الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين

 

 

التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين

العضد الإيجي والسعد التفتازاني والشريف الجرجاني: نماذج

 

 

 

 

هذا كتاب عظيم ومجدد في مجاله العسر، يفتح رحاب الأفق تجاه الظاهرة اللغوية ويبرز ثراء فلسفة اللغة في تراثنا الإسلامي، وينفض الدماغ نفضا... يتصدى فيه أستاذ علوم العربية الأردني عماد الزبن للأفكار اللسانية عند ثلاثة من علماء العقليات المسلمين قليلي الذكر خارج ذوي الاختصاص، مستخرجا إياها من كتبهم... بادئا بمقدمة تشرح عناصر العنوان وسبب اختياره للبحث:
أما التفكير اللساني: فهو التفكير باللغة من حيث كونها لغة، بمعنى أنه بحث في المقولات اللسانية الكلية أو الظاهرة اللغوية (أو فلسفة اللغة) التي قررها العقل اللغوي عند هؤلاء العلماء.
أما معنى علماء العقليات: أي أنهم المشتغلون بتقرير المجردات العقلية والقضايا التي تثبت بالدليل العقلي ولا تتوقف على النقل فقط، وهم المشتغلون بعلوم الكلام وأصول الفقه والمنطق والفلسفة الخ...
أما العلماء الثلاثة المذكورين الذين اختارهم لدراسته فهم مرتبطون ببعضهم البعض من علماء القرن الرابع عشر الميلادي:
عضد الدين الإيجي ت1355م أصولي وفقيه شافعي ومنطقي ونحوي وعالم بالبلاغة ومتكلم من علماء الأشاعرة
وتلميذه سعد الدين التفتازاني ت1390م وهو أيضا كأستاذه الإيجي فقيه وأصولي ومتكلم، أخذ منه العلوم، وكان بينهما حوارات ومناقشات.
والثالث هو السيد الشريف الجرجاني ت1413م عالم كإياهما بالأصول والفقه والمنطق والفلسفة والكلام، وكان كثير التعقيب في كتاباته على التفتازاني مناظرا إياه، كما أنه أيضا كتب حواشي على الإيجي... وحواشيه كانت بمثابة رقعة للمطارحات الفكرية، بينه وبينهما... وهذا ما حدا بالمؤلف ليجمع بين الثلاثة...
 

الزبن عمد لاستخراج هذه القضايا اللغوية من كتب هؤلاء الثلاثة في الأصول أو المنطق أو غيرها والتي لم تكن مكرسة للنحو، وهذا ما جعله يكشف لنا عن دقائق فلسفية لسانية لهم غير مشتهرة... وهذه أماكن قليلة الولوج إليها من قبل الباحثين العرب المعاصرين المهتمين بالنظريات الغربية في دراساتهم دون الانتباه إلى ما في تراثهم...
والزبن حين استخرج هذه القضايا وأنظارهم فيها وقدمها، كان حريصا على إبراز الجوانب اللسانية فيها، وهذا ما جعلني أثمن الكتاب أكثر، وإن كان هو ما جعله أكثر تعقيدا لكثرة تجريده... وبفعلته هذه قد وضع نقاشاتهم ضمن النقاشات الحديثة للظاهرة اللغوية في العالم، مقارنا إياها بغيرها في مواضع... ولم يكن دافعه لهذا _كما أكد_ هوس إثبات السبق وما إلى ذلك، بل كان مهتما بوضع أنظار هؤلاء العلماء بمكان يليق بها ضمن خارطة الإسهام البشري في هذا المجال للاستفادة منها والبناء عليها... وأيضا إعادة لإنعاش حالة الفكر اللساني العربي المعاصر المأزوم بالاكتفاء بالاستهلاك ودفعه نحو الإسهام في الإنتاج...
 

لبثت ستة أشهر وأنا أتلذذ به ببطء شديد لكثافة قضاياه وحاجتي لهضمها والتفكر فيها ولصعوبة عرض بعضها... وفيما يلي بعض الأفكار:
- من القضايا التي يناقشها الكتاب، نشأة اللغة ومقولة التوقف في البت بالأمر التي اختارها هؤلاء الثلاثة لعدم كفاية الأدلة، وقضية الاعتباطية أو المناسبة بين الدال والمدلول في اللغة، ومقولة الوضوح والخفاء في الدلالة وأسبابها، وقضية اللفظ والمعنى والعلاقة بينهما، وقضية الدلالة والإرادة لدى الباث والمستقبل، وقضية الكلام بين الإرادة والقدرة، وقضية الكلام النفسي وعلاقته بالحسي، وعناصر الكلام الحسي كالصوت والحرف، وأخيرا قضية التأويل وما يندرج تحتها من وسائط وقوى النفس التي تشترك فيه، وقوانين التأويل وضوابطه فلا إفراط تحجير النص ولا تفريط التأويلات الفاسدة التي ترفع الأمان عن النص، فيغدو التأويل مطلق قراءة لا فهم النص... وجدير بالذكر أن بعض هذه القضايا مما مرت علي مسائله في أصول الفقه، لكنه أبرز الوجه الفلسفي فيها، بحيث يمكن إسقاطها على أية لغة... ولذلك الكتاب يحتاج لخلفية حول بعض الاصطلاحات، وإن كان المؤلف قد وضع كشافا لها في نهاية كتابه...


- في الكتاب ملمح لافت للنظر، وهو كيفية قراءته المميزة لحدث بارز في التاريخ الإسلامي... فهو يبرز لنا كيف أن جدال علماء الكلام حول كلام الله، قد أدى لتطور كبير في المباحث اللسانية عند الأشاعرة في جدالهم الطويل مع المعتزلة النافين له، فيقول:
(وهؤلاء العلماء تعمقوا في المسألة إلى هذه الدرجة من التفريع والتدقيق، والذي أحوجهم إلى هذا التعمق مباحث صفة الكلام بحق الله، وقادهم الجدال العميق مع خصومهم العقلانيين في طبيعة صفة الكلام بحق الله، إلى تشجير المسألة والتعمق فيها [...] وكان من لوازم هذه المطارحات العقلية، أن يقدم هؤلاء العلماء تصورا وافيا عن ظاهرة الكلام، ليتسنى لهم بعد، أن يجروا عملية سبر وتقسيم عقلي، ينماز بها الكلام الرباني عن الكلام الإنساني. [...] والحق أن علماء العقليات الأشاعرة رفدوا البحوث اللسانية بتبصرات عميقة، لست أبالغ إذا قلت: إنها تدنو في كثير من جوانبها من دقة الدرس اللغوي الحديث، ولست أغامر إذا قلت: إنهم أسسوا أنظارا لسانية ذهب صيتها من بعدهم في الغرب وأوروبا، من خلال بحوثهم في الربط بين الكلام الحسي والكلام النفسي، وغاية الأمر أن الدرس اللغوي عندنا، معاشر العرب لم يلتفت إلى حصيلة أنظار علماء العقليات المسلمين بقدر كاف، ولم تحكمه شمولية التبصر اللساني في أغلب تطبيقاته؛ فجاء فقيرا في هذا الإطار.)...
 

- في مسألة الخوف من التأويل تطرق بسطرين لمنع التأويل المجازي في اللغة عند ابن تيمية، وهذان السطران لم يكونا كافيين لتبيين أن فلسفة ابن تيمية المختلفة عن جمهور العلماء ذات وجاهة، وقد كنت قرأتها مقارنة بما عند الجمهور في كتاب (علم التخاطب الإسلامي) _وهو كتاب عظيم بالمناسبة_ للأستاذ محمد محمد يونس علي، وحسب ما فهمت المسألة فإن الجمهور يقول بأن للكلمات معنى وضعي في أصل اللغة و هو المعنى الحقيقي و هو أول ما يؤول به الكلام، فإن وجدت قرينة تصرف عن المعنى الحقيقي فحين إذن تصير مجازا... أما ابن تيمية يقول بعدم وجود معنى وضعي للكلمة خارج السياق هكذا بشكل مجرد، فالمعنى يعتمد على السياق و هو الذي يحدده و بالتالي فليس هناك حقيقة و مجازا و إنما عدة معان حقيقية... فالمجاز قائم _بحد تعبيره_ على دعوى زائفة تفترض وجود معنى وضع للكلمة سابق لاستعمالها، و لكن ليس هناك من وضع دون استعمال...  وهذا اختصار مخل للمسألة طبعا... ولكن أمثال هذه المقارنات تعطي بعدا آخر للنظر... ولذلك سيكون أمرا رائعا توسيع دائرة المقارنة بين مجموعة أكبر من العلماء في هذه المسائل من التراث، وأيضا من العلماء الغربيين في العصر الحديث... والشيء بالشيء يذكر أن الكتاب الذي دفع الزبن لتأليف كتابه هذا، هو كتاب (التفكير اللساني في الحضارة العربية) لـ عبد السلام المسدي، وكان يفترض أن أبدأ به لأنه الأعم وكتاب الزبن هو الأخص... ولكني لم أنتبه له إلا من خلال كلام الزبن عنه...
 

- ربما أكثر ما رافقني أثناء قراءتي للكتاب هو الذهول بأمر اللغة... هذه المعجزة التي لن تقتلها العادة... ليس أنها وسيلة للتواصل أو أن الإنسان يفكر عبرها وهي حدوده، بل أنها هي بحد ذاتها بنظامها المعقد معلم للإنسان تساعده على التفكير المنظم... فهي التي تنشئه وليس هو الذي ينشئها كما يتوهم... كيف يتعلم المرء من طفولته اللغة بسلاسة، يمتلكها وهو لا يدري شيئا عن كنهها! شأنها شأن الكون، يتعلم منهما عبر محاكاتهما... كيف يتعلم الإنسان مما لا يعلمه! وهذا جعلني أتساءل أن كيف لتلك النظريات التفكيكية التي أبادت المؤلف ورفعت الأمان عن اللغة وحولت النص لبعبعة حيوان يهذي لا ينطق بمقصد، أقول كيف لها أن تستشعر كل هذه الهيبة في اللغة! أو تكشف عن نظامها البديع!
بل كيف يعلم القرآن الإنسان لا من خلال معانيه وأفكاره فقط، بل من خلال بنيته في التعبير والتركيب وكيفية استخدامه للغة أيضا! وكيف يبدو التسرع في التأويل الذاتي اللامنضبط للآيات مفسدا، ليس لتحريفه الكلم عن مواضعه فقط، ولكن أيضا لأنه يحجم محاولة الدماغ للارتقاء، فلا يخرج عن الدوران حول نفسه، فبدل محاولة التحرك من موقع المتأمل الحالي صعودا نحو النص القرآني لفهم التركيب ومحاولة الكشف عن مقصد النص بكل الوسائل اللغوية وغير اللغوية الممكنة والتأمل بكيفية الصياغة بل بالظاهرة اللغوية نفسها، فإنه يتم تقزيم النص وإعادة إنتاجه ليناسب مستوى فهم المؤول ويعكس صدى أناه... وأنى التطور حينها!
وما لبثت أفكر كيف أن كل هذه التأملات اللسانية في تراثنا قد نشأت من خلال التفكر في القرآن الكريم... وما زال
"لا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه"...
 

كتاب التفكير اللساني هذا كتاب يزيد الإيمان بالله... سبحان من خلق اللسان وأودعه الإنسان!

 

 

--

التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين؛ العضد الإيجي والسعد التفتازاني والشريف الجرجاني: نماذج

لمؤلفه الأردني: عماد أحمد الزبن

دار النور المبين، عمان، ط1، 2014

 

سلمى

22 نيسان 2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali