الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  عن عجائب المقدور في أخبار تيمور

 

 

عن عجائب المقدور في أخبار تيمور

 

 

 

في معرض الشارقة للكتاب قد عرضت هذه الطبعة الاستشراقية العتيقة لكتاب عجائب المقدور في أخبار تيمور لابن عرب شاه الدمشقي، طبعة لندن 1636 م
وكتاب عجائب المقدور واحد من كتبي المفضلة، ويا للغرابة! فما كنت أتوقع حين أقدمت على قراءة كتاب تاريخي عن تيمور لنك لأتعرف على فظائعه، أن الكتاب سيأخذني لمنحى آخر حيث عشت معه تجربه جمالية ما عشتها مع كتاب قبلا، فهو من أعجب الكتب بيانا وأكثرها فرادة، وهو تحفة أدبية حقيقية... أقول هذا وأنا قليلة التذوق للشعر والبلاغة، لكني ما زلت أذكر كيف سحرني حين قرأته، حتى صرت أتلذذ بقراءة مقاطعه بصوت عال لأستمتع بالتلاعب المبهر بالكلمات مع السجع... ولذلك لا عجب أن اعتبر المستشرقون كتاب ابن عرب شاه كنموذج على الإبداع العربي الرفيع ولذلك صار يدرس لطلاب الدراسات الشرقية لتعريفهم على الأسلوب البلاغي المميز للذوق الشرقي في القرن السابع عشر...
وابن عرب شاه هو أحد ضحايا تيمور لنك، فهو دمشقي المولد، وحين اجتاح تيمورلنك دمشق أسره طفلا بجملة كل من أسرهم وساقهم من أهلها بعد أن دمرها، لكن الله قد جعل له في هذه البلية نعمة... فلكون تيمور قد جمع حوله أمهر الصناع وأفضل العلماء وساقهم من بلدانهم، فقد أتيح لهذا الطفل أن ينشأ في هذا الجو العلمي، فامتلك ناصية البيان وكانت النتيجة هذا الكتاب...
ولكن الاشكالية التي التصقت في ذهني عن الكتاب، أن كيف تأتى له أن يكتب جمالا كهذا لموضوع بهذا القبح... حتى يحار المرء فلا يدري هل يذهل من شناعة الوصف أم يذهل من سحر اللغة... هل يرتاع من صليل المعارك أم يسكر من جرس اللغة... ويخجل المرء من نفسه أن أكثر ما يذكره من كل هذه الفظائع المتوحشة أن الكتاب تجربة بيانية لا تنسى... سامح الله ابن عرب شاه، لو أنه وجد موضوعا آخر ليصب فيه كل موهبته... لكن من يدري ربما لو كان موضوعا آخر ما كان التهبت روحه فبلغ من الجمال أقصاه...
وهذه أمثلة منه:
-
(فعبّى كل عسكره، ما بين ميمنة و ميسرة، و مقدمة و مؤخرة، ثم تدانوا و تكانوا، و تعاونوا و تعانوا، و تراجزوا و تغانوا، و تعانقوا و تهانوا، و تناجزوا و تفانوا، و التقت الرجال بالرجال و الخيل بالخيل، و ارتفع ظلام القتام على رؤوس الأسنة فرأوا في صلاة الظهر نجوم الليل... ثم عند منتصف النهار، انكشف الغبار، عن طود قندهار هار، و سعد أولئك الكبار بار، و عليهم غبار العثار ثار، و خبرهم بالانكسار سار، و صيت خليل سلطان إلى الأقطار طار، و إلى الآفاق بالانتصار صار، فولى بير محمد و على رأسه بحر الدمار مار، و في قلبه زناد البوار وار، حتى كأن في قلبه جمر الغضا و الغار غار، أو في كبده نار لهيب المرخ و العفار فار، و جندلت رجاله، و أبطلت أبطاله، و نهبت أثقاله، و تحولت أحواله، و سبي حريمه و عبيده، و سلب طريفه و تليده، و تشبث هو بأهوال الهزيمة، و علم أن إيابه نصف الغنيمة)
- أو مثلا تلاعبه بالأبراج:
(فأرسل إلى أمم عساكره أن يستوفزوا، و يأخذوا أهبة أربع سنين أو أكثر و يتجهزوا، فلبت كل أمة دعوة رسولها، و شنفت بإفراط مراسيمه آذان قبولها، و حمل كل أسد جوزاء عتاده، و امتطى جدي بغيه، و أعد كل ثور سنبلة زاده و دلو سقيه، و دب كل عقرب منهم دبيب السرطان، و انسابوا انسياب الحوت في بحار العدوان، مجازفين مظالم العباد بلا كيل و لا ميزان، فأبرد هلال القوس سهم برده بمرسومه إلى كل صماخ، يخبر أن جند الشتاء على عالم الكون و الفساد أناخ)
- و هناك مثلها في الأحرف و معانيها... و أيضا في بحور الشعر كما هنا:
(فأول ما أضمروا لهم في ذلك الزحف قطع الرأس و خبل العقل و قطف الكف، فصلموا بالرمح الطويل عقلهم، و ثلموا بالرشق المديد شكلهم، و بتروا بالعضب البسيط وافرهم، وشتروا بالسهم السريع كاملهم، فخذوهم وقصموهم وخزموهم وخرموهم وشعثوهم و ثرموهم و جموهم ووقصوهم وعصبوهم وعقصوهم وخذلوهم ونقصوهم و ازدحموا و اقتحموا، و اشتدوا و التحموا، و لا زالت أقلام الخط في ألواح الصدور تخط، و العضب الصمصام لرؤوس تلك الأقلام بالأعلام تقط، و مشاريط النبال لدماميل الدمال تبط، و الأرض من أثقال جبال القتال تئط، حتى سجى ليلا الظلام و أغطشا، فتراجعوا و قد أعطى الله النصر لمن يشا) >>> و شو مجنون هالابن عربشا...
- وأنهي بحمده الله رحمه الله...
(الحمد لله الذي أدب عبده أحمد فأحسن تأديبه، و خصه إذ رباه يتيما و أنشأه غريبا بكل يتيمة و غريبة، و أظهر له في بيان بديع المعاني منهج كل فن و أسلوبه، فأعجب أهل زمانه إذ أعجزهم بما أتاهم به من كل أعجوبة.)
سلمى
3 تشرين الثاني 2016

 

 

--


 

سلمى

3 تشرين الثاني 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali