الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  تحرير المرأة في عصر الرسالة

 

 

تحرير المرأة في عصر الرسالة

 

 

 

 

كتاب عن المرأة في التشريع الإسلام في ستة أجزاء، و مادته هي نصوص القرآن و السنة الصحيحة، و كدت أقول لو أني عرفت به قبل أكثر من خمس عشرة سنة لكان وفر علي الكثير من الكتب متوسطة القيمة أو رديئتها التي قرأتها، و لكني فكرت أيضا أنه لو كنت قرأته مسبقا لكان ذهب عني الجهد البحثي و العقلي الذي قمت به طوال تلك المدة... و لذلك فلا للو في مكاني هنا...

أجمل ما في الكتاب أنه يضعنا مباشرة في العصر النبوي و كيفية تفاعل الصحابة و الصحابيات مع بعضهم في المجتمع، و كيفية فهمهم للوحي...
لن أتحدث عن الكتاب فقد تحدث عنه الكثيرون مدحا، سيما أنه ارتكز على النصوص الصحيحة، و حاول فهم المشكل منها بناء على المجموع الواضح، فلا إفراط تشديد العادات البالية المريضة و لا تفريط التأويلات المتحذلقة العلمانية... و هو جهد رائع، و إن كنت لا أتفق معه في كل شيء...


إنما سأذكر فقط بعض الملاحظات الشخصية و الذاتية على هامش الكتاب، كما هي عادتي من استغلال فكرة كتاب ما للحديث عن بعض أفكاري التي لم أجد حتى الآن طريقة لجمع تشتتها سوى هذه الطريقة:


- طريقة فهمي لحديث (ناقصات عقل و دين) و هو حديث صحيح، هي في رده على الآيات التي تذكر لنا بعض نقاط الضعف في البشر أيضا، من أمثال، (خلق الإنسان من عجل)، (إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا)، (وكان الإنسان قتورا)، (زين للناس حب الشهوات)، (وإنه لحب الخير لشديد)، (إنه كان ظلوما جهولا). حين يذكر الله لنا هذه الآيات فهو لا يذكرها لتكريس هذه الصورة بأنها أمر لا فكاك منه أو تبرير تصرفاتنا على وفقها، و إنما يذكرها للفت الانتباه إلى نقاط الضعف هذه، أي للعظة، لأجل أن يقوم بمجاهدتها و تشذيبها، فلا تغلبه، و قد آتى الله الإنسان القدرة على ذلك... و لذلك تجد مباشرة بعد قوله تعالى (خلق الإنسان من عجل) يقول: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون)، و قوله (و من يوق شح نفسه) و كل الآيات المتكررة عن من يتق و يعمل صالحا باستثنائه من آثار نوازع النفس هذه... و الحديث أفهمه بنفس الطريقة... فالعقل في الثقافة الإسلامية هو فعل و ليس ذاتا (وهي فكرة ذكرها أيضا الفيلسوف طه عبد الرحمن)... و الفعل يحصل بطلبه، و يزيد و ينقص بناء على الجد في طلبه، و هكذا فكما أن العلم بالتعلم و الحلم بالتحلم و الصبر بالتصبر فكذلك العقل إنما يكون بالتعقل (و صيغة التفعل تعني الطلب و التكرار)، و كذلك الدين بالتدين... فالحديث عظة من رسول الله للنساء في لفت أنظارهن إلى ما يمكن أن يجعلهن ناقصات لو لم يتقين ذلك، سواء من ظروف حياتها، كالعاطفية أو الابتعاد عن الحياة العامة مما قد يجعلها مقلة في طلب الفعل العقلي و مستغنية عنه، أو من العبادة السلبية المطلوبة منها بالامتناع عن الصلاة في فترة العذر التي قد توهمها بكونها إجازة من الدين برمته، و لذلك أمرهن بالتصدق في نفس الحديث... فالصدقة تزكي النفس و تعين على مجاهدة نوازعها... و يمكن أن نفهم هذا الأسلوب التحذيري في الحديث أيضا من كون الحديث نفسه يذكر نقطة ضعف الرجل تجاه المرأة، و الذي ليس مبررا له ليستسلم لنزعته هذه...
فالحديث يعبر عن أمور يفترض مجاهدتها في نفس كل من المرأة و الرجل، و قد آتاهما الله القدرة على ذلك، و ليس المراد تقريرها كخلـْـق لا مفر منه...

و بشكل عام و هو منهج عام فإن الآيات و الأحاديث تفهم بعضها مع بعض...
 

- بسبب قراءتي لكتاب (منابع الذات: تكون الهوية الحديثة) لتشارلز تايلر، صرت أقدر أكثر معنى أن يكون للدين نص محفوظ بما يحويه من أصول للتشريعات في كل مناحي الحياة، و تخصيص كل من الرجال و النساء ببعض الأحكام الأساسية (بالحد الأدنى من القطعيات)... أي وجود مركز ثابت يعرّف الضروريات، و معيار تقاس على وفقه الأشياء و تبنى عليها و يدار حولها... لأن الإنسان عاجز على الثبات في تعريف الأشياء حتى فيما يعتبر بديهيا... فإنسان العصر الحديث قد ابتلي بالنسبية و الذاتية (الباطنية) التي جعلت كل شيء هلاميا و سائلا و ممكنا... فمثلا الزواج لم يعد يعرّف بكونه بين ذكر و أنثى، و العري صارت له نفس قيمة الحشمة التي لم تعد فضيلة و إنما اختيارا مزاجيا، بل حتى جنس المرء لم يعد أمرا بيولوجيا و إنما اختياري يندرج تحت الحرية الشخصية... و قريبا ستصل حرية الاختيار لنوعه الإنساني، فيختار مثلا أنه قطة أو حجر و ليس إنسانا... أو ربما وصلت!
 

- الملاحظ أن الأحاديث الموضوعة و الإسرائيليات فيما يتعلق بالنساء كان موضوعها هو تحقير المرأة و تشويه مكانتها كما يعرّفها الإسلام، و قد كان للثقافات الوافدة التي احتك بها المسلمون حين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية دور كبير في هذه الثقافة المحقرة للمرأة، و تراجعها عن الدور الكبير الذي لعبته في صدر الإسلام في فترات معينة... و هذا يجعلنا نفهم جزءا من البيئة الثقافية المضادة للإسلام التي كان الفقيه في التراث يحاول محاربة غلوائها، و التي نشأ فيها بطبيعة الحال و بني جداله و حلوله في فضائها، و نفهم لماذا بعض المسائل في بعض المدونات الفقهية ملوثة بشيء من هذا الجو... و عموما هي لم تكن بيئة واحدة على امتداد الرقعة الإسلامية و الفترات، و هذا أمر مهم الانتباه له، لذلك تجد اختلافا كبيرا في الخطاب في هذه المدونات... و الجميل في هذا الكتاب أنه سلط الضوء على أقوال لعلماء معتبرين من التراث تعارض ذلك التنطع...
 

- مع العصر الحديث ظهرت مسألة المرأة، و صار هناك تعسف مختلف و خطاب معاد من نوع آخر... و انضم إلى الإشكاليات ذات النفس الجاهلي إشكاليات جديدة من نوع معاكس، و ما تحريف الكلم عن مواضعه الذي يحاوله العلمانيون مع الآيات و الأحاديث (و هو نوع آخر من الوضع) إلا لأجل استخلاص المفاهيم الغربية منها و إعادة تعريف المرأة على وفقها... و لذلك يفترض بالفقيه المعاصر أن يكون على بينة من واقع الحداثة الذي شكل جزءا من شخصياتنا و ملأ مجتمعاتنا باستشكالات من نوعية مختلفة عما كانت... بالإضافة إلى أحمال التخلف المعروفة للعادات الجاهلية على الجانب المعاكس...
 

- من الضروري جدا وجود الفقيهات و العالمات بالدين اللواتي يملكن القدرة على المحاججة و الاستدلال، إذ أن لهن قدرة على النظر للمسائل من زوايا أخرى لا يقدر الفقيه الرجل على الانتباه لها، و تقاعسهن عن المساهمة تجعل الصورة عوراء... و يحضرني هنا قصة الفقيهة فاطمة بنت عباس البغدادية التي كانت من فقيهات دمشق و القاهرة في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) و التي كانت معروفة بذكائها و ورعها و كان لها مجادلات مع الفقيه صدر الدين بن الوكيل في بعض مسائل النساء الفقهية، فراجت عليه، ثم قالت له: أنت تدري هذا علما و أنا أدريه علما و عملا...
 

- حالة الانهزام الحضاري التي نعيشها حاليا أمام حضارة أقوى، تعني أن الآخر يملك قيمة تعريف الأشياء، و تصنيفها حسب ميزانه الأخلاقي و فرضه على العالم كونه كونيا مطلقا... من بينها تعريفه للمرأة و النموذج الأمثل لها و لما تكونه و ما ترتديه و كذلك الرجل... و الإسلام يقدم نموذجا آخر... و لكنه حاليا مرتبط بأمة ضعيفة و مقصية و مستنزفة... و الذات المسلمة التي تؤمن بالوحي و مجاوزته للتاريخ، تعيش في هذا العصر نوعا من التشتت، و عجز عن تحديد هويتها، و ربما نتج حالة تلفيقية متنافرة ممسوخة أو تطرف حاد عجيب نحو أحد النقيضين... و لذلك من المفيد جدا القراءة في أمرين: في الحداثة و أثرها، و أيضا في التاريخ الإسلامي الاجتماعي من خلال كتب التراجم و السير، و رؤية كيف تفاعلوا مع التشريع في بيئاتهم، و كيف كانوا ينظرون لأنفسهم و يعبرون عنها من دون تسلط تعريفات الآخر لهم، و لا سيما القراءة عن الحياة الاجتماعية في صدر الإسلام تحديدا، و هذا الكتاب مفيد لهذا الغرض كبداية... و لذلك صرت مهتمة بقراءة تراجم النساء عبر التاريخ الإسلامي، و كيف فهمن أنفسهن و تفاعلن مع مجتمعاتهن عبر العصور، و قبل عصر التيه الحداثي الذي تلاعب بتعريف الأشياء على مستوى العالم و حوّل الناس لنسخ مشوهة من نسخة أصلية هلامية لا شكل لها ابتداء...
 

- من الأمور التي لفتت نظري هو أن الهدي النبوي لم يضع قالبا محددا لما تقوم به المرأة، فلم يحجم همة النساء ذوات المعالي اللواتي أبدين رغبة في القيام بما هو زائد عن المعتاد النسوي المعاش ضمن الفضاء العام، مثل الصحابية أم حرام التي رغبت في أن تكون ممن يركبون البحر حين حدث عن أصحاب له يغزون البحر فدعا لها أن تكون منهم، فكانت منهم، أو التي طلبت وقتا زائدا لهن ليخصصه لتعليمهن، أو اللواتي كن يشاركن في الغزوات و يداوين الجرحى... كما أنه في الوقت نفسه لم يطالب مجموعهن بأكثر من أن يحسن ضمن محيطهن... فليس كل النساء كتيك...
الغلواء في تنميط النساء في أدوار معينة في المجتمع مفسد، فالطبيعة البشرية قائمة على تنوع الاهتمامات...
 

- يمكن تلخيص العلاقة بين الرجل و المرأة في الفكر الإسلامي بقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) و الولي هو النصير و الحليف و القريب... لا هو تحارب و لا تظالم و لا تبادل اتهامات و لا تسفيه و لا سوء ظن... و إما أن نخرج من المحنة التي ألمت بالأمة معا أو كلنا سنغرق في النهاية... و أنا متفائلة في المستقبل، فرغم قتامة المشهد لكن هناك أيضا الكثير من النساء و الرجال الرائعين الذين يهمهم أمر هذه الأمة، و يحاولون... كما ذكر أحدهم أن التفاؤل الذي عندنا هو بحجم المصائب التي مرت بنا...
 

أنهي بهذين الاقتباسين:
- أخرج مسلم في صحيحه: (عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: لا تمنعوا نسائكم المساجد إذا استأذنكم إليها. قال فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتقول والله لنمنعهن!) >> أفضل رد على المتنطعين هو بأن يتعلم المرء أمور دينه...
- عن عائشة بنت طلحة قالت: قلت لعائشة و أنا في حجرها و كان الناس يأتونها من كل مصر فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها و كان الشباب يتأخّوني فيهدون إلي، و يكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة: يا خالة هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة: أي بنية فأجيبيه و أثيبيه فإن لم يكن عندك ثواب أعطيتك، قالت: فتعطيني.
حديث حسن، من كتاب صحيح الأدب المفرد، باب الكتابة إلى النساء و جوابهن.
ينتابوني: يحضرون إلي
يتأخّوني: يتخذوني أختا
 

كتاب جدير بالقراءة، و تقيمي له أربع نجمات من خمس...
 

 

--

تحرير المرأة في عصر الرسالة

لمؤلفه المصري: عبد الحليم أبو شقة

دار القلم - الكويت، ط7، 2009م

 

سلمى

5 أيلول 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali