الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  التأويل سؤال المرجعية ومقتضيات السياق

 

 

التأويل سؤال المرجعية ومقتضيات السياق

 

 

 

في هذا العصر زاد الصراع حول التأويلات، وبات التأويل أحد أساليب الهيمنة على الواقع، وأحد طرق امتلاك النص بل وتغييره أو التخلص منه. ونظرا لأهمية الأمر سيما حين يتعلق الأمر بالقرآن الكريم، وازدياد موجة من المستغربين الذين يمارسون كافة أشكال نظريات التأويل على النص القرآني انطلاقا من المعايير الغربية لإنزالها على القرآن قسرا، مما أوقعهم في كثير من الأخطاء النظرية والكوارث المنهجية التي قتلت سياقه وغيبت مقاصده، كان هذا الكتاب الذي ناقش ظاهرة التأويل بشكل عام وتأويل القرآن بشكل خاص... ناقشها من جوانب عدة، تاريخيا وحاضرا، وتطور المفهوم، وإن كان تركيزه الأكبر على تأويل العصر الحديث وتياراته المعاصرة... الكتاب محاولة لوضع الأمور في نصابها والتأكيد على الضوابط والمنهجية المنسجمة مع طبيعة النظام المعرفي الإسلامي.

هذا الكتاب الضخم هو أبحاث مجموعة من الباحثين المختصين بالدراسات الإسلامية واللسانية من نشر الرابطة المحمدية للعلماء... وقد أعجبني كثيرا، ومعظم الأبحاث وجدتها ممتازة، والبعض فقط لم يرق لي...

وفيما يلي بعض الأفكار المتفرقة بعضها من الكتاب وبعضها خطرت لي:
- قبل سنوات عديدة وحين انتبهت كيف يمكن أن يجرف تأويل نص ما إلى إبطاله أو حجبه، فكرت متسائلة أن لو كان هناك سلسلة تلجم المعنى و تشده للكلمة، بحيث لا يمكن له أن يتحرك أبعد من تلك السلسلة، لكانت الدنيا أبسط بكثير، و لما كان هناك مجال للتلاعب بالكلمات، سيما وأنه لا نهاية لتخبطات الدماغ وتأويلاته وهواه... وبعد سنوات من القراءة اكتشفت أن مثل هذه السلسلة بين اللفظ والمعنى موجودة فعلا في عقول الراشدين من الناس، فالعلاقة بين الكلام ومعناه ليس أمرا اعتباطيا ولا وكالة من دون بواب يحق للمرء تأويله كيف يشاء ليخرج بما يشتهي من المعاني... فهناك لغة للنص وسياق ومقاصد ومراد للمتكلم، يعتمد الناس عليها لفهم الكلام، وعلى هذا بقاء العمران وأسس التفاهم بين البشر، وبناء العلوم والمعارف التي تقوم على الفهم المشترك في حقل معرفي ما... بينما مؤدى المناهج التي تقول بالتأويل المفتوح اللامضبوط كارثي وهي نظرات أقرب للهدم والسفسطة، لأنها تحطم اللغة من حيث كونها أداة للتخاطب تواضع عليها مجموع الناس، كما أنها ترفع الأمان عن النصوص، بحيث أن النص يمكن أن يعني كل شيء ولا يعني شيئا أيضا _وقد قالها أحد العابثين المجددين عن كتاب الله فعلا!!_ فلا يصير له حقيقة ذاتية، كوعاء فارغ، كل يملؤه بما يشاء!


- المعنى في القرآن ثابت قصدي (بمعنى أن في آيات الله قصدا معينا يريد الله إفهامه للناس على اختلاف درجات فهمهم)، ومهمة قارئه المسلم أن يهتدي بمعناه ويتأثر به... بينما التأويلات الاستغرابية الاستحداثية تريد منه أن يخلق هو المعنى وأن يعيد إنتاجه ويتدخل في صياغة معناه... وبدل أن يكون المقدس كلام الله، يصير المقدس الفهم البشري، وهو المركز المرجعي للوجود كما ترى الحداثة... وبعد أن كان الله هو الإله، صار إله الإنسان هواه... والقرآن كلام الله المبين الذي يخاطب به البشر ليفهموا معناه، بينما يراه بعض المحدثين العرب نصا يحجب أمرا ولا يقول الحقيقة وينبغي البحث عما يضمره ورفض ما يظهره، مقلدين بذلك بعض المناهج الغربية...


- المنهج في التأويل الذي يمارسه بعض الحداثيين على كتاب الله مدعين أنه اجتهاد وتجديد، لا يمكن أن يقبلوه هم أنفسهم في فهم عقودهم، ولا يمكن أن يتجرأوا ليمارسوه على القوانين والدساتير لأنه ليس هناك من محكمة على وجه الأرض تعتبر هذا التأويل أو تقيم له وزنا... بل إن من يمارس هذا الأسلوب يتوقع من المتلقي أن يفهم مقصده معتمدا على أن الإنسان العاقل من يفهم الكلام حسب وضع اللغة والسياق، ولا يرضى أن يُمارس على كلامه ما يمارسه على كتاب الله، وسيتهم الآخرين بإساءة فهمه! ولكن لماذا على المتلقي أن يفهمه كذلك ولا يتبع في فهم كلام الحداثي المنهج اللامنهجي الذي يتبعه في تأويل القرآن! بل إن هذا الأسلوب في التأويل هو عين ما يمارسه المتطرفون في تأويلهم للنصوص لسفك الدماء، وهكذ
ا يلتقي طرفي النقيض (المميعون والمتشددون) في ممارسة تحريف الكلام عن مواضعه، وتأويل النصوص المزاجي، عبر الاقتطاع من سياقاتها، والتكلف في لي أعناقها، وإهمال مقاصدها، وتحطيم كلياتها، لاستخراج الفكرة المشتهاة منها!

(قال ابن القيم: فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا من التأويل) ص637
 

وسأذكر بعض المباحث التي أعجبتني:
- مبحث رضوان السيد (غربة القرآن: انسدادات التأصيليات والبنيويات والشعائريات) تحدث فيه عن الغربة عن القرآن على مستوى النخب الدارسة العربية التي ظهرت في العقود الأخيرة وخاصة تلك التي سعت للقطيعة وعدم الفهم... وعن المحاولات الاستشراقية التي ساهمت في ذلك...


- بحث عبد الرحمن بودرع (معيار البيان في تصحيح صلة التأويل بالقرآن) تحدث فيه عن الفرق بين التأويلات الحداثية وآلياتها وبين معنى البيان ومعاييره.


- بحث عبد السلام الأحمر (طبيعة النص الشرعي ومسؤولية الذات المؤولة) وهو عن فكرة لطالما راودتني... ناقش فيه كيف أن القدرة على التأويل التي وهبها الإنسان هي جزء من حرية الاختيار، مع طبيعة النص القرآني، في هذا نوع من أنواع الاختبار والفتنة أيضا، ينجح فيها البعض ويغوى آخرين فيسقطون، (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) ولذلك فالمرء مسؤول أمام الله عن هذا... يقول:
(فعلى من يتلو القرآن أن يكون على حذر شديد ويقظة كاملة؛ لأنه في امتحان خفي، إما يخلص منه إلى مزيد هداية أو إلى شيء من الضلالة، وإما أن يكون القرآن حجة له أو حجة عليه). ص351


- بحث سامر رشواني (تأويل القرآن وسؤال التاريخ؛ قراءة في مدونات التفسير الأولى) فيه قراءة ذكية مقارنة لبعض مناهج التفسير الأولى، محاولة لرؤية كيف فهم المتقدمون من المسلمين علاقة القرآن بالتاريخ من حيث هو وقائع حفت بتنزليه، منتبها أن النظرية التقليدية ما زالت تملك في باطنها إمكانيات لم يتم اسثمارها والاستفادة منها على نحو يوفر للمفسر قدرة على الإجابة على تساؤلات زمانه من دون الحاجة لاستعادة زمان غيره...

أحب هذا النوع من الأبحاث التي تحاول قراءة التراث وتؤرخ لتطور المعرفة فيه، من دون إسقاط إشكاليات حديثة عليه وتحميله ما لا يحتمل...


- من المباحث المهمة مبحث عبد المجيد الصغير (المرجعية والسياق وصراع التأويلات؛ مراجعات نقدية في الفكر الإسلامي) حيث حدثنا عن تاريخ التأويل في الإسلام، وافتراقه عن تاريخ التأويل الغربي وافتراق وظائف كل منهما وبنيتهما ومعطياتهما، مما يعني الخلل المنهجي الذي ينتج حين أخذ مفرزات التجربة الغربية وإنزالها تعسفا على التجربة الإسلامية...
(مشكلة التأويل في الفكر الغربي لا تطرح انطلاقا من فرضية قصدية "البيان" والوضوح، بقدر ما تنطلق من فرضية قصدية التورية والتعمية "والغموض" المقصود في النص أو النصوص التأسيسة) ص167
 

- أيضا وجدت أعمال الباحثات ممتازة، وهذا أمر أسعدني، مثل بحث فريدة زمرد (حدود التأويل وخصوصية النص المؤول) تحدثت فيه عن قصدية المتكلم ومصادر تعيين المراد، وعن دلالة الخطاب، وحدود التأويل بين الظني والقطعي... وللدكتورة زمرد كتاب (مفهوم التأويل في القرآن الكريم؛ دراسة مصطلحية) من طبع الرابطة المحمدية للعلماء... أتمنى أن أعثر عليه...
 

- مبحث رشيدة زغواني (الوعي التأويلي وآليات فهم الخطاب الشرعي) ممتاز في بيان الوعي التأويلي المنحرف قديما وآليات فهمه للخطاب الشرعي، وخلل آلية القراءة الاستغرابية المعاصرة للقرآن المرتهنة ليقينية مفرزات الحداثة، وتحليل عقلية المؤول الحداثي... كما أعجبني استخدامها لمصطلح (التأويل العضيني) لوصف هذه التأويلات، أخذا من قوله تعالى (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أي مجزءا... ولا أدري إن كانت هي من نحتته أم أنه مستخدم قبلا، تقول: (فأولوا تأويلا عضينيا يجزئ النص ليقعدوا لإطلاقية حرية العقل، معتمدين تدمير اتساق السياق، الذي يلازم المعنى في البناء النظمي الكلي) ص625. وتنقل عن ابن حزم قوله: (والحديث والقرآن كله لفظة واحدة، فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر. بل يضم كل ذلك بعضه إلى بعض) ص619
 

- بحث فاطمة الزهراء الناصري (انفتاح النص وحدود التأويل) تحدثت فيه عن بعض النظريات الغربية التي تقول بالقصدية ووجود معنى محدد للنصوص وتقترب من النظرية التفسيرية في الإسلام، ولكنها لم تثر اهتمام الحداثيين العرب في تطبيقها على القرآن... ومن الأفكار اللطيفة التي ذكرتها: (وقد عرف أحمد صالح الشامي القصد في المجال الفني والأدبي بأنه "نفي العبث عن موضوع الجمال، والسلامة من العبث تعني وجود باعث وغاية للموضوع الجمالي... والعبث أمر يرفضه المنهج الإسلامي في أصوله وفروعه... كما يرفضه الجمال على وجه الخصوص، لأن الجمال تناسق وتوازن وإحكام. وهو يقوم على القصد والإرادة. والعبث لا يقوم على منهج وليس له غاية، ولذا فهو والجمال على طرفي نقيض. وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه السمة، يعني القصدية، وأولاها عناية خاصة تتناسب مع أثرها الكبير في أمر الخلق والاعتقاد كقوله تعالى "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" ..." وقال مصطفى الحيا: "في مقابل القصدية المضبوطة في الجمالية الإسلامية نجد إغراقا في العبثية في الثقافة الغربية.") ص662
 

- بحث ريحانة اليندوزي (ضوابط التأويل وأبعادها المقاصدية) أنقل منه بعض هذه الضوابط:

1- استحضار البعد المصدري للنص الشرعي، بمعنى أن القرآن نص إلهي
2- أن يكون اللفظ مما يقبل التأويل أصلا وداخلا في مجاله
3- لا يسوغ العدول عن الظاهر بغير دليل
4- أن يكون اللفظ أو الخطاب قابلا للمعنى الذي أول إليه
5- أن لا يكون المعنى المؤول إليه معارضا لنص صريح قطعي أو إجماع
6- مراعاة مقاصد الشارع الحكيم
7- أن يكون المؤول أهلا لذلك


هذه كانت بعض المباحث التي لفتت نظري، وهناك مباحث أخرى تطبيقية...

الكتاب هو من سلسلة الندوات العلمية التي تصدرها الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب... والمقدمة لأمين الرابطة أحمد عبادي ممتازة... وترافقت الندوة بإصدار مجلة للتأويل، والتي للأسف لم يتح لي الحصول على أي من أعدادها الثلاثة التي صدرت حتى الآن...
 

على أية حال الكتاب كان فاتحة لي للانتباه لإصدارات الرابطة المحمدية للعلماء القيمة... والتي أتمنى أن تصير متاحة بشكل أوسع...
 

كتاب مهم يستحق القراءة...
 

---
موضوع ذو صلة:

وهذا رابط مراجعتي لكتاب الأستاذ محمد محمد يونس علي، الذي يمكن أن يندرج تحت موضوع هذا الكتاب، كنت تحدثت عن العام الماضي: تحليل الخطاب وتجاوز المعنى؛ نحو بناء نظرية المسالك والغايات
 

 

--

التأويل سؤال المرجعية ومقتضيات السياق

لمجموعة من الباحثين

تقديم: أحمد عبادي

تحرير:  عبد السلام طويل ، محمد المنتار

سلسلة ندوات علمية (6)

منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، المغرب، (طبع دار ابن حزم بيروت، ط2، 2015)

 

سلمى

4 تموز 2017

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali