنزل أستمع لصوت حبات المطر و هي ترتطم بالنافذة و أنا ممددة في سريري أعاني مرضاً لم يعرف طبيبي سببه. كان ذاك الشعور قد هاجمني مرة أخرى. للأسف الشديد فإني لا أملك له اسماً، فهو المكان الذي تقف عنده الكلمات و يعجز الدماغ عن الإحاطة بكنهه و تثقل الروح من شدة وطأته. هو أشبه بكابوس مزعج تقاسيه وحدك دون أن يشعر به من هو بقربك، كشعور بالدوار يعتريك و الناس لاهون من حولك. هو من القوة بحيث يطلي كل شيء بالسواد و الظلمة و يغلق كل باب و يطفئ كل رغبة و متعة مهما كانت مستعرة. ليس في قاموسه إلا الضياع و الملل و الحزن و الألم و الوحدة و الاختناق. لكن و مع ذلك فإن له سحراً خاصاً، له ألفة و حميمية تجعلك تستسلم له بخدر دون أن ترغب في الهروب منه. كنت أرغب في البكاء بشدة علي أفرغ شيئاً من هذا الثقل عن طريق دموعي و لكن يبدو أنها قد جفت لشدة ما حسدتها فيما مضى، فهي الجزء الوحيد مني الذي كان قادراً على الخروج من هذه الزنزانة الخانقة. و فجأة لمعت في ذهني فكرة مجنونة، إن كنت غير قادرة على ذرف الدموع فلماذا لا أستعير من السماء دموعها. تلفعت ببطانية سميكة و خرجت إلى حديقة المنزل و جلست تحت المطر. كان الشارع أمام الحديقة خالياً تماماً حتى من السيارات، فمن سيخرج في مثل هذه الليلة الباردة الممطرة. يا لسعادتي بغباء الناس فقد وهبوني ساعات من الهدوء. سأستمتع بصحبة نفسي، بوحدتي و بذلك الشعور الكئيب الغريب، سأطلق العنان لأفكاري و مخيلتي و أطير معهم و ليتها تكون للأبد من دون عودة. سأستمتع بقطرات المطر تغسل عني كل ما أعاني. يا أيها البرد و الظلام يا صاحبي عزلتي ها قد أتيت إليكما، و من سواكما يستطيع أن يهدأ من روع عمقي التائه. و هل من شيء يدفئ روحاً حائرة أكثر من لمسات البرد القاسية، بل أي شيء يؤنس القلب الوحيد خير من ضمة ظلمة الليل الموحش. ها أنا قدمت إليكما يا أيها الخليلان لأهمس لكما بأسراري لأشاطركما مشاعري دون الحاجة لثقل الكلمات و سخفها، فأنتما تتغلغلان في أعماقي و تتلمسان كل ما يعتلج بداخلي و تحملان عني ما يدمي قلبي. يا أيها الحبيبان... _ "السلام عليك". صوت رجل انطلق بقربي قطع علي أفكاري و جعلني أقفز مذعورة حتى طارت البطانية و جعلني أصرخ و قلبي يكاد يتوقف من شدة الفزع. _ "أستميحك عذراً فما قصدت إخافتك... هاك بطانيتك". ناولني البطانية إلا أني لم أستطع أن أمد يدي لأخذها فقد كنت أرتجف من الرعب و قدماي تهالكتا تحتي و لم أستطع الحراك أو الكلام أو الصراخ. _ "اعذريني مرة أخرى، فما أردت إلا أن أحتمي من المطر في حديقتكم، و أعتذر للمرة الثالثة... سأغادر في الحال، و لكن خذي البطانية حتى لا تبتلّي فإنك لا تبدين على ما يرام". صراحة لم أعد أذكر ما قاله بالتحديد، إلا أنه بالتأكيد قد قال عبارة ما غريبة نوعاً ما جعلتني أهدئ من روعي قليلاً، لا بل أكثر من ذلك فقد أخذت البطانية من يده و بقيت جالسة دون أن أهرب. أعلم أن كلامي لا يبدو منطقياً، و أعلم ما سيخطر على بالكم. و صدقوني أنا مثلكم لا أثق بالغرباء و بخاصة الرجال منهم. و كيف برجل غريب يدخل حديقتنا في ظلمة الليل و تحت المطر و أنا وحدي مريضة و متعبة. و كيف إن أخبرتكم أنني من المدمنات على برنامج الجريمة و العقاب الذي يطالعنا كل أسبوع بقصة جديدة عن الفظائع التي تحدث كل يوم بسبب انعدام الأمن بين الناس. و رغم أني كنت واعية لكل تلك النصائح التي لقناها منذ نعومة أظفارنا عن اجتناب الغرباء و خصوصاً نحن الشابات إلا أني مع هذا كله قد دعوته لمشاطرتي مقعدي إذ لم يكن في حديقتنا غيره. صحيح أني كنت ما أزال أرتعد خوفاً و ربما برداً إلا أنني بصراحة كنت مرهقة و يائسة و راغبة في الحديث مع أي كان حتى لو كان مع الشيطان نفسه. بل أكثر من ذلك كنت من الإحباط بحيث تمنيت أن يكون قاتلاً محترفاً فيجهز على حياتي المنهكة و يريحني. _ "أشكرك يا ابنتي". أعجبتني كلمة ابنتي هذه، فقد أعطتني شيئاً من الأمان مع صوته الغريب الذي يوحي بالثقة. هززت برأسي و أنا أنظر إليه و هو يجلس بقربي، بدا رجلاً كهلاً لربما في العقد الخامس من العمر. كانت ملابسه غريبة بل شكل وجهه أيضاً و في لكنته شيء من العجمة. لا أدري ما الذي كان فيه جعلني أرتجف رعباً منه لربما شكل عينيه، تطل من عينيه نظرة مخيفة ربما لها طعم الموت _رغم أني لم أذقه بعد_. و في نفس الوقت كان فيه شيء ما لربما في صوته أو كلماته أو حتى ابتسامته، شيء يجعلك تعتقد أنك رأيته في مكان ما أو تعرفه أو تحن إليه، لا أدري و لكن هو تماماً كأغنية قديمة حميمة لا تستطيع أن تتذكر كلماتها، أو كبيت قديم تتمنى أن تعود إليه بعد طول غياب. أكون كاذبة إن استطعت أن أنقل لكم بالكلمات ما شعرت حينها، لكن بالتأكيد طارت من ذهني فكرة كونه قاتلاً محترفاً فهو يبدو أقرب لشكل أب يجمع ما بين الصرامة و الحنان. _ "الحمد لله المطر غزير و لكن البرد قد أتى قبل أوانه بقليل...". هكذا بدأ يثرثر كما يفعل كبار السن حينما يحاولون أن يتوددوا إلى الشباب، يتحدثون عن أشياء باردة و تافهة و تضطر إلى الاستماع إليهم احتراماً. لكني لم أكن وقتها في حالة مزاجية تساعدني على مجاراته في موضوع الطقس السخيف هذا. _ "بالمناسبة لماذا تجلسين تحت المطر هكذا، حتماً ستصابين بالبرد و خصوصاً أنك لا تبدين بصحة جيدة، هل هناك خطب ما في منزلك؟". يا لفضول هذا الرجل أوليس هو أيضاً تحت المطر فما الذي كان يفعله؟ على كل ليتني أستطيع أن أجيبه، ليتني أملك كلمات تصف ما الذي يزعجني، فأنا نفسي لا أعرف. _ "أظن أنه لا تجلس هكذا إلا فتاة عاشقة قد أضناها البعد أو شاعرة تستلهم من المطر". _ "و لماذا لا تكون مجرد فتاة بائسة حائرة لم تعد تفهم شيئاً أو ترغب بشيء اللهم إلا النهاية؟". أجبته و قد استفزتني كلماته، و كأنه ليس في رأس الفتيات إلا الحب و الزواج و كلام الشعراء المبتذل المصطنع. _ "و ما الذي يجعل فتاة لطيفة مثلك في مقتبل العمر تشعر بمثل هذا اليأس، و الحياة بألوانها و مباهجها ما زالت أمامها؟". استسخفت كلمة لطيفة، فقد أحسست أنه يكلمني كطفلة في الخامسة من عمرها و ليس كفتاة ناضجة ذكية مثلي في الخامسة و العشرين. متى سيدرك الناس أن الفتيات لم تعد تنطلي عليهن مثل هذه الكلمات الفارغة؟ _ "ليس يأساً يا سيدي و إنما هي حيرة، وليس إلا الرمادي هو لون للحياة. و عن أي مباهج تتحدث فلا أرى فيها إلا السأم الذي يبعث على الاشمئزاز و النفور". لا أدري ما الذي جعلني أسترسل بكلماتي الكئيبة أمامه لربما تلك الابتسامة الساحرة الصافية التي تعلو وجهه و التي أغاظتني بشدة، و رغم أن لحيته كانت كثة بالكاد تبين شكل فمه إلا أني استطعت أن ألمح ابتسامته، فقد كانت ابتسامة غريبة و كأنها ابتسامة شخص قد ملك سر الدنيا، ابتسامة من عرف، ابتسامة شخص قد حط رحاله أخيراً في موطنه. أعترف بأني حينها تمنيت أن أطمس ابتسامته تلك فقد شعرت أنها عدوتي لربما لأني لا أملك واحدة مثلها. و رغم أن كلماتي كانت قاتمة معتمة إلا أنها ما زادت ابتسامته إلا بريقاً و سحراً. _ "أيعقل أنك اختصرت جمال الدنيا بهذه الكليمات القانطة. انظري حولك ألا ترين كل هذا السحر الفطري ألا تسمعين هذا الصمت الملائكي". يا لتفاؤل هذا الرجل! لا شيء أمقته أكثر من تفاؤل كبار السن هذا. و أنا ما كان ينقصني إلا رجل غريب يهذر بنصائح ميتة أولا تكفيني نصائح أهلي. _ "أي سحر و أي صمت لقد دمر البشر كل شيء. شر و قبح... دمار و موت... دماء و فساد. فسحقاً و بؤساً و تباً لابن آدم". ليت هذا الرجل يذهب. يا لسخفي حينما تهيأ لي بأنه من الممكن أن يكون ملَكاً بعث ليسري عني. يا لسخفي فأي ملك و أي معجزة في زمن جاف كزماننا! _ "ليت ابن آدم يعلم ما كُنز فيه..." ثم بدأ ينشد شعراً عن الإنسان بكلمات لم أسمع من قبل بمثل صفائها. لم أعد أذكر ما قاله و لكن كل ما أذكره أن كلماته و صوته حملاني إلى عالم آخر، إلى عالم من البشر لم أسمع به فيما ما مضى. حب و رحمة... صراحة و سعادة... إرادة و اختيار. زللهم خيراً و حيرتهم نوراً وسكونهم رقصاً، سر روحهم و وجودهم، صلة و اقتراب و مودة مع قوة مطلقة ترعاهم. أظن حتى الملائكة قد تمنت أن تكون بشراً في لحظتها. على أية حال أي كلمة سأقولها عن شعره ذاك ستبقى تافهة مقارنة مع ما تلفظ به. وددت لو كان معي مسجلة أو حتى ورقة و قلم، لكن ماذا أقول عن حظي العاثر. _ "يا ليتني كنت بشراً". قلتها من دون وعي و أنا أتنهد. و بصراحة فإني أسخر من نفسي الآن و أنا أكتب هذه العبارة، و لكني بالفعل لم أشعر يوماً بأني أرغب أن أكون بشراً إلا بعد أن سمعت شعره. _ "و لكنك من البشر!". و ضحك بطريقة لطيفة جعلتني أحمر خجلاً من غبائي، و لكن ذلك لم يزعجني فقد أحببت ضحكته رغم أنها كانت على حساب ذكائي الذي أعتد به كثيراً. _ "صحيح أنا من البشر و لكني شابة، و ماذا أقول عن الشباب؟ جهل و طيش... سخف و قلق... فورة و غضب... رغبة و نزوة و ندم. يا لشقاء الشباب و خسرانهم!". قلتها ظناً مني أن ما يمنعني من الشعور بكل هذا السحر البشري هو سن الشباب بما فيه. _ "أما الشباب فقوة و توقد...". و أخذ ينشد شعراً حماسياًً عن الشباب. طاقة و أمل... إقبال و حيوية... تفاؤل و عمل... عشق و مغامرة. رغبتهم طهراً و طيشهم حكمة و سقوطهم رفعة... _ "يا ليتني كنت شابة!". قلتها باندفاع ما أحسست به من قبل. و لكني أفقت من حماستي الساذجة هذه على صوته. _ "و لكنك كذلك!". و ضحك مرة أخرى. فأشحت بوجهي خجلاً، حتماً سيظن أني غبية. _ "أقصد أني أنثى. و ماذا تعرف عن النساء يا سيدي؟ ألم و حزن... اضطهاد و عذاب... ذل و استعباد... ضعف و قهر... جسد و شهوة. وسائل لا غايات، صور مفرّغات، أرواح مسحوقات، أدمغة موءودات. يا حسرة على النساء!". قلتها و ابتسامة خبيثة على وجهي ليقيني أنه سيعجز هذه المرة عن إنشاد شعر يسحرني، فهو الموضوع الذي يغلق على الرجال مهما كانوا عظماء، و يخبو بريقهم بمجرد أن يدلوا بدلوهم فيه. و المساكين يحسبون أنهم يحسنون بذلك صنعاً و يجترحون للمرأة معجزة. مع أن واحدهم لو فتح قلب المرأة لوجد من الاستخفاف و اللامبالاة بما يقول كما التي يستشعرها فيلسوف حكيم حينما يحاول جاهل سفيه أن يشرح له حكمته. _ "إن النساء قد فضلن بأنعم...". و بدأ ينثر جواهره. لم أصدق أني أستمع لشعر بشري، لقد لامست كلماته عمقي المنعزل الحائر. هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلاماً عن المرأة أفهمه. نور نفذ منه إلى قلبي المتفحم الحزين. يا لعذوبة كلماته عنهن. روح و جسد... عقل و شكل... غنج و دلال... قول و فعال. صمتهن أمر و لطفهن حزم و رقتهن عزم... ذكاؤهن محيِّر و عنادهن مغيِّر، مشاكستهن تسحر و حكمتهن تُسكر... _ "ليتني كنت امرأة!". صرختها بصوت عال من دون أن أعي لشدة الدهشة و التأثر. _ "و لكنك كذلك!". و ضحك للمرة الثالثة، فضحكت معه. لحظتها شعرت بأن هذا الشخص هو أول بشري أعرفه و أحس به رغم أنه لم يمض على لقاءنا سوى بضع دقائق بل هو أقرب شخص إلي على وجه البسيطة بأسرها و لولا الحياء لكنت عانقته. غريب أنني أحسست بهذا الإحساس و أنا التي تضع حاجزاً يتجاوز سمكه الربع متر بيني و بين أي إنسان آخر أياً كان يكون أو كانت تكون. _ "يا سيدي الكريم هل لي أن أسألك أمراً؟". لقد شعرت أن هذا من سيفهم ذاك الشعور الغريب الذي يقض مضجعي بل ربما سيسميه، لا بل أكثر من ذلك لربما عنده الدواء الشافي له. _ "و هل أستطيع أن أرفض طلب فتاة لطيفة مثلك". لم تعد تزعجني كلمة لطيفة بل على العكس أحببت نغمتها و هو يتلفظ بها بلكنته الأعجمية. _ "أشعر الآن بأن اختياري بكوني بشرية شابة و أنثى هو نعمة لو أني قضيت حياتي كلها شكراً عليها لما وفيتها حقها. لكني لا أخفيك يا سيدي أنني لم أكن أشعر بهذا قبل أن تحدثني بل على العكس كان هناك ذاك الشعور الغريب الذي اعتاد أن يهاجمني و يطبق على أنفاسي فهل تعلم لماذا؟ أو ما السبب؟ أو ما هذا؟ أو كيف أو لا أدري.. أرجو أن تكون قد فهمتني فأنا حقاً لا أملك الكلمات المناسبة". _ "يا ابنتي حينما تبلى الكلمات و تذل، تترفع عنها المعاني و تنعزل لتصبح هائمة في النفس، فلا هي قادرة على أن تخرج لموت كلماتها و لا هي تستقر هادئة في الداخل. و هنا تبدأ المعاناة فبدل أن يبحث المرء عن طريق مناسب و جديد لإخراجها يرهق عقله و روحه في سؤال نفسه ما هذا. توقفي عن محاولة فهمها و البحث عن مصدرها و سرها و حاولي أن تخرجيها. ستكون البداية مؤلمة و خطيرة بل ربما مميتة، فالمعاني تلتحم مع النفس إذا ما طال بقاؤها. و انتزاعها من الداخل أشبه بعملية جراحية من دون تخدير. لكنها إن لم تخرج فستودي بصاحبها للجنون أو الانتحار. فإما أن تفعلي شيئاً لإخراجها أو أنك ستفقدين صوابك حتماً. ". هززت برأسي موافقة رغم أني لم أفهم كلمة واحدة مما قاله، إذ يبدو كلامه كالطلاسم و لكني خجلت أن أصارحه بهذا. _ "إذا كانت المعاني تأبى كلماتها فكيف سنخرجها؟". سألته و أنا حتى لم أفهم معنى السؤال الذي سألته، و لكني أردت أن أبدو أمامه بمظهر الذكية الفاهمة لما يقول. _ "العمل أولاً و العمل ثانياً و العمل ثالثاً. افعلي شيئاً ما، تحركي و لكن إياك أن تسكني أو تجمدي. لكل عمله الذي يناسبه فابحثي عن دورك. شعراً كتابة عزفاً رقصاً غناء رسماً كلاماً أي شيء. أخمدي براكين المعاني بالعمل. حتماً سترتكبين الأخطاء، ستتعثرين كثيراً، ستجربين أشياء عديدة سيئة و جيدة و لكن إياك أن تتوقفي. فأي خطوة هي على الطريق حتى لو زلت القدم على إثرها. احذري قوة هذه المعاني الكامنة فهي تصبح كالحيوان المتوحش بمجرد أن يفتح لها الباب. فألجميها. و لا تجزعي إن أدمت شراستها يديك و أنت تروضينها لأنك إن لم تفعلي فستفترسك و تلقي ما بقي من أشلاءك في هاوية الضلال. و تذكري أبداً أنما هي عطاء و ليست كسبا. و ما أعطي من دون إذن يمكن أن يُنتزع من دون إذن أيضاً." بذمتكم هل فهمتم شيئاً؟ بصراحة أنا لم أفهم و لا كلمة و كأنه مجنون يهذي بكلمات لا ترابط بينها. رغم أني فهمت أشعاره إلا أني لم أفهم نصيحته. ليتني لم أسأله فقد خاب أملي فيه، فهو لا يبدو أنه يملك جواباً لكل سؤال. _ "هل فهمت ما قصدته؟". سألني بلطف ممزوج بشيء من الصرامة. _ "بصراحة يا سيدي لم أفهم شيئاً و لا أدري لماذا علي أن أفهم؟". حتى أكون صادقة، لا أدري تماماً إن لم أفهم ما قاله أو أنني لم أرد أن أفهم، فقد شعرت بخوف غامض من كلماته. ربما لأنها كانت تهدد أفكاري المتشبثة في عمقي. فليس أرهب من فكرة تعاند الخروج. _ "يا الهي! لم أنا هكذا مختلفة؟ لم لا أستطيع أن أكون كباقي الفتيات؟ لم تبدو الحياة صعبة و كئيبة و مملة؟ ثم ما هذا الشعور الغريب الكئيب الذي ينتابني؟ ثم من أنت؟ و لماذا تظن أنك تعرف كل شيء؟ و لماذا أستمع إليك أصلاً؟ و ما الذي جاء بك إلى حديقتنا؟ لربما تكون شيطاناً مريدا.ً بالتأكيد أنت كذلك". ثم بدأت أسب و أشتم و أكيل لعناتي عليه و على الحظ العاثر و البشر و الظروف و الدنيا بأسرها. لقد كانت كلماتي قاسية، و كلما تذكرتها شعرت بالخزي إذ لا أدري كيف قابلت إحسانه بمثل هذه الشناعة، و ما زلت أسأل نفسي إلى الآن لماذا غضبت لهذه الدرجة. أعتقد أني حينها قد بدأت أشعر بالدوار و الهلوسة بتأثير الحمى التي عاودتني، و كدت أفقد وعيي لولا أني شعرت بيديه تمسكان بكتفي و تهزاني بعنف و قسوة حتى شعرت أن رأسي يكاد يسقط من مكانه كما سقط قرط أذني وكادت رقبتي أن تنخلع. لقد كان يصرخ في وجهي غاضباً: _ "ألم تدركي بعد؟ ألم تستيقظي بعد؟ ألم تفهمي بعد أنك تحاولين بلا جدوى فهم ما لا سبيل إلى فهمه؟ الكمال سر لا يمكن للبشر أن يفهموه في هذه الحياة فعقولهم لا تتحمله. الروح غموض لا سبيل إلى كشفه حتى تبقى دءوبة في بحثها عن مصدرها. توقفي عند حدود بشريتك لا تتجاوزيها فتشقي. ألم تفهمي أنك إن لم تبدأي لن تنتهي، إن لم تسقطي لن تترفعي، إن لم تجهلي لن تعرفي، إن لم تشقي لن تسعدي، إن لم تتوهي لن تجدي، إن لم تحتاري لن تتيقني، و إن لم تظمأي فلن ولن ولن ترتوي. فتوقفي عن الندب كالعاجزين و ابدأي رحلتك، فلن يستطيع أحد في الدنيا كلها أن يهبك اليقين و لا حتى نفسك التي بين جنبيك، إنما هو عطاء لا يوهب إلا لمن يسعى إليه. يا ابنتي أرجوك أن تموتي لكي تحيي.". قال عبارته الأخيرة تلك بصوت ممزوج بمحبة و صدق، بعد أن توقف عن هزي. حينها بدأت أبكي. لقد بكيت و بكيت و بكيت كما لم أفعل من قبل، لقد غلقت كل الأبواب في وجهي و بدأت أصرخ كما الأطفال. لقد تحول كل شيء إلى السواد حتى الرمادي لم يعد له وجود. فقدت الإحساس بكل شيء حتى باللاشيء نفسه. بل الرغبة في الموت أصبحت حلماً لا وجود له. ثم بكيت و بكيت و بكيت لأن كلماته لامست قلبي و لكني لم أستطع فهمها. و إذ به يحيطني بذراعيه محاولاً تهدئتي، و بدأ يهمس في أذني بعذوبة و دفء لم أذقهما من قبل. و للحقيقة فأنا عادة ما أكره أن يهمس شخص ما في أذني. لا أدري لماذا تركته يفعل ذلك ربما لأني كنت متعبة إلى الحد الذي لم أعد أعي ما يجري حولي، أو ربما لأن في كلماته من المحبة و الإشفاق ما جعلني