|
|
الرئيسية >> من أخبار القطيع... >> 10سم و قصاصة من ورق...
|
||||
|
10سم و
قصاصة من ورق وقفت أمام المرآة كعادتي، و ابتسمت بسعادة و رحت أحمد الله على شكلي المحبب الذي تفضل به عليّ عساه يحفظني و يزيدني. و إذ تداهم رأسي تلك الصورة التي قيّمني بها شاب مثقف خلوق تقي ابن عائلة صديقة من كوني قصيرة و سمينة و _ثالثة الأثافي_ سوريّة. و بدأت الكلمات تخبط رأسي كالمطارق لدرجة أني ما عدت أرى تلك الجميلة التي كنت أراها لتوي و توقفت عن حمد الله، و بدأت أسأل متألمة لماذا يارب جعلتني كذلك؟ و كدت أن... لولا أخذت أقلّب في ذهني الكلمات الثلاث التي اختـُصِر فيها كلي: (قصيرة، سمينة، سوريّة): ما معنى أني قصيرة و سمينة؟ أي أن طولاً قدره 154سم و وزناً قدره 68كغ هو كينونة سلمى... فما كان مني إلا أن افترضت لو أني أخذت 10سم من العرض و وضعتها في الطول بحيث يصبح الطول 164سم والوزن 58كغ فحينئذ كان من الممكن أن تزيد قيمة كينونتي بحسب ما ارتآه لي صديقنا المثقف. يعني أن 10سم كانت ستجعلني أكثر أنوثة و رقة و عذوبة و جمالاً و خـُلقاً و حكمة و ثقافة و عمقاً، بل و ربما كان الله سيحبني أكثر بما أن عباده _الشباب الأتقياء المثقفين_ سيحبوني أكثر. و بدت لحظتها تلك الـ 10سم و كأنها احتوت سر السعادة المطلقة، و فواتها هو الخسران المبين بعينه... و حتى أفهم أكثر المأساة التي اكتشفتها لتوي باعدت بين إصبعي الإبهام و السبابة بمقدار 10سم و تخيلتني آخذهم من عرضي و أضعهم فوقي... و إذ بي أُذهل لما رأيته...
فما رأيته قد كان هو........ لا شيء!!! لم يتغير شيئ البتة... على الإطلاق... و لم أرى سوى 10سم تافهة بين إصبعي، لم تعنِ شيئا!!! أين الخسران إذاً في خسرانها؟؟؟ و أين المشكلة؟
قلت ربما السر في كلمة (سوريّة)، فسارعت إلى جواز سفري أقلبه ذات اليمين و ذات الشمال باحثة عن ذاك الذي يجعلني خاسرة، و _بنظر شابنا الأوربي المتحضر_ أقل تحضرا و إنسانية و فهما و ذوقا و أدباً بل و حتى أنوثة، فلم أجد إلا هذا...
قصاصة من ورق مقوى ملونة و عليها صورة لطيفة... لا أكثر و لا أقل...
حاولت أن أقوم بنفس التجربة السابقة، علـّي أحظى هذه المرة بمعرفة تلك اللعنة التي سفـّهت كينونتي و حرمتني من أسرار الأنوثة و صفاء الروح، و تخيلتـُني و أنا أحمل جواز سفر من جنسية أخرى، ارتأى شابنا المتحضر المثقف الصالح أنها هي ما يعطي الفتاة جمالاً و أدباً، بل ماهية الأنوثة الكاملة لا تتمثل إلا بها. و أغمضت عيني محاولة ببؤس و يأس تصور طعم ذاك السحر المحرومة منه بسبب ما جناه عليّ جدي من سكناه بهذي الديار...
و يا للغرابة... إذ أني لم أستشعر شيئا على الإطلاق... و لم أتصور إلا ورقة بلون و صورة لطيفة أخرى...
و هنا استبدت بي الحيرة أكثر. لأنه إذا كان الأمر بمثل هذا السخف و السطحية، فما الذي يجعل شخصا على درجة عالية من المعرفة و الأدب و الورع يقيّم إنسانة بأكملها لا يعرف عنها شيئا و يزنها بـ 10سم و قصاصة ورق. ما المشكلة؟!!
و فجأة أدركت ما الأمر. فكل إناء بما فيه ينضح، و المرء عادة يزن الناس بما يزن به نفسه، و لا يرى فيهم إلا ما يراه في نفسه. يعني أني حين كنت أرى فيه علماً و خـُلقاً و كان يرى فيّ سمينة و قصيرة و سوريّة، كان مرد ذلك كله أني عبارة عن علم و خـُلق و لذلك كنت أقيسه بمقياسي. أما هو فلا يرى من قيمة لنفسه أكثر من كونه...
حفنة من السنتيمترات و قصاصة من ورق مقوى ملونة بلون آخر و رسمة لطيفة أخرى...
و من دونها هو لا شيء _على افتراض أن وجودها هو شيء أصلاً_ و لذلك كان يقيسني بمقياسه...
إذاً إذا أردتُ أن أعرف قيمة شخص في المرة القادمة فما علي إلا أن أنظر إلى الطريقة التي يقيّم بها البشر ففيها تكمن قيمته...
و إذ يأتي على ذهني النبي يوسف عليه السلام فهو و رغم كل السحر النبوي الذي يحتويه فقد قيـّموه بثمن بخس دراهم معدودة و كانوا فيه من الزاهدين، فلا عجب إن قـُيّـمْْتُ بـ 10سم و قصاصة من ورق...
و حينها فقط عدت إلى تأمل المرآة بإعجاب و أنا أحمد الله خمسة أضعاف ما سبق، فالحمد الأول لأنه جعلني مثل يوسف عليه السلام و الحمد الثاني لأني تعلمت درسا قيّماً، و الحمد الثالث لأنه وهبني علماً و خـُلقاً و جعله مقياسي و الحمد الرابع لأنه آتاني شكلاً جميلاً محبباً، أما الحمد الخامس فلأنه قد جعل شكلي اللطيف هذا يزيغ بظاهره بصر كل سطحي لا بصيرة له و يريح رأسي من مخالطته و يذبّه عني...
سلمى الهلالي 22/01/2007
|
||||
|
|
||||
|
|