الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> هرمان هسه: سيرة ذاتية

 

 

 

هرمان هسه؛ سيرة ذاتية

Herman Hesse's Biography

 

هرمان هسه سيرة ذاتية


لمؤلفها الألماني: هرمان هسه

Herman Hesse

 

هرمان هسه


ترجمة محاسن عبد القادر
مراجعة: محمد الفقير و محمد الحاج خليل
المؤسسة العربية للدراسات و النشر

 

أعتبره واحدا من أجمل الكتب التي قرأتها، و هو عبارة عن مقالات متفرقة عن ذاته كتبها هسه في سنوات مختلفة من حياته... فتراه فيها و هو شاب و هو كهل و هو عجوز سبعيني...
منذ أمد بعيد لم أقرأ كتابا يقرأني... يقرأ تلافيف دماغي... يتحدث بالمشاعر التي أود نطقها و لا أجد لها سبيلا... شيخ حكيم كانت تسكنه نفس الروح التي تسكنني...
سألتني إحداهن ما هي الثيمة الرئيسية بكتابات هسه حتى أحببته لهذه الدرجة؟
أخبرتها: العزلة الروحية الصوفية...
حينها سألت مستغربة: لا بد أنه عانى شيئا ما في حياته حتى آل لذلك؟
أجبتها: لا، هذه طبيعة... انحراف في المزاج... إنما نحن مجرد الشذوذ الذي يثبت القاعدة...

كم مريحٌ الشعور بأني لست وحدي و لست مختلفة... و مع أني ظننت أني كبرت على هذا الشعور فهو قرين بفترة المراهقة و الشباب الأولي، أعني الشعور بالرغبة بأن تُفهَم و يُقرَأ ما في داخلك... لكني أعترف أنه مريح جدا حين تصادفه...
كنت خائفة أن يخيب أملي بـ هرمان هسه.. أن تتهاوى كل الحكمة و الزهد الذي يبثه رواياته أمام حياة رجل حسي متعجرف تافه.. لكن أبدا... كل كتاباته ما هي إلا انعكاس لشخصيته... في كل رواياته نجد تلك الشخصية الشاعرة المتوحدة الحكيمة...
مو معقول هالبني آدم أديشو بنحب... مو معقول أديشو فهمان و عميق... مو معقول أديشو حكيم و راقي... و صدقا و من دون شعور مني لا أجدني إلا أحبه... لدرجة أني قبلت غلاف كتابه شاكرة...
في لحظة بت أفكر أن كل البشر في النهاية... كل البشرعلى اختلاف أجناسهم و طريقة حيواتهم سيتوصلون لنفس النتيجة لو أنهم تدبروا... لو أنهم نظروا إلى ما وراء الواقع... إلى ما وراء ظاهر الحياة الدنيا... و كلهم سيشهدون الإله الخالق الذي يتجلى وراء كل مافي الكون... فطرة الله التي فطر الناس عليها...
كلماته ملأت رأسي حتى الثمالة... و أحسب أن المرء عليه أن يحيا بطريقة معينة أو تكون له نفسية معينة حتى يفهم طريقة هسه في الكلام و يتفاعل معه... إذ الكثيرون لا يصلهم مُراده أو تلامسهم كتابته...
كنت أنهيته قبل عدة أيام... و لم أستطع البدء بكتاب جديد و هو يملأني... أردت الكتابة عنه و لكني لم أجد ما أقوله... لذلك خير ما أفعله هو أن أنقل لكم بعض المقتطفات فهي خير تعريف عنه...

"لم أعد أجد مهمتي، أو الأصح طريق خلاصي في مملكة الشعر المقفى أو الفلسفة أو أي شيء من مهن الاختصاصيين تلك بل أجدها ببساطة في إطلاق العنان لهذا الشيء الصغير الموجود في داخلي و المملوء حيوية و قوة، ليعيش حياته." ص94


"هناك لوم آخر تم توجيهه إلي، و قد التمست له عذرا. يقول الناس أني لا أملك أدنى حس واقعي. فالقصائد التي أكتب و اللوحات التي أرسم لا تتوافق مع الواقع. فغالبا ما يغيب عن بالي المواصفات التي يضعها القراء المهذبون للكتاب الملائم، و لكن بالنسبة لي يبقى الأكثر أهمية من كل هذا هو أنني حقا لا أكن احتراما للواقع. فأنا أعتبره آخر شيء يحتاج المرء أن يشغل نفسه به، فهو مضجر بما فيه الكفاية، موجود دائما، بينما توجد هنالك أشياء أكثر جمالا و أكثر أهمية تتطلب انتباهنا و اهتمامنا. الواقع هو الذي لا ينبغي لأي إنسان و تحت أي ظرف كان أن يهيم به و يرهبه، لأنه عرضي، و لأنه فضلات الحياة. و ليس من الحكمة أن نغير هذا الواقع الجائر المخيب دوما للآمال، العقيم، اللهم إلا برفضنا إياه و إثباتنا مع مرور الزمن بأننا أكثر قوة منه" ص96


"لا بد لي أن أسلم بهذا اللوم. فأنا أعترف بأن حياتي الخاصة كثيرا ما بدت لي كما الأسطورة، و كثيرا ما رأيت و شعرت العالم الخارجي و هو يتصل بتناغم مع عالمي الداخلي بطريقة لا يمكنني إلا أن أدعوها ساحرة." ص97


" و إني رغم كل الجهود التي بذلتها طيلة أعوام في الكتابة، لن أكون قادرا حقا على فهم العالم بعد الآن، بنفس القدر الذي أعجز فيه عن جعل نفسي واضحا له. حينما كنت أتطلع إلى نوافذ المخازن التي لم تكن تعرض أشياء يحتاجها المرء كل يوم لكن أشياء من الممكن تسميتها هدايا، و مواد كمالية، و أخرى عابثة، و ينتابني الرعب من غرابة هذا العالم. فمن بين مئات الأشياء، هناك عشرون أو ثلاثون فقط أستطيع أن أدرك بشكل مبهم غرضها و معناها و لِمَ تستعمل، و لا يمكنني أن أتخيل أن شيئا واحدا منها يستحق الاقتناء ... و لكن أية نزوة أو احتياج أو حالة روحية دفعت المزودين أن يتزودوا بهذه الأشياء الحمقاء و دفعت المشترين لابتياعها. هذا ما تلهفت لمعرفته و ما لم أستطع اكتشافه بأية وسيلة." ص160


"و كان نفس هؤلاء الأثرياء و المتأنقين الجالسين في هذه المقاهي و الذين تمنعهم موسيقى ذات عذوبة لزجة من الكلام، من التفكير، بل و تكاد تمنعهم من التنفس، و المحاطين بأجواء مثقلة بالترف، بالرخام و الفضة و السجاد و المرايا. نفس هؤلاء الناس يستمعون في المساء ببهجة ظاهرة إلى محاضرة عن البساطة النبيلة لأسلوب الحياة اليابانية، و تعلو مناضدهم في المنزل كتب أساطير النساك و مواعظ بوذا و قد طبعت على نحو جميل" ص161


"فالعيب في المقامرة (و تشترك المقامرة في هذا العيب مع استخدامات الكحول المقبولة بنفس الطريقة) يكمن فقط في أن كل الإثارة الممتعة تأتي من الخارج و هي إثارة آلية و مادية بحتة، و الخطر الكبير يتجلى عندما يضع المرء ثقته في آلية الإثارة الفعالة بثبات فإنه قد يهمل و يفقد في النهاية جهده الخاص، و نشاطه الروحي. فعندما يزج الإنسان روحه في فعل عبر الوسائل الآلية الصرفة لعجلة الروليت بدلا من التفكير، و الحلم، أو التخيل، أو التأمل، فسيكون الحال تقريبا مثلما يستفيد المرء من الحمام و مدلك الجسد و يكف عن بذل جهوده الذاتية في الرياضة و التمارين البدنية. و بنفس الطريقة تكون الإثارة في السينما، فهي تستعيض بإشباع العين المادي الصرف عن مساهمة المرء البصرية الفنية، و الإكتشاف و الإنتقاء، و الاحتفاظ بالذاكرة بكل ما هو ممتع و جميل، و ذلك كله يستند على الخدعة ذاتها" ص202


"الأشخاص المنهمكون في عمل منهجي، منظم ... لا يملكون أدنى فكرة عن الطرق الكسولة و الفوضوية و النزوية التي يمضي الشاعر فيها حياته المبهمة! و بلا شك يوجد شعراء واعون لواجبهم، يكرسون أنفسهم للعمل بنظام معين و بمثابرة ... أناس دربوا أنفسهم ليكونوا بلا إحساس تجاه الطقس و الإزعاجات الصوتية القادمة من الخارج و كذلك تجاه أمزجتهم الخاصة و كسلهم. أنا مستعد أن أحل أشرطة أحذية هؤلاء الأبطال الرائعين، و لكن أن أتشبه بهم فهذا بالنسبة لي عمل ميؤوس منه... أما فيما يخصني، فأنا أعتقد أنه لا يوجد شخص محترم و مجد يقبل مصافحتي لو عرف كم هي ضئيلة قيمة الوقت لدي، و كيف أبعثر الأيام، و الأسابيع، نعم، و الأشهر... فعندما أشعر بيوم أنه أجمل من أضيعه في العمل، أعامله باحترام بأن أذهب في نزهة على القدمين، أو أرسم بالألوان المائية، أو لا أفعل شيئا البتة... و من ناحية أخرى، و رغم أن العمل ليس هو غايتي الأساسية، و هو بغيض لي بشكل جوهري، تبقى المشقة في أن تكون على استعداد مستمر للعمل هي في نظري التزام مهيب. و هكذا، فأنا أملك وقتا لفعل لا شيء، و لكني لا أملك وقتا للرحلات، و للأمور الإجتماعية أو الصيد أو غيرها من الأعمال اللطيفة – كلا ينبغي أن أكون دائما قرب غرفة عملي، وحيدا، دون إزعاج، و مستعدا في أية لحظة للمهمة المحتملة." ص 240-241

"فالأشخاص الذين على شاكلتي يقنعون بالقليل و في نفس الوقت نفسه بأسمى الأشياء فقط. فوسط الألم و اليأس و القرف المكتوم من الحياة، نستمع دائما و من جديد لوهلة قدسية، إلى كلمة نعم جوابا لتساؤلنا عن معنى هذه الحياة، التي يصعب احتمالها _ رغم أننا في اللحظة التي تليها بالضبط قد يهزمنا الفيض المعتم ثانية و يغمرنا _ و بذلك نتمكن أن نعيش لزمن ما لا لمجرد العيش و تحمل الحياة فحسب، بل أن نحبها و نتغنى بها." ص267
 

 

سلمى

4/12/2008

 

هذا و قد قرأت حتى الآن معظم أعمال هرمان هسه بما أنه روائيي المفضل... سأتحدث عنهم أكثر في مرات مقبلة إن شاء الله

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali