الرئيسية >> أكثر من مجرد كلمات... >> ثلاث أبيات من الشعر: أغزل أم ماذا؟

 

 

 


ثلاث أبيات من الشعر: أغزل أم ماذا؟

 

في خاطري يعتلج كلام كثير عن ثلاث أبيات من الشعر... و لكني لا أدري ما هو...
أوكان يهجوها، أوكان يتغزل بها، أم كان يعذرها؟
أوكان رجما بالغيب، أوكان صفا لمعسول الكلام، أم كان فعلا يعرف عما يتحدث عنه؟
أوحقا رأى ما رأى؟
لا أدري كيف أخرج من رأسي ما أريد قوله... و ليس خير من صفحة جسد الثقافة الرمادية ليحول معاني المبهمة لكلمات... إذ كلما شاهدت هذه الصفحة أشعر بأن الكلمات تنساب مني بسلاسة... حتى فكرت أن أطلب من القائمين نموذجا له لأحفظه في لابتوبي، عله يساعدني على تأليف ذلك الكتاب الذي أضحك على نفسي و أشاغلها بأني أريد تأليفه... أو أحول موقعي إلى شبيه به علني أخلص له كما أخلص للكتابة هنا...

عودة لأبياتي الثلاثة... مذ سمعتها منذ عدة اسابيع مغناة و هي تسكنني، و كأن طيفا تلبسني... تداهمني أحيانا و أنساها أحايين أخرى...
طورا تطربني، و طورا تعزيني، و طورا تجتاحني سخريتها السوداء و تهكمها على حياتي...
و كأن الشاعر يضحك عليها... أو ربما يتصدق بشفقته من اللعنة التي ترافقها...
و لا زلت أتساءل أوكان يهجوها، أوكان يتغزل بها، أم كان فقط يعذرها أو أو أو...
بقدر جمال الأبيات بقدر إيلامها... لا، ليس ألما حقيقة، لا أدري ما هو... شعور غامض كلما سمعتها، ما بين شدة الطرب و شدة الوجوم...
لا أدري بماذا أهذر حقيقة، كل ما أشعر به أن في خاطري يعتلج كلام كثير عن ثلاث أبيات من الشعر... و لكني لا أدري ما هو...

 

ليس شعورا جميلا أن تدرك مدى غرابة أطوارك و كأن عقلك قد خالطه شيء... و ليس شعورا قبيحا بأية حال أيضا... فأنت حقيقة لم تختبر و تتذوق سوى نفسك و لذلك لا تعلم ما هي الطعمات الآخرى و أيها أكثر استواء، إذ لم يتح لك إلا أن تكون أنت... و قد تحسب أن البشر كلهم كذلك... حتى يأتي ما يلطمك و يريك موقعك من الوجود البشري أمن الأكثرية التي تتواصل فيما بينها بسهولة، أو من الأقلية التي تمضي حياتها تتساءل عن الحلقة المفقودة التي عرفها الآخرون و فاتتك فبقيت عالقا في المنتصف...
و هكذا يصير اللوم جزءا من علاقتك مع البشرية، و يصير الاعتذار عن شيء لا تدري ما هو جزءا من روتينك بل من شخصك...
لكن هذا الشاعر يفهم... يعلم... يرى تماما... ليس بحاجة لأن تشرح له... ليس بحاجة أن تبرر له... بل هو يتحدث عن ذاك المنطوق، ذاك الذي ما كنت حتى تجرؤ أن تفكر به... بل يوصّف لك ذاك الذي ما كنت تدري كيف تصفه حتى... هو يبرر عوضا عنك بلغتهم التي يفهمونها: دعوه... فهو كذلك... لا تحاولوا أن تبحثوا عن سبب... لا تلوموه... لأنه كذلك... الأمر بهذه البساطة... الأمر بهذه السهولة...
و لكن فعلا ما أراده من هذه الأبيات... أكان يشرح للآخرين... أكان يعزي نفسه... أكان يتغزل... أكان يفيض لطفا و رحمة و احتواء... أكان يتحدث بمرارة من هؤلاء المطرودين من أنس التواصل البشري: دعوا هؤلاء المساكين المنبوذين... فهم لا يستطيعون إلا أن يكونوا وحيدين و مبتعدين و نافرين و مرتعشين و لا ود لهم... أو فعلا استطاع أن يقترب منه، يقترب لدرجة أنه قد قبله كما هو..
تارة أشعر بأني أود لو أضرب هذا الشاعر بوكسا على عينه، و تارة أشعر أني أود احتضانه... أو ربما في الحقيقة هما وجهان لعملة واحدة... إذ أمثال هؤلاء الذين يتحدث عنهم في أحيان يختلط عليهم الأمر فلا يتمنون أن يضربوا بوكسا إلا لمن يودون احتضانه...


رأى اللوم لـ محمد عبده

رأى اللوم من كل الجهات فراعه
فلا تنكروا إعراضه و امتناعه
هو الظبي أدنى ما يكون نفاره
و أصعب شيء ما يزيل ارتياعه
فلا تسألوه عن فؤادي فإنني
علمت يقينا أنه قد أضاعه
 

حسنا أيا ما كان غرض هذا الشاعر أمعذرة أم أيا ما كان... الشاعر قال أصعب و لم يقل مستحيل...
و حتى لو انصرمت الحياة على هذه الشاكلة و تقافزت الأبيات أمام ناظريك ساخرة منك كلما وجدت ذاتك تكرر ذاتها مع اختلاف المشاهد... فلا أحد يختار ذاته حقيقة... و يلي خلق هو يلي بدبر... و هو يعلم كيف يجعلك تقترب و تنجذب و لا تنفر فارا... و يجعلك تحفظ الود و لا تضيعه... إن كان يفترض بك أن تحفظه

حلو التفاؤل يا جماعة


يلا خلصنا من هالموضوع، هاتو غيرو 

 

-----

 

الحقيقة أن هذا الموضوع كنت كتبته في جسد الثقافة

و الأمر الجميل أني حين كتبته جاءتني ردود من الزملاء على شكل معارضة شعرية على نفس الوزن و القافية، و هذا أمر أسعدني جدا إذ شعرت و كأني في أحد مجالس الخلفاء و الأدباء قديما، حيث كان يعارض الشعراء بعضهم بعضا و يجيبون فيما بينهما بالشعر...

 

الزميل "المتنبي 99" كتب أولا:

 

دع اللوم للظبي المليح .. طباعُهُ
وكن خير عونٍ لا دهاك ارتياعُهُ
فإعراضُهُ حُبٌّ .. وإن قال غيرَهُ
وكُلُّ امتناعٍ .. سرُّهُ .. وقناعُهُ
وإن نفر الظبي البديعُ جمالُهُ
فذلك حتى .. يستقيم يراعُهُ
وبادرهُ بالقول اللطيف لعلَّهُ
يخف به رعبٌ ويشفى صداعُهُ
فؤادكَ لا تسألْهُ لا علم عنده
بما كان من أمرٍ يطولُ صراعُهُ
فللظبي شأنٌ أن يفارقَ مبتلىً
تعسَّر أن تصفو لظبيٍ .. طباعُهُ

 

 

ثم أكمل بالأبيات التالية

 

 

سبحنَ مَنْ خلقَ الظِّباءْ .. إبداعُهُ
ولَهُ يُسبِّحُ .. ماحوتْهُ .. رقاعُهُ
كتب الجمال .. بأعينٍ مذعورةٍ
ثُمَّ انتقى .. مما براهُ .. يراعُهُ
وهب العيونَ .. محبَّةً .. لا تنتهي
والعشقُ منها .. يستمِدُّ ضياعَهُ
حرمَ الليوثَ .. وكُلَّ نابٍ رقةً
منها ستُحْرَمُ في الحياةِ .. سباعُهُ
كَفْكِفْ بكَفِّكَ .. دمعَ عينٍ أُغْرِقَتْ
واحزنْ لظبيٍ .. أهلكتْهُ .. ضباعًهُ
أنَّى لهُ .. والذُّعْـرُ غاص .. بقلبهِ
في موتِهِ .. ألا يذوقَ .. نزاعَهُ
سُبحنَ من خلق الظباء .. بحُسْنِها
وبذُعْرِها .. من مقتَلٍ .. إبداعُهُ

 

 

ثم كتب الزميل "أبو خزرج" هذه الأبيات:

 

 

ألا ربّ صبّ شتت البين شملَه
وقد كان يرجو قربه واجتماعَهُ
فما صبغت سود الليالي سهاده
ولا الصبح أهدى للفؤاد التماعَه
وأيأسني من كل حبّ رأيته
مصارع أقوامٍ تولتْ صراعَهُ
وما كان طبع الظبي يوما بقاتلٍ
ولكنّ طبع الصبّ قِدماً أضاعَهُ

 

 

 

----

أما بالنسبة للأبيات التي غناها محمد عبده... فهي للشاعر فتح الله بن عبد الله، الشهير بابن النحاس: شاعر رقيق مشهور، من اهل حلب. قام برحلة طويلة، فزار دمشق والقاهرة والحجاز. واستقر في المدينة المنورة، ولبس زي الفقراء من الدراويش، وتوفى بها سنة 1052 هـ/ 1642م. وكان ابيَّ النفس، فيه شيء من العجب.

و القصيدة كاملة:
رأى اللوم من كل الجهات فراعه .. فلا تنكروا إعراضه وامتناعه
ولا تسألوه عن فــــــــــــؤادي فإنني .. علمت يقيناً أنه قد أضاعه
هو الظبي أدنى ما يكون نفاره .. وأصعب شيء ما يزيل ارتياعه
ويا ليته لو كان من أول الهوى .. أطاع عـــذولي واكتفينا نزاعه
فما راشنا بالســوء إلا لسانه .. وما خرب الدنيا سوى ما أشاعه
أشاع الذي أغرى بنا ألسن العِدى.. وطيّر عن وجه التغالي قناعه
وأصبح من أهوى على فيهِ قفلة .. يكتّم خوف الشامتين انفجاعه
وآلى عليّ أن لا أقـــــيم بأرضه .. واحرمني يوم الفـــراق وداعه
فرُحت وسيري خطـــوة والتفاته .. إلى فائت منه أرجى ارتجاعه
ذرعت الفلا شرقاً وغرباً لأجله .. وصيرت أخفاف المطي ذراعه
فلم يبق أرض ما وطئت بساطه .. ولم يبق بحر ما رفعت شراعه
كأني ضمير كنت في خاطر النوى .. أحاط به واشي السرى فأذاعه
ناديت من دار الـــهوى زارها الحيا .. ومد إليها صالح الغيث باعه
بربكم عــــوجوا على من أضاعني .. وحيوه عني ثم حيوا رباعه
وقولوا فـــــــلان أوحشتنا نكاته .. وما كان أحلى شعره وابتداعه
فتى كـــــان كالبنيان حولك واقفاً .. فليتك بالحسنى طلبت اندفاعه
أبحت العدى سمعاً فلا كانت العدى .. متى وجدوا خرقاً أحبوا اتساعه
فكنت كذي عبد هو الرجل والعصى .. تجنى بلا ذنــــــب عليه فباعه
لكل هوى واش فإن ضعضع الهوى .. فلا تلم الواشي ولُم من أطاعه
إذا كنت تسقي الشــــهد ممن تحبه .. فدع كـــــل ذي عذل يبيع فقاعه
وقولوا رأينا من حمـدت افتراقه .. ولم ترنا مــــــــن لم تذمَ اجتماعه
وأنىّ الذي كالسيف حداً وجوهراً .. لمـــــن رام يبلو ضره وانتفاعه
وما كنتما إلا يراعاً وكاتباً .. فملّ وألقى في التـــــــــــــراب يراعه
فإن أطرق الغضبان أو خط في الثرى .. فناجوه قد ألقى إليكم سماعه
عسى يَذكر المشتاقُ في طَيِّ رَقعةِ .. فحسب الأماني أن تريني رقاعه
فرب كِتاب كان أشهى من اللُقا .. اِذا ضمهُ المَهجورُ أطفى التِياعه
وبِاللَّهِ كُفّوا عن تماديهِ إنهُ .. رَقيق حَواشي الطَبع أخشى انصداعه
وإن رامَ سبي فأحدَثوا لي معائبا .. وسبّاً بليغاً تُحسِنونَ اِختراعه
وهنوا رقيبي بِالرقادِ فطالما .. جعلت على جَمر السهادِ اضطجاعه
ودوروا على حكم الغـــــَرامِ فإنه .. قَضى لِظِباهُ أن تَهين سِباعُه

 

 

سلمى الهلالي

10/2010

 

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali