|
هل يستحقون
التعاطف؟
قبل عدة
أيام كنت في زيارة للأقارب. و إذ بإحدى
قريباتي تبدأ بالشكوى من والدها بأنه لا يشتري
لها ما يكفي من الملابس و لا يعطيها ما يكفي
من المصروف... النق النموذجي المعروف...
في الواقع فإن هذه الفتاة بالذات والدها يشتري
لها الكثير و من أفضل الأنواع... حين قيل لها:
كوني منطقية فهو اشترى لك لا مانطو، بل ثلاثة.
قالت أنا منطقية: و أنظر لمن هم خير مني لا
أقل...
المهم في الأمر أن أمها و من حولها من
القريبات استنكرن عليها وقاحتها ، حتى أنا
شخصيا استنكرت الأمر _ربما لأنه كان مر وقت
طويل لم أر أحدا_ في البداية فقط و أشفقت على
والدها الذي يفني نفسه في العمل لأجلها و
إخوتها... لكني حين فكرت أكثر قلت لماذا
أستنكر عليها؟ و لماذا أشفق على والديها؟ ما
هذه الفتاة إلا نتيجة منطقية و طبيعية لأسلوب
الحياة الذي يعيشه
أبواها و من حولها، حتى أولئك اللواتي استنكرن
عليها قلة أدبها!!!
من يتتبع طريقة عيش الناس في المجتمع يجد أن
تقييمهم لبعضهم البعض من خلال شكلهم و شكل
الملبس و المأكل و المنزل... الخ، يعني المظهر
فقط... مدار حياتهم جلها على المظاهر فقط...
فأين الغريب في أن تكون هذه الفتاة تهتم
بالمظهر و تطمع في المزيد و المزيد ثم المزيد؟
أليس هذا ما تلقته ممن حولها؟ أليست هي انعكاس
لبيئتها؟
حين تجد شخصا يشتكي من زوجه أو يذمها أنها لا
تهتم سوى بالنقود أو الطعام أو شكلها أو الخ،
أو امرأة تشتكي من زوجها و تذمه أنه لا يهتم
بها أو أنه سيء الخلق أو الخ... أو يشتكي و
تشتكي من الأولاد و طمعهم أو جحودهم أو
أنانيتهم أو لامبالاتهم...
السؤال هنا و قبل أن تتعاطفوا مع
المشتكي اسألوه على أي أساس انتقى زوجه
أو زوجته؟ على أي أساس ربى أولاده و ما القيم
التي غرسها فيهم؟
و الله في معظم الحالات ما تجدوهم إلا قد
حازوا على ما طلبوه و ما حصدوا إلا ما زرعوه...
الشكل أو المال أو كلام الناس أو المظاهر...
الخ...
إنما أجيبوا على ما سألوا... و إنما أعطوا ما طلبوا... و إنما جنوا ما
غرسوا...
لكن حين يكتشفون مدى سخف و سطحية الظاهر الذي يعوّلون عليه و أنه لا يملأ و
لا يُغني و لا يسمن تبدأ الشكوى و التذمر... و فجأة يبدأ الجميع يستحضر
الآيات القرانية و الأحاديث التي تماشي هواه و شكواه...
الدين ليس مجرد صلاة تنقرها، أو شيخ تستمع له و تتمايل مع قوله، أو شوفة
الكعبة بالتلفزين و البكاء بـ يا رب تطعمنا زيارتها، أو روحة عالعمرة و ياي
و الله يطعمنا ياها، و بسبسة* و لحمسة** و تلبسة***...
ثم بعد ذلك لا يكون همك سوى الطعام و اللباس و المسكن و ماذا فعل
الآخرون أو لم يفعلوا...
الدين هو رؤية للدنيا و أسلوب في العيش و منظومة متكاملة في طريقة الحياة...
معظم مشاكل البشر هي من صنع أيديهم و من اختيارهم... و الأولاد عادة ما
يشبهون والديهم...
و لذلك نادرا جدا ما
أتعاطف مع أحد...
و لا يظلم ربك أحدا...
لذلك
قبل أن تتعاطفوا مع مشاكل الآخرين فكروا: هل يستحقون هذا التعاطف؟
*
بسبسة: الصوت الذي يخرج من المتحدث حين
يبسمل أو يصلي على النبي أو يسبح
**
لحمسة: يعني لما يصلوا على النبي أو يقرأو الفاتحة و يمسحو وشهم للتبرك
***
تلبسة: يعني غلاظة و سماجة و سآلة و تقل دم بس مع إضفاء
لمسة دينية عليها
سلمى الهلالي
26/02/2008
|