|
|
الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> فلسفة المتكلمين |
||||
|
فلسفة المتكلمين
هذا الكتاب ما انفك يصيبني بالدهشة و الذهول على مدى جزئيه،
فالدخول فيه مثل الدخول في متاهة عجيبة قوامها انفصال الكلمات عن معانيها و
هيامها على وجهها و تخبطها يمنة و يسرة...
الكتاب معلوماته غزيرة و متشعب، و فيه مقارنات كثيرة، و معقد... و قد بذل فيه ولفسون جهدا كبيرا و عظيما... لكنه لم يعتمد المنهج الوصفي فقط... و إنما أتى إلى كل هذا و فكرة مسبقة في ذهنه أراد إثباتها عبر هذا السرد المسهب... فاتبع منهجا افتراضيا استنباطيا قائما على التخمين و التحقق، و حاول تطبيقه على بعض النصوص، أشبه بتجربة في المعمل على الأرانب كما أخبرنا في المقدمة... و لكن برأيي أتت نتائج تجربته غير مقنعة في مواضع كثيرة... فالافتراض كان فيها ضعيفا، متجاوزا ما هو أولى منه، (مثلا افتراض صلة براهب مجهول كمنشأ لفكرة ما، و تجاوز النص القرأني الذي يشير لها)... فولفسون يحاول إرجاع كل فكرة لأصول سابقة أيا ما كانت، المهم أنها ليست أصيلة لدى المسلمين، و هذا ما يجعله يفهم المصطلحات الإسلامية بطريقة لاهوتية مسيحية، حتى لو عبر الاقتطاع من الكلام المقتبس بتعسف و التلفيقات الهشة التي لا برهان عليها، بالإضافة إلى خلط بين النص الإسلامي الثابت مصدر العقيدة و بين اجتهادات المتكلمين...
لكن المترجم مصطفى لبيب نوه عند كل موضع من هذه المواضع و
رد عليه، و اللطيف أنه لم يستلزمه نقاش مطول ليفند هذه الفرضية أو تلك، فكل
ما فعله أنه غالبا ما كان يستحضر في الحاشية المقطع الذي يذكره المؤلف من
الكتب المقتبسة بأسلوب مؤلفيها كاملة ضمن سياقها... و هنا نلاحظ الفرق بين
النص المقتبس من الكتاب التراثي و بين كيفية فهم ولفسون له... و يبدو غريبا
أحيانا كيف أوّل ولفسون النص...
و لأجل الصدفة فحاليا أقرأ كتابا هو على النقيض من فكرة هذا
الكتاب، و هو كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام، لـ علي سامي النشار...
فمثل ما أن ولفسون يرد أصل كل فكرة عند متكلمي المسلمين لمن سبقهم و كأنهم
لم يأتوا بأي شيء من لدنهم، فالنشار ينكر أية تأثر، و أن علم الكلام نشأ من
متطلبات داخلية بحتة، معتمدا في جداله منهج النص القرآني و الحديثي و على
بنية اللغة العربية... هذا ما كان بشأن الكتاب نفسه...
و هكذا تشهد كيف لتفاصيل نحوية كالاشتقاقات أن تتحول
لإشكالات عقلية فتخرج من المبحث و قد تشوهت دلالات الكلمات المعروفة و
تحولت لمتاهة... و ينفلت زمامها و تصير هائمة عن معانيها...
و كيف تعسّر العقول المتفلسفة كلمات الله، حتى تحول البيان
إعجاما، في مقابل ذلك الوضوح و الإبانة لكلماته: (و لقد يسرنا القرآن للذكر
فهل من مدكر)... بين عجز عبارة الإنسان و إعجاز عبارة الله... ---
هاري ولفسون
--
فلسفة المتكلمين The Philosophy of the Kalam لمؤلفه الأمريكي: هاري أ. ولفسون Harry Austryn Wolfson ترجمة: مصطفى لبيب عبد الغني المركز القومي للترجمة، ط2، 2009
سلمى 20 كانون الثاني 2016
|
|
|||
|
|
||||
|
|