الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  ما يشبه الاعتذار للكتب

 

 

ما يشبه الاعتذار للكتب

 

 

 

ما برح ضميري يعاتبني بين فينة وأخرى مذ سكت عن أحاديث الكتب، فأغالبه تارة ويغالبني، لكن زادت وتيرة عتابه مذ أنهيت كتاب (المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن) لمحمد حسن حسن جبل، الكتاب الذي يُكتفى بمدحه بقول "ذاك الكتاب" دون مزيد، فقد حاز كل محاسن اسم جنسه، والذي قررت جعله الجواب عن تلك الأسئلة العسرة عن كتابك المفضل أو الذي ستأخذه معك فيما لو رميت في جزيرة نائية... ثم ابتدأت بكتاب (المرجع في تاريخ علم الكلام لمحررته زابينه شميتكه) الكتاب الذي كنت أحلم بقراءته منذ كان في لغته الانكليزية فاستصعبت الأمر ولم أفعل، فأهدى إلي أحد الأفاضل ترجمته التي صدرت بغلاف بديع بديع لمنمنمة شرقية اختارته دار نماء، فبدأت قراءته ويا لها من مبينة لغة المترجم أسامة شفيع السيد... فقال ضميري: أن يا سلمى في نهاية المطاف ستصمتين عن كل هذا الجمال كما فعلت مع من سبقه من الكتب الجميلة، يا حرام يا سلمى! أو قال شيئا من هذا القبيل، فالضمائر كما تعلمون لا تلتزم بحدود اللغة في مناجاتنا فالمعاني ها هنا في الداخل تتدفق حرة عن أسر الكلمات والعبارات، وضمائرنا تعلم كيف تبث ما يوجعها في أي مشهد نشهده لتطلسه به وتفسده علينا...
وحصل أن قابلت صديقتي القارئة النهمة فسألتني عن آخر ما أنهيته من الكتب، فقلت لها المعجم الاشتقاقي المؤصل، _وأعترف أني لا أحب الحديث عن المراجع التي أقرؤها لأني أعتبرها مثل السماء والأرض في أي مشهد، فهي من طبيعة الأشياء، شيء سيكون موجودا دائما هناك حتى لو لم يلحظه أحد، لكني فعلت لأني كنت سعيدة جدا بإنهائه وقد استغرقني ردحا من الزمن، فهو كما تعلمون "ذاك الكتاب" الذي سآخذه معي للجزيرة النائية إياها، أو ربما لأني كنت متقاعسة عن القراءة فلم أنه سواه وبالكاد فعلت!_ قالت لي: ولكن لا أحد يقرأ المعاجم! فأجبت بخجل: ولكني أنا أقرؤها... وتذكرت حينها من كان له الفضل في تعريفي أن المعاجم تُقرأ... فحين راح السيد ممدوح رحمه الله يتصبر على مرضه بقراءة القاموس، قالت له زوجته السيدة فاتنة: وهل هناك من يقرأ القاموس؟ فقال لها: إنما هو أم العلوم... وحين علمت بهذه الواقعة بينهما قدحت في ذهني قراءة المعجم لأحوز على أم العلوم أنا أيضا... فكان معجم جبل خير خيار عثرت عليه، وإن كان خامل الذكر للأسف... مما حدا بصديقتي لأن تعاتبني لتنكري للكتابة عن الكتب سيما وأني اعتدت ذكر ما قل ذكره من كتب...
بقيت أفكر بكلامها حتى شعرت بأن ضميري يمنعني من النوم إن لم أعتذر على الملأ لكل الكتب التي قرأتها ولم أوفيها حقها بالكلام عنها... وحين جلست لأكتب، فكرت بتعقل مرة أخرى، هل كانت كتبي ستعتب علي وهي تعرف طبعي السلحفائي، وأني لا أكاد أخرج رأسي للعالم متأنية متوجسة حتى أعاود الغوص في قوقعتي والمكوث فيها، فهذا هو طبع السلاحف على أية حال! وأنى لكتبي أن تعتب وهي لا تختلف عني في سكونها وانزوائها، أعني لو أني كنت أقرأ كتب الأدب والشعر فربما كانت لتعتمل نفسها مني، فطبعها من المشاعر المندفعة والحياة المتقلبة تأبى إلا أن تعلن عن نفسها بهدير دفقها تطالب الاعتراف من الآخرين ومني! بعكس المطولات من المعاجم والمراجع وبعض الدراسات التي تنساب في الحياة بهدوء، تنتظر في الأرفف لسنوات لا تتململ من طبقات الغبار وهي تعلوها، ولا من زهد طلبات تحميل ملفاتها... ترقب القراء يغدون ويروحون أمامها متأملة بتكاسل تخطيهم المعتاد لها... و رغم محاولات دفعها للأضواء من قبل ناشرها بتغيير جلدها الكلاسيكي، أو اقتطاع مقتبسات وعرضها في الصفحات، ما كان ذلك ليغير من طبعها الساكن ولا قدرها المثقل الجاد... قانعة بذاك القارئ السلحفائي المثقل كإياها والذي يحتاج رتابتها لترتيب كينونته، وجفافها لتخفيف جيشان قلبه... والكتب على أشكالها من القراء تقع... فعلام العتب!
حسنا للأمانة البحتة هناك احتمال أن لا يكون هذا شعور تلك الكتب تماما... ولكن دعونا لا نفكر به، وندعي عدم وجوده... المهم ما أود قوله أني شاهدت فيلما جميلا عن الكتب... (The Bookshop) كان يا ما كان أرملة طيبة حالمة عاشقة للكتب تقرر فتح مكتبة صغيرة، وكان هناك قارئ مسن غريب الأطوار يعيش في قصره وحيدا مع كتبه بلا أغلفة صور مؤلفيها، وكان هناك سيدة أرستقراطية متسلطة لا تحب التغيير، وكان معهم في قصتهم فتاة صغيرة ثرثارة تكره الكتب وشعرها مجعد، عاشوا كلهم جميعا يوما في بلدة إنكليزية عتيقة تضمر غير ما تظهر... فيلم لطيف ودافئ بنفس كلاسيكي وطبيعة ساحرة ولمسة طفولية وكثير من الكتب... حتى لو أنها ليست من نوعية الكتب المتثاقلة التي تشبهني فلم تعاتبني طبعا... رغم أني مقصرة في الحديث عنها!

يا للتقاعس!
 

 

--


 

سلمى

تموز 2018

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali