|
أعراض الحب من منظور سلماوي!

كنت جالسة أقوم بالتشات مع
صديقتي الظريفة وفاء خانم، فسألتها سؤالا كان
يشغل فكري منذ فترة، و السؤال بدا غريبا لها:
"وفوءة بتعرفي شو هي أعراض الحب؟"
فكرت وفاء من خلف معرفها لوهلة _أو هكذا
أحسبها فعلت_ ثم قالت مستغربة، إذ بدا لها
سؤالا رومانسيا و أمورا جدا لا يتناسب مع من
هي فايتة بالحيط مثلي: "ما بعرف! شو الحكاية؟
لك شو صاير؟"
الحق يقال أنه لا يوجد حكاية و لا رواية و لكن
السؤال تبادر لذهني بسبب عارض عرض لي...
فتسآلت إن كنت مريضة بالحب، إذ أني كثيرا ما
أكون وسواسية، أخاف المرض إن عرض لي عارض ما و
أبدا بحثا في النت أقتله يمينا و يسارا عن
العرض لأرى إن كان هذا مرضا أم ماذا، حتى صرت
نصف طبيبة من النوع الرديء ...
مع أني لا أنكر أن أخي يطمئني في كل مرة أن
المرض الحقيقي موجود في دماغي ، و المشكلة أنه
محق في معظم المرات...
أيا كان فقد عرض لي عارض، و علي أن أعرف
ماهيته، و أعيش قصة البحث عن العلة، هل هو حب
مثلا أو أنه بسبب لفحة من برد أو بسبب تمزق
قديم في أربطة القدم، أو بسبب نقص فيتامين
معين مثلا... لا بد أن أعرف... تعلمون يعني أن
الحرص و الحذر واجب...
لم أقرأ في النت لأني ككل البشرية قد قرأت عن
الحب و سمعت أغاني و أشعار و مسلسلات و روايات
تتحدث عنه حتى الثمالة و حتى طلع من عيونا
الحب مع إنو ما كنا نشوفو ... و لكن يعني ما
استطعت تحديد إن كنت أعاني هذا المرض أم لا...
فأنا لا أفهم هذا الكلام الكبير الذي يتحدثون
عنه عادة... لدي مشكلة في فهم البديهيات...
مشكلة عويصة أحيانا تسبب لي إحراجا... دماغي
يتوقف حين يتعلق بالبديهيات... لا بد لي من
شخص يبسط لي الأمور البديهية و يشرحها لي...
و كانت صديقتي الرائعة التي تبسط لي دائما
الحياة و الله، إلى الحد الذي تأتي فيه قرب
بيتي في كثير من الأحيان لتساعدني على عبور
الشارع الشرير الذي ليس فيه إشارة و لا حتى
شرطي
فقالت لي: طيب تعي لشوف بنفسي الأعراض عليكي.
و هكذا كان فقد تواعدنا و ذهبت للقاء طبيبتي
التي هي من نفس النوعية الطبية الخبيرة التي
أنا منها ... حتى ترى إن كنت أعاني عرضا ما
يدل على مرض الحب، أو أنه بعض التعب، أو أنه
نفس المرض الدماغي الذي يشخصه لي أخي دائما...
وافيت وفاء في المكان و الزمان الذي ضربته
لي... و طبعا الهدف من الموعد لم يكن لأجل
شخصي الكريم... و إنما لأن وفاء كانت تتآمر و
تتكتك بأمر على أحدهم و كان لا بد من وجودي
لاستكمال خطتها... و طبعا لن أخبركم من هو أو
ماذا كنا نتآمر حتى لا تذهبوا و تخبروه و
تفسدوا على وفاء تكتيكاتها ... و بعد أن فشل
مخططنا التآمري للأسف... طفقنا نمشي الهوينى
في الطريق و قلة من العابرين تفسد خلوتنا، و
نسائم شهر نيسان الربيعية تقرصنا بلطف بردها و
تداعب وجوهنا و تراقص ثيابنا و قد قاربت الشمس
على المغيب ( >>> تبدو لي جملة متعوب عليها
)..
و هنا في هذا الجو الشاعري قلت لها: وفوءة، مو
ئلتيلي بدك تشوفي إذا عليي أعراض الحب؟
فتذكرت وفاء أمري و نظرت إلي و أطالت النظر،
فسبلتُ لها جفوني هكذا
علّي أصير أمورة هائمة...
فقالت: لاء.. ما لي شايفة شي مختلف...
فسألتها: طيب شو أعراض الحب؟
إذ فكرتُ إن عرفت هذه الأعراض بشكل نظري،
فلربما أنقب عنها فيّ، فلربما تكون مخفية
داخلي...
فكرت وفاء و فكرت و فكرت و كانت في حيرة من
سؤالي ، ثم قالت لي: يمكن السرحان.
و هنا سرحت مع كلمتها سرحانا و طرت حيث أطير
دائما إلى اللامكان الذي لا أدري أين هو. إذ
أني مذ عهدتني و تعرفت عليّ منذ بداية وعيي و
أنا طفلة و أنا أعرفني سارحة و ذاهلة معظم
الوقت، لا أنتبه لأغراضي، لا أنتبه لما يقال
لي، لا أنتبه للطريق فأتعثر دائمأ... و كم و
كم لامني أبواي و أسمعاني العبارة التي تصدع
رأسي بها (شو وين كان مخك؟ لك شلون ما شفتي؟ و
هكذا فأنا دائما البنت يلي ما بتنتبه و لا
بتشوف )... بل كثيرا ما ترسم علائم التعجب و
الذهول و حتى ربما الإشراق على وجهي حين
يحدثني أحد و يشدني إلى الوجود ثانية و كأني
أراه بعد طول غياب ... فهل يعني هذا أني في
حالة عشق لا منتهية؟
فعدت ثانية من اللامكان إلى مشهد الربيع و
النسمات الباردة و وفاء و الطريق و سؤالي و
قلت لها: بس أنا دائما سرحانة... هادا مو عرض
بناسبني لائيلي غيرو...
فحارت وفاء في أمرها ثانية و أخذت تفكر لي عن
عرض آخر... صارت تتحدث طوال الطريق محاولة أن
تستجلب قصصا من هنا و هناك لتجد لي شيئا... و
طبعا لن أخبركم بما حدثت به إذ في كثير مما
قالته أسرار لها و لغيرها، و لست مخولة
بسردها... و لكن كلما كنت ألمح عرضا من بين
كلماتها كنت أقتبسه و أفكر به...
مثلا من بين الأعراض الرغبة بالتضحية و تكريس
الحياة لأجل سعادة الآخر...
أخذت أفكر بالتضحية و التكريس لأجل سعادة
الآخر... و طرت مع هذه الفكرة المذهلة... و
أخذت أتخيل أني إن أحببت أحدا من قلبي فسأحبه
للدرجة التي لن أمانع فيها بل سأقبل و بسعادة
و امتنان أن يضحي كرمى لي و يكرس حياته
لأجلي... أليس الحب رائعا ؟
فأخبرتها بفكرتي... و لكنها لم تعجبها ، إذ
كانت تتحدث أن الحب معناه عطاء... ثم عقبت
بقولها: على الأئل إنتو الاتنين سوا؟
و لكني لم أفهم لم علي أنا أيضا، فأجبتها: ليش
ما بكفي إني حبيتو و وافئت إنو يضحي مشاني و
بكون ممنونة منو، شو في أكتر من هيك حب،
فقالت: و ليش هو يعطي و يضحي مشانك بس و أنت
لاء؟
فقلت لها: ليش لاء، بعدين أنا بنحب و بيطلعلي.

طيب لا تنظروا إلي هكذا، صدقوني أن أمثالي
مفيدون لخلق التوازن في الحياة... هناك في
الحياة أناس لديهم مشاعر فائضة من الحب و
العطف و الحنان، لشدة زخمها فيهم فإنهم
يحتاجون لمن يفيضون عليهم منها و إلا سيختنقون
بها، و هنا يبرز دور أمثالي _من الذين تسموهم
بفوقية بالأنانيين_ ليمتصوها من أولئك بامتنان
و يشعروهم بالرضى عن ذواتهم و بالحنان
يغمرهم... يعني الكل يكون سعيدا و راضيا...
السؤال الأهم الذي خطر لي أني لو فكرت أن اضحي
فبماذا أضحي؟ أسمع المحبين يقولون عبارات كمثل
ليتهم يأخذون من عمري و يضيفونه لعمره...
و لكني لا أجرؤ على استخدام هذه العبارة أمام
وفاء ... فهي تعلم مدى زيفها في فمي إن
استخدمتها... إذ أني لطالما عرفتُني زاهدة
بسني عمري و مستعدة للتخلي عنها هكذا... و في
ذات مرة كنت و إياها أيضا، فرحت أحسب أمامها
لمن سأوزع سني عمري لو أملك توزيعها، و استبد
بي الحال و تخيلتني معطاءة أمورة محبة فائضة
بالمشاعر و العطاء. و لكن وفاء بما أنها باتت
تعرفني جيدا أحبت أن توقظني من وهمي و قالت
بذكاء: و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و لستم
بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه...
و هنا انتبهت و خجلت من نفسي ، إذ نعم هي تعرف
أني ما كنت أتلذذ يومها بتخيل توزيع عمري إلا
لأني متعبة من الوجود... و هكذا لم أعد أستخدم
هذه العبارة الكاذبة، بل بت إن أردت أن أعرف
مدى حبي لأمر ما أو شخص و تعلقي به، أسأل نفسي
السؤال التالي: هل أنا مستعدة أن أعيش زيادة
لأجل هذا الأمر أو ذاك؟
في كل مرة أجد أن الأمر لا يستحق أبدا. و هكذا
أعرف أني لا أحب هذا الأمر و لا هذا الشخص، و
لا شيء يستحق، لكن أحيانا فقط أحيانا يخطر لي
أن ربما نعم أقبل قليلا لأجل العلم، ربما فقط
حين أكون منشرحة الصدر أفكر كذلك...
بالنهاية و بعد أن حيرتها، قالت: ماذا؟ قولي
شيئا...
المشكلة أني لا أدري ما أقول إذ ليست سلمى
واحدة تلك التي تسكن هذه السلمى، فهناك ألاف
السلمات يتقافزن يمنة و يسرى... فإن عشقت
إحداهن بغضت الأخرى، و نسيت الثالثة و عارضت
الرابعة و سخرت الخامسة، و شاغبت السادسة، و
اشمأزت السابعة، و شتمت الثامنة، و نامت
التاسعة، و ذهلت العاشرة، و هكذا إلى ما لا
نهاية... و إن كن من المستحيل أن يتفقن بينهن
على أمر، إذ لم يحدث أن فعلن إلا نادرا جدا...
فإني أحاول أن أحدد المجرى العام السلماوي من
خلال رأي الأغلبية... و حين فكرت وجدت أن
أغلبيتهن _طبعا بعد إسقاط بعض أصوات المجنونات
المتطرفات منهن، التي تتناوس ما بين التوله و
الذوبان بملاك كإياه و ما بين المطالبة بمصع
رقبة مخلوق إنسي مزعج آخر من المخلوقات
البشرية التي تقتحم عزلتي و ما بين النسيان و
الذهول و عدم معرفة عمن تتحدث السلماوات أصلا
_ أعني أغلبيتهن يجدنه هكذا مجرد شخص طيفه
لطيف و غير مزعج... ، مثل طبوش القط في حارتنا
الذي يزورني بين كل فترة و أخرى، مثل التفاح
المدور الأحمر، مثل الغيمات المنفوشات، مثل
الفقمات السمينات، مثل وفاء، مثل أخي الكبير،
مثل كتبي و مثل الأساور الملونة و الأثواب ذات
النكهة الشرقية، مثل كل الأشياء الأخرى التي
أحبها، مجرد أنه شخص وجوده جميل، فهل هذا حب
أم ماذا؟
فأجبتها مرددة: لا أدري، مجرد شخص طيفه لطيف و
لا يزعجني. يعني لا أريد منه شيئا، و لا أفكر
أني أريد أن أمضي معه العمر كله و أكرس حياتي
له و أكون اسرة و كل هذا الكلام. فإن بقي على
الرحب و السعة و إن ذهب فمع السلامة و ليوفقه
الله، كل ما في القصة أن الشخص وجوده لطيف...
فكرت و قالت: خلاص، جيد... شو بيهم...
صحيح شو بيهم التسمية... مجرد شخص وجوده
جميل...
ثم أكملت المسير مع وفاء و شعرت بأني سعيدة
جدا بصحبتها... و أني سعيدة معها و أن أعراض
الحب التي سألت عنها لم تكن تعنيني حقيقة،
مجرد نوع من الترف الفكري الذي أحب أن أمارسه
عادة... و شعرت بأن هذه اللحظات هي الحب الذي
أعرفه...
حين تركتها و قفلت عائدة وحدي، شعرت أن حسنا
ربما لا أحب أحدا بالطريقة التي نقرأ عنها و
التي الشخص مستعد أن يمضي حياته مع من يحب و
كل هذا الكلام و أني لا أعاني من مرض الحب...
و لكني أحب هكذا مثل لحظة السكينة هذه مع وفاء
في يوم ربيعي جميل... لا أكثر و لا أقل...
-----
حين كتبت الموضوع
في جسد الثقافة، جاءني تعليق غريب من أحد
الزملاء... ذكر أعراضا كثيرة و غير مفهومة و
صراحة أني لا أفهم هؤلاء المحبين و قصصتهم و
آهاتهم و تباريحهم... لكن أغرب ما يمكن أن
يقال لي أن من أعراض الحب هو سماع عبد الحليم
و أني سأستمع له و أنا أتخيله بذاته جالس
يطالعني بهيام و هو يغني...
و حينها عرفت
أن أمثالي لا يمكن أن يحبوا أحدا... إذ كنت
أفكر متى سمعت عبد الحليم في حياتي. فتذكرت أن
جارنا، و يا لجارنا هذا، حين تعجبه أغنية فإنه
يعيدها آلاف المرات و طوال النهار و الليل و
لأيام طوال، حتى ينغسل دماغك بها و تبدأ تراها
في منامك و يقظتك و حتى تدمن بحيث إن لم
تسمعها ستمرض، في إحدى فتراته العاطفية، إذ
بتنا نعرف مزاجه من أغانيه، قد وضع أغنية لعبد
الحليم، أسمر يا اسمراني، و ظل يعيدها و
يعيدها و يعيدها، حتى لدرجة أني بت أهدس بها
ذات مرة بين منامي و يقظتي، فاستيقظت و أنا
أريد سماعها بشغف فظيع إذ أحسست بإني إن لم
أفعل من فوري فستأتيني النوبة التي تأتي
المدمنين، فبحثت عنها في النت بشكل محموم، و
سمعتها، و تنفست الصعداء...
ثم عافاني الله منها... لتحل محلها أغنية
أليسا على بالي حبيبي التي سببت لي أزمة نفسية
حقيقية بصوت نواحها طوال النهار يخترق سمعي و
يكاد يخرجني عن صوابي... حتى بت أرجوها متوسلة
كلما ناحت أنها تريد أن تلبس له الأبيض: لك
ابوس إيدك البسيله، و خلصينا بئا منك و منو و
من هالنواح...
أما الأغنية الثالثة فتلك لوحدها حكاية،
(أغنية كتاب حياتي يا عين، ما شفتو زيو كتاب،
الفرح فيه سطرين، و الباقي كلو عذاب عذاب
عذاب) يعيدها و يعيدها و يعيدها و يعيدها و
يعيدها و يعيدها لساعات، لأيام، لاسابيع...
حتى تشعر بالتعاسة و الشقاء و البؤس و الكرب
الأبدي قد كتب عليك إلى اللانهاية...
و هكذا كل أغانيه على هذه الشاكلة التي يعيدها
آلاف المرات، و لا أدري هل يا ترى يعيده على
شكل رقم معين مثلا عشرة آلاف أو عشرين ألف
مرة، كنوع من التمائم و التعاويذ السحرية؟
الله أعلم
حاليا مزاج الجار ديني... يعني بعض الأغاني
الدينية المتفائلة... جيد، فترة استراحة من
أغاني البؤس...
لذلك إن كان الحب هو أن أسمع عبد الحليم و
خصوصا أغنية الأسمراني هذه فإن شاء الله ستين
عمرو هيك حب ...
و أغلب الظن أني إن شعرت بأن عبد الحليم
يطالعني من شرفة الراديو بهيام شديد كما قال
هذا الطبيب فإني لن أتمالك نفسي بأن أعاجله
ببوكس حتى يصمت فيتكسر الراديو و يخرج من رأسي
صوته...
----
و قد ذكروا لي
أعراضا كثيرة جعلتني أنتبه أن لباس الهائمة
المحبة ليس لبوسي و لا يمكن أن يناسبني... و
أن دور العاشقة مو لايق علي...

سلمى
الهلالي
4/2010
|