أستسلم له، أو ربما كنت في حاجة إلى أي لمسة حانية صادقة حتى لو جاءت من إبليس اللعين، و إن كنت أشك أن إبليس يعلم ما معنى الصدق و الحنو، أعاذنا الله منه. أو ربما لأنه الشخص الوحيد الذي لامست كلماته أعمق أعماقي التائهة المنعزلة... صدقاً لا أدري. _ "لا تجزعي يا عزيزتي و اسكني و قري عيناً فلم تتركي وحدك. قد أعطي الإنسان ثلاثاً حتى لا يشقى، فاحفظيهم عني: الأولى أن الخالق قد تكفل بالإيجاد و ما على الإنسان إلا البحث، فاستعيني بالله و لا تعجزي. الثانية أن نفحات من السكينة تهب عليه بين فترة و أخرى تنعش الروح و تعين على الطريق كنسمة باردة تهب كل حين في صحراء محرقة، فاستعيني بالله و لا تعجزي. الثالثة أنه قد أعطي العمل للإنسان كمتنفس له. فاستعيني بالله و لا تعجزي. فاخرجي من سجنك و ابدأي رحلتك.". هذا كان آخر ما عهدته من الرجل الغريب إذ لم أعد أذكر بعدها شيئاً فقد فقدت وعيي تماماُ. و حين فتحت عيني وجدت أمي و الطبيب فوق رأسي و هما يحمدان الله أن قد استيقظت. _ "أين رجلي الغريب؟". سألت بلهفة و قلق. _ "عن أي رجل غريب تتحدثين". _ "ذاك الذي زارني في الحديقة اليوم". _ "يا ابنتي قد كنت تهذين بسبب الحمى، فأنت لم تبارحي سريرك منذ ثلاثة أيام بسبب فقدانك للوعي". _ "قد كنت في الحديقة تحت المطر، و بطانيتي المبتلة تشهد على ذلك". حاولت أمي أن تشرح لي أن ما هذه إلا تهيؤات، فهي حين عادت في الليلة الماطرة وجدتني محمومة في سريري و بطانيتي مبتلة من شدة العرق، و قد كان باب الحديقة مقفلاً.
و بعد ثلاثة أسابيع حينما تماثلت للشفاء تماماً و فيما كنت أسير في الحديقة إذ بي أجد قرطي ملقىً تحت المقعد. و تذكرت حينها كل شيء جرى معي و كأني أشاهده حادثاً أمام عيني اللهم إلا كلمات شعره الساحر فإلى الآن لا أذكر منها شيئاً و لا حتى كلمة واحدة. و لكن من لحظتها أحسست أني لم أعد كما كنت و أن رحلتي الحائرة قد بدأت.
و اليوم و بعد مرور سنة على ما حدث، بدأت طلاسمه تتفكك أمامي شيئاً فشيئاً. و كلما آلمني السقوط و وعورة الطريق و شعرت بالرغبة في السباب و كيل اللعنات و هاجمني اليأس و القنوط، تخيلت الرجل الغريب أمام عيني بابتسامته الساكنة الساحرة و وودت لو أضربه بقبضتي على وجهه. لكن أعترف أن ما يمسكني عن الجنون إلا دفء نصحائه الثلاث يهمس بها في أذني. لذلك أعلم أني كاذبة و أني إذا ما شاهدته مرة أخرى فسأركض نحوه و أعانقه و أقبله من جبهته. و إن كنت أشك أني سأراه ثانية، فهذا الرجل لا يظهر إلا مرة واحدة في العمر حينما تكون قد استسلمت للنهاية تماماً. صحيح أنه لم يعطني الجواب و لم ينتشلني من دوامة الحيرة التي مازلت عالقة فيها، إلا أنه أعطاني الزاد على الطريق و دلني على المتنفس حينما يداهمني الاختناق.
سلمى الهلالي 28/5/2004
|
||||
|
|
||||
|
|