الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  الكتابة والشفوية في بدايات الإسلام

 

 

الكتابة والشفوية في بدايات الإسلام

 

 

 

 

هذا الكتاب يتصدى فيه غريغور شولر بأسلوب مميز وبدقة بحثية للكتابة عند المسلمين منذ القرن الهجري الأول وعلاقتها بالنقل الشفاهي لديهم...
منذ البداية يخبرنا أن العلاقة بين الشفوية والكتابة قد وقع فيها خلط مما أدى إلى قراءات غير مقبولة ومبتسرة من قبل بعض الباحثين الغربيين وأيضا النقاد العرب المعاصرين! وهو قد حاول الإحاطة بهذه الإشكالية من كل جوانبها من خلال أبحاثه التي استغرقته عشرين عاما، ليخرج لنا بهذا الكتاب، والذي هو رغم صغر حجمه إلا أن الجهد والأفكار فيه تعطي فكرة جيدة وتصورا متماسكا عن المسألة...
يقول:
(والنتيجة التي توصلت إليها هي أنه لحل هذه المسألة يجب التخلص من ثنائية شفوية/كتابة، وتبني أطروحة شبرينغر والتي تقول كما سبق أن رأينا، بضرورة التمييز بين الكتابات المدونة خلال الدروس والدفاتر المستعملة في سياق تعليمي محض والكتب كاملة الشكل والمبنى.) ص25
وهكذا يفرق بين شكلين من الكتابة، وهذا التفريق هو محور فهم فكرته، يقول:
(تتوفر اللغة اليونانية على مصطلحين مختلفين يتيحان لنا التمييز بوضوح بين هذين النوعين من الكتابة، هناك من جهة هيبومنيما (ج هيبومنيماتا) وهو يتعلق بكتابات خاصة تهدف إلى تسهيل عملية الحفظ، أو بمسودات، وهناك من جهة أخرى، سينغرامّا (ج سينغرامّاتا)، ويتعلق الأمر هنا بكتب ذات شكل كامل ونهائي ألفت طبق قواعد معينة قصد النشر الأدبي (إيكدوسيس). هذا في حين أن اللغة العربية تستعمل مصطلحا واحدا، وهو كتاب، للتعبير عن كل أنواع الكتابة كيفما كانت: مدونات، مسودات على شكل دفاتر، عقود، كتابات منحوتة فوق الحجر، والكتاب بمفهومه الضيق.) ص47
والمسلمون كان اعتمادهم الأول والأهم على الحفظ والراوية مشافهة، ولكن كان لهم كتابات من نوع المسودات والكتابات الشخصية وكراسات لأغراض تعليمية غير معدة للنشر (هيبومنيما)، كما ورد في كثير من الآثار عن الصحابة والتابعين، وليس فقط كتابة القرآن الكريم كما هو معروف عن كتّاب الوحي، بل أيضا هذا يشمل الحديث والتفسير والسيرة... ولكن الكتابة كانت تعد أقل شأنا وأهمية من الحفظ، بل كان من أساليب المدح والتوثيق لعالم ما بقوة ذاكرته أنه ما كان يحتاج النظر في الكتب _مع أنها عنده كما يفهم من سياق الكلام_.
الكتاب لا يتطرق فقط لتدوين القرآن والأحاديث بل أيضا للشعر والأدب والسير والتاريخ والنحو ونشوء علوم أخرى مع التقدم في الزمن... ويتطرق للرسائل وكيف تطورت لتصير كتبا معدة للتداول العام، وأيضا لعلاقة البلاط وشغفهم بالعلم ووظائف الدولة من دوواين وقضاء لتشجيع الكتابات ذات الشكل النهائي التي تصلح للنشر (سينغرامّا)... فالكتاب رصد لظاهرة الكتابة بشكل عام منذ فجر الإسلام...
والكتاب يجعلنا نفهم آلية ظهور الكتب الرائدة في مجالاتها في التراث الإسلامي، مثل صحيح البخاري مثلا، الذي لم يكن ظهورا مفاجئا للحديث مكتوبا بينما من قبله كانوا مكتفين بالرواية الشفهية حتى ابتدع الكتابة هو، كما يظن البعض! فالكتابة كانت منذ البداية مترافقة مع المشافهة في منزلة دونها لتخدمها، ومرت بمراحل حتى خرجت من نطاقها الضيق للشخص أو تلامذته أو من يراسله، إلى فكرة التدوين والكتاب المعد للتداول على نطاق واسع...
 

الكتاب أعجبني كثيرا، وهو جهد طيب ومنصف من باحث غربي، ولكنه لا يخلو من أخطاء، مثلا قد أورد أثرا ينسبه لرسول الله عن لحن في المصحف، بينما هو حقيقة أثر مروي من أقوال عثمان رضي الله عنه ولم يرفعه أحد لرسول الله، وهو فوق هذا يعتبر أثرا باطلا عند العلماء لا يحتج به لاضطراب سنده ومتنه. (يمكن مراجعة في هذا السياق التعليق الطويل لمحب الدين واعظ عن هذا الأثر ونقولات علماء الحديث في نقده سندا ومتنا، في ثنايا تحقيقه لكتاب المصاحف للسجستاني).
 

المؤلف غريغور شولر، هو باحث ألماني مختص بالدراسات الإسلامية وأستاذ مدرس لها في جامعة بازل، من مواليد 1944، وكتابه هذا عبارة عن محاضرات قد ألقاها في باريس وأعاد صياغتها... وهو قد بيّن منذ بداية الكتاب منهجه من اعتبار نفسه من تيار الباحثين الغربيين الذين يعتمدون في دراستهم على المصادر الإسلامية، وأن الروايات حين تتعاضد فيمكن اعتبارها كوثائق علمية وليس مجرد مرويات... على خلاف تيار الغربيين الآخر من المشككين الذين يرفضون هذه المصادر... ومن الواضح الجهد الذي بذله في سبر المراجع، بشكل يثير الإعجاب... ولذلك كله أتت أطروحة الكتاب قليلة الثقوب المسدودة بالتخرصات والافتراضات...


كتاب ثري وأسلوب ممتع، والترجمة جيدة...


في النهاية أريد أن أذكر معلومة صغيرة ذات صلة بموضوع الكتاب، أن من علماء المسلمين الذين كتبوا عن تدوين السنة العالم الهندي محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) قد عدّ فيه 52 صحابيا ممن كتبوا عن رسول الله أحاديثا أو كُتب عنهم مباشرة، لأغراض كثيرة ومناسبات عدة... وفصّل الكلام بتدقيق عنهم وذكر المرويات التي وردت بهذا الشأن وتمحيصها على مدى 94 صفحة من كتابه... والكتاب متوفر على الشبكة... وهو وجهتي التالية إن شاء الله... حيث أنه فيه تفصيل لمسائل كثيرة... وقد تطرق فيه لكيفية فهم النهي الوارد عن كتابة غير القرآن، من كونه في بداية الدعوة، ثم نسخ، والنهي حينها عن جمع كتابة القرآن في نفس الصحيفة مع أي كتابة أخرى، لئلا تختلط معه... و
تطرق أيضا لمناقشة كثير من أقوال المستشرقين في هذا السياق...

 

 



مطلع سورة طه من مخطوطة برمنغهام من أقدم مخطوطات القرآن (والتي يحتمل معاصرتها للرسول صلى الله عليه وسلم)

 

--

الكتابة والشفوية في بدايات الإسلام Ecrire et transmettre dans les débuts de l'Islam

لمؤلفه الألماني: غريغور شولر Gregor Schoeler

ترجمة: رشيد بازي

المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 2016

 

سلمى

6 أيلول 2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali