الرئيسية >> من أخبار القطيع... >> أمة العْلاك

 

 

 

أمة العْلاك


 

لكل أمة سمة توسم بها و تميزها عن غيرها من الأمم، و بإمكاني أن أختصر سمات هذه الأمة في هذا الزمن بميزة واحدة لا يماثلها بها أحد ألا و هي العلاك. و العْلَاك (بتسكين العين المهملة و فتح اللام) لغة: هو مصدر من الفعل الثلاثي عَلَكَ أي مضغ العلكة و لاكها و ظل يجترها كما تجتر البهائم طعامها، و الفاعل يسمى علاّك بتشديد اللام على وزن فعّال. أما العلاك اصطلاحاً فهو لوك الكلمات و اجترارها و كأنها علكة.

 

و إن كنتم يا سادة محظوظين كفاية بحيث لم تفهموا بعد معنى العلاك فسيسرني حتما أن أُعَلِّك لكم  بالتفصيل الممل.

 

في أمة العلاك تجد الجماهير المُعَلِّكة و حتى تقنع نفسها بأنها فاعلة لشيء ما تشاهد الأخبار و تندد و تستنكر و تحلل و تُنظِّر و تبكي و تتفاعل مع الحدث بكل ما أوتيت من عاطفة و تلقي باللوم على هذا و ذاك، بنفس الطريقة التي كانت تتفاعل فيها مع مباريات كأس العالم في أثناء القصف على غزة... ثم و حين تُفرِّغ كل هذه الشحنة العاطفية و تُسَكِّن بقايا الضمير... تطفئ التلفاز و تعود لحياتها المبهرجة المنافقة الاستهلاكية السخيفة اليومية المقرفة...

 

في أمة العلاك تجدهم يبكون على ما يحدث في حرب لبنان و فلسطين و العراق و يدعون على إسرائيل الحقيرة و أمريكا الشريرة... ثم يقومون بحفلة عرس تكلف آلاف الليرات في حين أن النازحين يفترشون الطرقات بلا مأوى... يذهب العروسان اللطيفان شهر عسل يطوفان البلاد و يبذران النقود بينما عروسان آخران على بُعد كيلومترات عنهما يقضي أحدهما تحت القصف و الآخر حزناً عليه، أو مشروع عروسين آخرين لا يجدان ما يتزوجا به حتى يتقدم بهما العمر و تتلاشى معه أحلامهما بشيء من السعادة...

 

في أمة العلاك يفتعلون مصيبة إن أقمت حفلة زفاف و أربعين فقيدهم لم يمض بعد، بينما لا يتورعون أن يقوموا بحفلات و يرقصوا بصخب و الناس تُسحق و تُهشّم تحت القصف على مقربة منهم...

 

و في أمة العلاك يشتمون الرؤساء و الحكام و السلطة و الدكتاتورية و يعلقون عليها أسباب فشلهم بينما هم يسحقون في عائلاتهم و محيطهم من هم دونهم حتى يزهدوهم في حياتهم...

 

و في أمة العلاك يلعن شيخٌ الغربَ الكافر ثم يتحدث بموبايله و يقود سيارته و يسافر بالطيارة بل و يستخدم الانترنت الذي اخترعه له الغرب حين كان يهدر وقته في العلاك...

 

و في أمة العلاك يفتخرون بحضارة الأجداد التي علّمت الغرب الجاهل حتى يشتتوا الانتباه عن حقيقة الأحفاد الذين يقبلون أقدام الغرب ليل نهار و يقتاتون على فتاته...

 

و في أمة العلاك لا وجود لكتاب الله و دينه و رسوله إلا في الموالد أو الخطب المملة المكرورة أو المحاضرات الساذجة أو عند الرغبة في الزواج من أخرى أو عند تقديم امتحان مادة الديانة أو حينما يريدون تبرير تصرفاتهم الشخصية المحضة لإضفاء رشة من القداسة عليها...

 

و في أمة العلاك يعتبرون الكتاب وجد لطلاب المدارس و بائعي الفلافل، و أن العلم يتنهي عند امتلاك ورقة الشهادة أو الزواج أو الحصول على وظيفة ما... ثم يتشدقون و يفتخرون بأن أول كلمة من القرآن نزلت كانت "اقرأ"...

 

و في أمة العلاك يعتبرون الحب و الكلام عنه من التابوهات المحرمة أما الوقوع فيه فهو من السبع الموبقات بينما يشاهدون ليل نهار المسلسلات المكسيكية و الأفلام العربية و الأجنبية و يتفاعلون مع هذا البطل و يبكون لتلك البطلة و يتغنون بكلمات أم كلثوم و أشعار المجنون...

 

و في أمة العلاك يعتبرون الإله هو المجتمع لذلك عليك أن تتقيه ثم لتكفر بالله سراً إن شئت... فمثلاً النميمة و الغيبة و الاحتقار و الاستهزاء بالبشر أو حتى عدم الصلاة هي من الصغائر في المجتمع مقارنة بعدم ارتداء الحجاب...

 

و في أمة العلاك تجد الشيخ الورع يعامل فتاة "محلية" بغلظة و استخفاف بما أنها قارورة ناقصة و لكنه فجأة يتحول إلى داعية مفوه و شهم نبيل أمام فتاة غربية "شقراء" تسأل عن الإسلام، و لا ننسى أن هذا الشيخ نفسه يشتم في العادة أمريكا التي تكيل بمكيالين و يتغنى بعدل الإسلام و بحادثة الأعمى الذي نزلت فيه عبس و تولى...

 

و في أمة العلاك ينتقد الأستاذ المناقش لرسالة ماجستير عن البيئة في الشريعة بأن أمريكا لم تُشتم في ثنايا البحث _بما أن شتم أمريكا أصبح أمرا معلوما من الدين بالضرورة_ لأنها الوحيدة التي لم تشارك في اتفاقية البيئة و ما زالت تلوث البيئة، بينما هذا الأستاذ لم ينظر خارج نافذة القاعة و يشاهد كم مدينته قذرة حد القرف و ملوثة حد المرض بفعل أيدي وطنية خالصة...

 

و في أمة العلاك يا سادة تجدون علماءها و شبابها ينتقدون بشدة غلاء مهور الفتيات،  طبعا المقصود بالفتيات البيض الشقراوات الحسناوات الثريات الصغيرات، لأن السمراوات و العاديات و البسيطات و الثلاثينيات و المطلقات و الأرامل اللواتي لا يطلبن أي مهر لا يُعتبرن من فئة الفتيات الصالحات للزواج أصلاً اللهم إلا للرجال اليائسين كالعجائز و المتزوجين و الفقراء و ذوي العاهات حتى تأتيهم فرصة للاقتران بفتاة حقيقية...

 

و في أمة العلاك يظنون أن التربية هي فقط مأكل و مشرب من دون أن يسألوا أنفسهم كيف بلغ ابني و ابنتي مبلغ الرجال و النساء دون أن أحدثهم عن أجسادهم أو عن المشاعر التي تتأجج داخلهم... و يظنون أن الإنسان كالحيوان طالما أنه يُعلف و تأويه حظيرة ما فهو على ما يرام أما العواطف و المشاعر فلم يُسمع بها في عالم الحيوان قبلا...

 

بل حتى الغربيين الذين هم على ملتنا يصابون بالعلاك حين يسكنون بين ظهرانينا _ ولا أدري إن كان علاكا أصيلا نابعا من ذواتهم أم أنه من قبيل من عاشر القوم أربعين يوما_ فترى واحدهم يشتم الغرب الذي أتى منه بينما يعيش بمزايا كونه غربياً في مجتمع مصاب بعقدة الخواجة... و تراه يتحدث عن المساواة و العدالة في الإسلام التي لا وجود لها في الغرب الهمجي ثم يعاملك بفوقية لأنك عربي متخلف و هو غربي متحضر...

 

علاك هنا... علاك هناك... علاك في كل مكان... علاك أصيل... علاك بكل الألوان... علاك لا تحده الكلمات...

 

و هكذا  يا سادة كما رأيتم فإن العلاك لأمتنا ضروري لوجودها كالهواء الذي نتنفسه... يكفي أن تصيخوا السمع قليلاً لتسمعوا أصوات العلك حولكم و هي تجتر الكلمات...  بل حتى إن أنصتم لأنفسكم و تفقدتم أفواهكم لوجدتموها مليئة بالعلك... لا تجزعوا كثيرا، فلستم وحدكم و إنما هي سمة هذه الأمة بأسرها و سمة كل من يعيش فيها... بمن فيهم طبعا هذه العلّاكة التي نقلت لكم كل هذا العلاك...

 

ما هذا إلا غيض من فيض... و هناك المزيد من العلاك دائما...
 

 

العلّاكة ابنة أمة العْلاك البارة سلمى الهلالي

10/8/2006

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali