|
مشهد من
الجنة: حين مشيت تحت البَرد


كعادتنا _وفاء و أنا_ خرجنا هذا السبت ككثير
من أسباتنا لنقوم بجولتنا الثقافية _كما
نسميها_، نطوف و نتجول بين المكتبات... نمضي
ساعات و نحن نتسكع و نتحدث و نضحك و نناقش
أمور الدنيا و البلاد و العباد...
ليس أفضل من يوم السبت للمشي في شوارع دمشق ما
بين الظهر و المغرب، فالشوارع شبه خالية من
البشر و السيارات، و لكنها لا تبدو مهجورة
كيوم الجمعة لأن المحلات تشرع أبوابها لعدم
التزامها بعطلة السبت كالدوائر الحكومية...
هذا السبت تحديدا كان الجو قارصا و السماء
ملبدة بغيوم سوداء و الريح شديد البرودة و
التجمد...
أوصلت وفاء لمنزلها و قفلت عائدة وحدي للمنزل...
دائما في النهاية أعود فردا... و كل اثنين لا
بد أن يعودا واحدا يوما... لا أدري لماذا بعد
كل لحظة أنس يعود الانقباض ليبدد ما كان، و
كأن الأُنس لم يكن يوما... بل لكأن الأنس الذي
كان يُستبدل بوحشة موجعة...
لحظتها فقط ازدادت لسعات البرد و تجهمت السماء
و انقبضت الشمس... فبدأت أشعر بشيء من
الانفراج إذ لا شيء يبدد غيوم صدري أكثر من
غيوم السماء، و لا شيء يهدئ لسعات روحي أكثر
من لسعات الريح...
و بدأ البَرد بالهطول... بدأ بحبات خجلى ليزيد
قوة على قوة...
أخذ الناس يتراكضون مسرعين محتمين و مختبئين
تاركين الطريق لي وحدي... كنت ألبس معطفا
جوخيا سميكا له قبعة سميكة وضعتها على رأسي و
وضعت في جيبي يداي و كتاب صغير قديم أنقذته من
زاوية مهملة و مغبرة في إحدى المكتبات...
كنت أسير منتشية و سعيدة و أنا أسمع و أحس
بارتطام الحبات برأسي و جسدي... شعور لذيذ
غريب... و كأن السماء كانت تداعبني بقبل قوية
كعاشق محموم يقبل بعد اشتياق و لوعة... و لكني
كنت متوجسة أن يزداد انفعالها فتحول قبلاتها
ضربا...
حسنا... قد لا تخلو مداعبة من شيء من الشدة...
إذ أنها راحت تزيح قبعتي عن رأسي بريحها، فما
كان مني إلا أن أضطررت أن أخرج يدي لأمسك
بالقبعة... أوتش... أخذت تقرص يدي و تعضها
بدلال خشن... لكني الأمر أعجبني و ما استطعت
مقاومة ملاعبتها فبدأت أحاول الإمساك بشيء من
حباتها على مرأى من أناس كانوا يحتمون تحت أحد
الشوادر، مما أثار استغرابهم...
لم ألق لهم بالا فقد كنت لاهية عنهم... حين
أمسكت إحدى الحبات بدت لي كفص من الألماس
الخام و البارد... و إذ بالجمال يملأني
بالنشوة...
لحظتها بدا كل شيء مثاليا و كاملا: الصوت،
الرائحة، المشهد، الملمس... مشهد حي من الجنة...
تذكرت ما قاله لي الأستاذ
أبو بكر يوما: يجب على المرء أن يعيش
حياته الدنيا بطريقة تجعله يختبر فيها مشاهدا
من الجنة قبل أن يصل إلى الجنة...
صدقا لقد استطعت اقتناص مشهد من الجنة... لمحة
من فيض الخالق...
و نظرت بأسف لأولئك المحتمين الخائفين من
البلل، و الهاربين المسرعين الممتعضين، قلت في
نفسي: لو أنكم فقط تدركون مما تهربون و عن
ماذا تحجمون و من ماذا تمتعضون؟
من الجنة...
سلمى
الهلالي
12/2006
|