الرئيسية >> أكثر من مجرد كلمات... >> دوا للذكا!

 

 

 

 

دوا للذكا!


 حين كنت صغيرة كانت أمي تحب أن تترنم بمقطع من اسكتش غنائي قديم:

عندي دوا للذكا و معبا بظروف ... حبة بيبلعها يلي ما بيفهم بيصير فيلسوف

كنت حين أسمعها تغنيها تعابث مخيلتي أطياف تلك الحبة العجيبة. لو أني أخذتها و صرت ذكية أفهم كل شيء و لن أحتاج للدراسة و المدرسة، لو أني صرت فيلسوفة عظيمة بنظريات و رؤى عن الحياة كأولئك الذين نسمع عنهم و نقرأ لهم في الكتب. كنت أتخيل و أحلق بعيدا بعيدا بعيدا.
و كأن ترنيمة أمي تحولت لتعويذة سحرية، و إذ مع الأيام و حين كبرت صرت أذكى و صرت أعمق رؤيا و نفاذا للحياة و تفلسفا. لكن شيئا فشيئا بدأت أكتشف أن الذكاء ليس كما كان يبدو لي و أنا صغيرة شيئا مغريا و لذيذا و ساحرا. شيئا يجعل حياتي أسهل. بل هو أمر متعب، مرهق، مستنزف. يجعلك حاد البصر، يجعلك ترى ما لم تكن ترى، أو ما لا ينبغي لك أن تراه، إذ حينها لن تعود قادرا على تقبل سخافات و هراءات ما حولك. و لن تستطيع أن تعيش كما ينبغي لأي خروف في هذا العالم يريد أن يعيش. الذكاء يجعلك متألما.

بات الأمر يقلقني و يقض مضجعي، و لم أدر ما الحل. فقصدت من كنت أثق بحكمته و قررت اخباره بمشكلتي و أنا أقدم قدما و أؤخر أخرى.
قلت و أنا خجلى من مشكلتي العويصة: يا أستاذ، عندي مشكلة. بصراحة أنا ذكية، و صدقا حاولت أن أصير غبية و لكن من دون جدوى، إذ بقيت ذكية!
و بدل أن ينصحني و يشعر بشعوري، انفجر مقهقها و كأني قلت له نكتة!
و طبعا عدت خائبة إذ لم يعثر لي على حل!
إذ... لكل داء دواء يستطب به ... إلا النباهة أعيت من يداويها

كانت ما تزال أغنية أمي تداهم خيالي بين فترة و أخرى: عندي دوا للذكا و معبا بظروف. فرحت ذات يوم شاتمة بحنق أن من الأحمق الذي يرغب بشيء موجع كالفهم، ألا ليت هناك حبة للغباء، يأخذها المرء و يستريح.

و كأن الأماني كانت تتحقق، و كأن تلك التعويذة السحرية قد أبطل مفعولها.

في مرة وصف لي الطبيب دواء للسعال. بدا الدواء غريبا، إذ حين ابتدأت بأخذه أحسست بشعور لم أعهده قبلا، أحسست بصمت رهيب في رأسي، بأن ضوءا طفئ. أحسست بأني أريد أن أفكر و لكني لا أستطيع و أن من أمامي يحدثني لكني لم أدرك، أحاول التركيز لكني لا أفهم، و كأن رأسي فرغ من محتواه. صار خاويا كالطبل. كان شعورا لذيذا، الشعور بالغباء كان لذيذا، عن جد لذيذا و مريحا. كنت أستمتع بكوني غبية... لكن نشوة الغباء التي دغدغت رأسي سرعان ما بدأت بالتبدد كلما عرض لي أمر احتاج لتفكير، إذ صرت أؤجل شؤوني و أنا أقول هلا انتظرتم حتى أعود ذكية، إذ أدائي انخفض في كل شيء. ثم خطر لي، أن ماذا لو أن ذكائي اختفى للأبد و سأبقى غبية هكذا دائما؟ ماذا لو بقيت هكذا شيئا أخرقا، بليدا، بطيئا، أحمقا، مشوشا. ماذا لو أني لم أعد أستشعر المعاني و أتلذذ بالأفكار و أطرب بالعمق و استمتع بالنفاذ و أنتشي بالحكمة، ماذا لو بقيت على السطح هكذا و للأبد. يا إلهي! و هنا جزعت و ارتعدت و خفت، فالشعور كان موحشا، موحشا جدا، هذا يعني أن تلك الشعلة التي كانت تتوهج في رأسي و تسكرني بحدتها ما عادت تنير لي الرؤيا، ما عادت تغمرني بفيضها.

حينها أدركت مدى النعمة... نعمة الذكاء... نعمة العقل... نعمة سرعة البديهة. يا رب أرجوك، أعد لي ذكائي الحبيب و لا تحرمني منه!
و الله سلّم. فحين انتهى الدواء، أحسست بتلك اللمعة تضيء دماغي ثانية. أحسست و كأني عدت للحياة، خرجت من القبر.

بعد تجربتي مع الغباء، ما عدت أرغب بتجربته ثانية، إذ الغباء نقمة... لعنة... مصيبة... كارثة.. شر مستطير... مؤلم حد النخاع أكثر من الذكاء بما لا مقارنة.

صحيح أنه حين تضيق الدنيا بي و أشعر بانقلاب دماغي من كثرة التفكير و النظر إلى ورشة حدادة كبيرة مع كل ضجيج الطرق و الشحذ و الجلخ، إلى خلية نحل نشطة، إلى وعاء للبشار تتطاير حباته و تتفرقع في كل اتجاه، إلى بهاليل يملأون مشفى للمجانين و يتراكضون في كل حدب و صوب على غير وجهة، حين يصير هذا أشعر بأني أكاد ألعن الذكاء و الفهم و الأفكار و أكاد أحمل مسدسا و أطلق على رأسي لأخرسه و أنتهي. لكني أتذكر ضبابية الحمق التي غطت دماغي ذات يوم، أتذكر العجز، أتذكر الغشاوة، أتذكر الغمة، أتذكر الجزع من فقدان لذة هذه اللمعة. فأقول الحمد لله على نعمة العقل. إذ لا أسوأ من الخواء، من الاستواء، من الفتور، من الصمت المطبق، من الشلل، من السطح، من اللاجدوى، من اللاشيء... من الغباء.

الحمد لله على نعمة العقل و الفهم و الذكاء!

و ما زالت حتى اليوم أغنية أمي تعابث خيالي بين كل فترة و أخرى:

عندي دوا للذكا و معبا بظروف ... حبة بيبلعها يلي ما بيفهم بيصير فيلسوف*
 

استمع: عندي دوا للذكا



*
أداء فيلمون وهبي
 

 سلمى الهلالي

3/2010

 

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali