الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  معجم الشيخة مريم؛ ست القضاة أو أم عيسى؟

 

 

معجم الشيخة مريم؛ ست القضاة أو أم عيسى؟

 

 

 

 

المصنفات التي كتبتها النساء في تاريخنا الإسلامي قليلة، رغم كثرة المحدّثات والعالمات والشاعرات اللواتي حفظت الكتب أسماءهن... ويرجع أحد أهم الأسباب إلى تفضيلهن العلم بالمشافهة لسهولة مؤونة الكلام على الكتابة التي تحتاج لتفرغ أكبر مما كان متوفرا لامرأة في ذاك العصر، وهو الأمر الذي ذكره محمد خير رمضان يوسف في كتابه (المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي)... من هذه المصنفات القليلة التي وصلتنا وطبعت (معجم الشيخة مريم)... وهو يدور في فلك الرواية الشفهية على أية حال...
المعجم حسب اصطلاح المحدثين: هو الكتاب الذي ترتب فيه الأحاديث وفق شيوخ المصنف... والكتاب عبارة عن ذكر لشيوخ وشيخات مريم المحدّثة الذين تلقت منهم وعددهم 283 شيخا من بينهم 28 شيخة، مع تعريف بسيط بهم وبأعمالهم ومحفوظاتهم وإجازاتهم وسنة وفاتهم، من دون ذكر كثير تفاصيل عنهم، مع ذكر هذه الأحاديث التي أخذتها منهم بأسانيدها، ومن دون حتى مقدمة للكتاب تعرف فيها عن نفسها أو عن كتابها... والكتاب أخرجه ابن حجر العسقلاني وكتبه بخطه كما ذكر المحقق في بداية الكتاب...


الكتاب نسبه المحقق لست القضاة مريم، وهي مريم بنت عبد الرحمن النابلسية الحنبلية المدعوة بـ ست القضاة... وهي من العالمات بالحديث. حدّثت في نابلس ودمشق في القرن الثاني عشر الميلادي... توفيت بنابلس 1357م، 758هـ... ولكن الغريب أن الكتاب يشتمل على سني وفاة لعلماء بعد وفاتها!!! فكيف أدرجت سني وفاتهم هذه، أم أن ابن حجر هو من فعل هذا؟
بعد البحث قليلا في الشبكة وجدت في (منتدى الألوكة العلمي) أن هناك من يخطّئ نسبة الكتاب إلى مريم ست القضاة، ويقول أن الصواب أن ينسب لمريم بنت أحمد الأذرعي أم عيىسى، أصلها من أذرعات (أي درعا)، وهي متوفاة سنة 805 هـ، أي بعد مريم تلك بحوالي نصف قرن، وقد عاشت أربعا وثمانين سنة. كانت سمعت من كثير من العلماء من مصر ودمشق، كما سمع منها ابن حجر العسقلاني، وذكر ذلك في كتابه (إنباء الغمر بأنباء العمر) وأنه قرأ عليها الكثير من مسموعاتها وأشياء كثيرة بالإجازة، وقال:
(خرّجت لها معجما في مجلدة [...] ونِعم الشيخة كانت دينا وصيانة ومحبة في العلم، وهي آخر من حدّث عن أكثر مشايخها المذكورين). (2/ 254) ولكن الغريب أن في المعجم بعض شيوخ قد توفوا قبل ولادتها بعشر سنوات، وكأن هناك خطأ في بعض التواريخ! بل حتى هناك خطأ في تاريخ وفاتها على غلاف الكتاب يختلف عن داخله! وللأسف أن المحقق لم يدقق النظر في كل هذه الملاحظات!
 

أما محمد رمضان خير يوسف في كتابه (المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي) فقد ذكر كلا المريمين، وذكر لكليهما معجما خرّجه ابن حجر! أما الأولى فهي مريم أم عيسى نقلا عن كلام ابن حجر نفسه في كتابه إنباء الغمر، وأما الثانية فهي مريم ست القضاة نقلا عن كلام محقق معاصر لأحد الكتب! ص93-96
 

وحقيقة الأقرب للمنطق أن يكون هذا المعجم لمريم أم عيسى الأذرعية، لأن ابن حجر صرح بتخريجه لمعجم لها في مجلدة، كما ذكر أخذها من بعض شيوخها الموجودين في المعجم أيضا، بينما ذاك المحقق قد كان وهم (كما ذكر صاحب مقال الألوكة أيضا)...

 

أما يوسف المرعشلي صاحب كتاب (معجم المعاجم والمشيخات والفهارس والبرامج والأثبات) فقد نسب المعجم لمريم أم عيسى الأذرعية المتوفاة سنة 805هـ، ولقبها بالشيخة الحرة، والذي خرجه ابن حجر (1/ 493 )...
 

أما لفظ "ست القضاة" فهو ما جرني لقراءة الكتاب ابتداء، فما نبهني لمثل هذه الألقاب هو بحث بعنوان (الأدبيات الشرعية والفقهية من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر) لـ خالد أبو الفضل في (موسوعة النساء والثقافات الإسلامية) لدار بريل الهولندية، تحدث فيه أبو الفضل عن درجة "ست الفقهاء" وأنه لقب شرفي يرمز للأستاذية في الفقه! (1/ 109). هذا الكلام استوقفني، إذ لا يبدو دقيقا، فهو يحتاج لبحث أكثر! فهل كان هو لقبا شرفيا يرمز لمكانة علمية محددة، أو لقب شرفي بشكل عام لا علاقة له بالدرجة العلمية، أو مثلا لقب شرفي لصلة قرابتها بأحد الأعلام مثلا، أو حتى نوعا من الأسماء الدارجة حينها؟ مثل شمس الدين وصلاح الدين وركن الدين، وغيرها... وحين عودتي لكتاب (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) لابن حجر وجدت أنه صنف لمجموعة من الستات تحت حرف السين، ويبدو أن هذه الألقاب كانت مشتهرة حينها، بل كثيرات لم يعرف لهن اسم سوى هذا، مثل: ست الأهل بنت علوان البعلبكية، ست البنين بنت محمد البعلية، ست الخطباء بنت السبكي، ست الشام بنت أبي صالح، ست العبيد ابنة عمر الدنيسري، ست العجم بنت أبي الوليد الدربندي، ست العرب بنت سيف الصالحية، ست العلماء شيخة رباط درب المهراني، ست العيال بنت أحمد، ست الفقهاء بنت الخطيب، ست القضاة بنت محمد الصيرفي، ست الناس بنت أبي الذكر الدمرادي، ست النعم بنت نجم الدين الحراني، ست الوزراء بنت عمر الدمشقية، ست الوفاء بنت محمد بن إبراهيم.(2/ 125ومابعدها)


ومن هذه الستات قادني البحث لست القضاة مريم، ومنه للمعجم هذا... وجدير بالذكر أن ابن حجر ذكر ست القضاة هذه تحت اسمها مريم وليس تحت اسم ست، لأنه ذكر أنها تلقب بـ قضاة في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة 4/ 345)، أما ابن العماد في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب 8/ 319) فذكر لقبها بأنه ست القضاة... ومن ثم فليس هناك معلومات أكثر عن هذه الألقاب أو الأسماء من كونها رتبا علمية أم تسميات دارجة أم تشريفا عاما...
 

على أية حال، الكتاب ربما يفيد الباحثين أكثر من قارئ عادي، فليس فيه كثير كلام زيادة عن مرويات الشيوخ والأسانيد، وإن أكثر ما استمتعت به هو البحث عن من تكون مريم هذه وتتبعها، وبفكرة كوني أقرأ كتابا لامرأة من جداتنا، تلقي الضوء بشكل غير مباشر على عصرها، والذي ينبئك عن الحال العلمية التي كان عليها وضع بلاد الشام في تلك الفترة وخاصة دمشق، وكأنها خلية نحل، في كل ركن وزاوية عالم أو عالمة يلقي درسا، بل ولكثرتهن أيضا في هذه الفترة فقد احتمل وقوع خطأ بنسبة هذا الكتاب لهذه عوضا عن تلك... عسى أن تعود الشام خيرا مما كانت في تلك الأزمان... وما ذلك على الله بعزيز...
 


 

 

--

معجم الشيخة مريم

لمؤلفته: مريم بنت عبد الرحمن ست القضاة (والأصح أنه لـ مريم بنت أحمد أم عيسى الأذرعية)
تحقيق: محمد عثمان

مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 2010

 

 

سلمى

19 أيار 2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali