الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  فن الإغواء

 

 

فن الإغواء

The Art of Seduction

 

 

 

 

يقول الله تعالى: "و الشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون و أنهم يقولون ما لا يفعلون."
لطالما فكرت بما يملكه الشعراء حتى يجعلوا الآخرين يتبعونهم، مع أنهم تقريبا لا يملكون شيئا ملموسا يعطونه، فهم لا يملكون إلا القول!
و لكن هذا تحديدا هو ما يجعلهم متبعين... أعني البيان... فالكلام سلطان... و اللغة ليست وسيلة للتواصل للإنسان و حسب، بل هي ما يشكل حواره الداخلي و فكره و وعيه الذي يحركه، فهي مفتاحه... و لأن كل شيء ممكن ضمن نطاق اللغة، فمالكي القدرة على البيان يستطيعون فعل أي شيء عبر اللغة، و إعطاء ما لا حد له ضمنها، فيهيمون في كل مكان و يفعلون الأفاعيل و يعدون الوعود و يشيدون الصروح بالكلام...
لكن رغم سلطة الكلام إلا أنها كثيرا ما تكون وهم مخاتل، و لذلك وصف الله بكلمة دقيقة من يتبعهم بأنهم الغاوين...
فلو أردت تلخيص آلية الإغواء و السيطرة ما وجدت خيرا من هذه الآيات المعجزة، بكلماتها الدقيقة و أركانها الأربعة: الشاعر (أي البيان) + شخص غاو يتبع + الهيمان في كل واد (أي تلون) + قول بلا فعل...

و ما انفكت الآية تخطر ببالي و أنا أقرأ كتاب (فن الإغواء) لـ روبرت غرين... فهذا الكتاب يتحدث بإسهاب عن كيف تغوي الآخرين، إما بمعناه الأخص للحصول على شهواتك من الأفراد، أو بمعناه الأعم للسيطرة على الجموع كالسياسيين و الإعلانات و أصحاب الدعوات... الكتاب مفصل و مقسم و مبوب لشخصيات و حالات، مع أمثلة كثيرة لكل حالة من التاريخ و الأدب و استخلاص الآلية منها... و تلخيصا لبعض النقاط الرئيسية أقول:
- أن الإغواء بالمقام الرئيسي قائم على الإيحاء النفسي: "الإغواء لعبة سيكولوجية و ليست جمالية" ص22... و ركن الإيحاء النفسي هو الكلام، و بدرجات أقل الصورة و الحركات... فالمطلوب أن تعلم ما يريده الآخر فتسمِعه ما يريد سماعه، و توهمه بأنك تملك ما ينقصه و يحتاجه، فإن لم يكن ينقصه شيء، فتوهمه بنقصانه، و توحي له بأن لديك شيئا زائدا مبهما... حتى لو أنك حقيقة لا تملك هذا الشيء، و لا أحد يملكه على الأغلب، لكن هذه هي براعة الإيحاء... و الناس بمعظمها ترغب بشخص يجعلها تعيش مغامرة تخرجها من رتابة واقعها، و يعدها بعوالم لم تختبرها، حتى لو لم يكن لها وجود... أي راغبة بأن تـُغوى...
- الكتاب يركز على نقطة مهمة أيضا و هو أنه لا يمكنك إغواء من لا يريد أن يُغوى، فصاحب الهدف أو القضية التي تملأ تفكيره و تشغله عن كل شيء، أو المهموم بهم كبير، أو الذي يشعر بالاكتمال، أو الذي يكره ذاته و يستعذب تحطيمها و لا يعجبه شيء، فهؤلاء لا يمكن اغواؤهم... و لذلك فلن يتبع المغوي إلا شخص غاوي، بإرادته... أليس هو اعتراف الشيطان في الآخرة: "و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم". و لذلك يقول الكتاب أن على المغوي أن يختار ضحية مناسبة _كما وردت تسميتها في الكتاب_ و إن لم تنجح بإغواء فلان من الناس، فابحث عن غيره... فهدف الكتاب هو الغواية بحد ذاتها و اصطناع أتباع... و القابلين لذلك هم الكثرة الكاثرة...
- الرجال الذين يملكون جانبا أنثويا فيهم، و النساء اللواتي يملكن جانبا ذكوريا فيهن، هم الشخصيات الأكثر قدرة على الإغواء على المدى البعيد، لأنهم يفهمون آلية تفكير الطرف الآخر و يربكونه فتصير دفاعاته أضعف أمامهم، على عكس نماذج الرجال و النساء الصرفة التي يرصدها كتاب "الرجال من المريخ و النساء من الزهرة"... و الجدير بالذكر أن الكتاب من الدهاء بحيث يحلل الشخصيات و لا يفترض بسذاجة أن النساء امرأة واحدة و الرجال رجل واحد فيحشرهم في كوكبي المريخ و الزهرة... فالناس لهم ألوان كثيرة و ما يوافق فئة لا يناسب أخرى، و لذلك يقسم أنواع المغوين إلى تسعة أنواع، و الغاوين إلى ثمانية عشر نوعا... و ما المغوي إلا الحرباء التي تستطيع أن تستشعر لون السياق التي هي فيه و يناسب قدراتها فتتلون به...

 


- الأقل اكتراثا هو من يستطيع التحكم أكثر... و الناس تحب ملاحقة ما فيه لمسة غموض... و المباشرة و الوضوح تقلل الجاذبية... و التسرع مفسد لكل الخطط...

- الناس تتصور المرء و تعامله كما يقدم لهم ذاته و يوحي لهم...
- الجماهير لا تميل لمن يخبرها بالحقائق، و إنما تفضل من يسكرها عن طريق العواطف و المشاعر الوطنية...

- تسويق الأفكار و حتى المنتجات لا يكون بطرحها مباشرة، و لكن عبر وسائل تخفي المراد منها و تؤدي لها...
- من أكثر الفصول التي لفتت نظري، هو الإغواء عن طريق الروحانيات و الكلام العميق، حيث يغلف المغوي أغراضه الشهوانية بحديثه عن معان عميقة، و الحب الإلهي و القدر و الروح و الفن و الأدب الخ... ثم يتماهى مع ما يقوله بإعطائه بعدا دراميا، فيصير كأنه هو العمق بنظر الضحية، و بذلك تصير أغراضه المادية و الحسية و كأنها تجربة روحية للمتلقي... أليست هذه صنعة الدجاجلة؟ تبني هذا النوع من الروحانية الاستهلاكية، تقوم على نفس المبدأ، اشعر معنا بالراحة و لا داعي لتغيير شيء في حياتك و لا في هذا العالم الفاسد حولك، كل المتع متاحة، و لا داع لبذل أي جهد أخلاقي، كم دمعة و كم حكمة رخيصة بكلمات شاعرية و عائمة تحتمل مليون تأويل لتناسب جميع الأذواق مع حفنة من طقوس مسلية و غرائبية تشعرك بأنك فعلت شيئا ما و من دون أن تكلفك عناء التغيير و الاختيار الممض و الوقوف المتعب مع القيم و الحق و مجاهدة النفس... منذا الذي لا يرغب بتجربة روحية تريح ضميره من دون عناء و تغمسه بالمتع الحسية؟! الكثرة ترغب...


ثم إن الكتاب و على طريقة علب السجائر التي تضع تحذيرا بخط غير مقروء، فإنه في نهاية كل فصل يضع مساوئ هذا التكنيك أو تلك الخطة بحفنة سطور... حيث يذكر لك بعض التوقعات السيئة بطريقة لا تخلو من طرافة، فقد تجلب إليك نوعيات سيئة من البشر لم تكن في حسبانك، و هذه أحد الأعراض الجانبية للإغواء حيث لا يمكنك التحكم بأنواع البشر التي قد تنجذب لك، أو قد تتسبب هذه التكنيكات بعد كشفها و فضح أمرك أو السأم منك، بنبذك أو ضربك أو ملاحقتك أو خسرانك لكل ما تملك أو حتى طيران رأسك...


الكتاب وضيع و لا يخفي وضاعته، بل في كثير من الأحيان يبرزها كشيء جذاب، ممارسا غوايته على قارئه، فيزين الوقاحة و الوضاعة موحيا للقارئ و واعدا بالنجاح... محاكيا بذلك ما يخبر به... أفليس زير النساء لا يخفي وقاحته و لا تاريخه، بل يتبجح بها و تكون عنصر جذب له؟ لأن هذا من قبيل مقاربة الممنوع و الإيهام بأن هناك لذة سحرية و مغامرة مبهجة فيما هو ممنوع و شرير، ألم يقل الشيطان لآدم: "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين"... و لكن هل حقا كان في تلك الشجرة هذه القوة؟ لا... فهي لم تكن أكثر من كذبة... ثم هل كان آدم عليه السلام يحتاج حقيقة لما وسوس له الشيطان بما تفعله الشجرة، و هو متحصل لتوه على كل شيء و لا حتى أن الموت يتهدده... إنما هذا فعل المغوين الإيحاء بالنقصان و الحاجة لما يخبر به المخادع... و إذن لا يمنع الله أمرا إلا لنتيجته السيئة حقيقة...


المؤلف روبرت غرين هو محاضر و مؤلف أمريكي، كتبه من أكثر الكتب مبيعا، و لا عجب، إذ مواضيعه تدور حول الاستراتيجيات و السيطرة، منها كتاب كيف تمسك بزمام القوة: 48 قاعدة، و كتاب 33 إستراتيجية للحرب، و كتاب فن الإغواء الذي نشره عام 2001.
إذن الكتاب هو من كتب التنمية الذاتية الوصولية، فلا مبدأ أخلاقي و عنده الغاية و الوسيلة كلتاهما منحطتان... و لكني وجدت قراءته مسلية و مفيدة، فهي تشرح ما تلاحظه حولك... و لمن هو طيب بزيادة فقراءته ضرورة... هل على المرء إن كان طيبا و أخلاقيا أن يكون غافلا؟ و ما أحزنني هو رؤية كيف قد يبذل شخص مخادع كل هذا الجهد و التخطيط لأجل شهوته و مكتسباته الآنية، بينما تجد شخصا أمينا لا يعلم كيف يخطط و يدبر من أجل حق أو خير... و مع أني أحب الطيبين و لكن هذا لا يمنع أنهم يرفعون لي ضغطي في كثير من الأحيان، رضي الله عن عمر الذي قال: اللهم إني أبرأ إليك من جَلَد الفاجر و عجز الثقة... و لا أعني بهذا أن يتحول المرء لشخص مخاتل، و لكن أحسب ليست الصراحة و المباشرة كلمات رديفة للصدق و الأمانة و الخير، فهناك مسافة ما بين هذه الكلمات يمكن العمل ضمنها... و في المعاريض مندوحة عن الكذب... بل كما يقول سيدنا عمر أيضا: لست بالخب و لا الخب يخدعني.
يقول روبرت غرين في مقابلة معه حين سئل إن كان يظن كتبه ستجعل العالم أكثر شرا: "سيكون أمرا مريعا لو أني كنت أفكر هكذا، فالناس الأشرار و المتلاعبون لا يحتاجون لكتاب، فهم سيقومون بهذا على أية حال... معظم الناس تقول لي قد أنقذت حياتنا شكرا لك."
 

و حقيقة لم يكن ليجذبني موضوع الكتاب لأني لم أعد أميل كثيرا لقراءة الكتب عن السلوك البشري بعد أن كانت إحدى مفضلاتي سابقا، بل صرت أفضل حاليا القراءة عن الأفكار المجردة، لولا أنه اقــُترح ضمن قراءة جماعية لكتاب بالانكليزية، لينتهي الأمر بأن أستمر بالقراءة وحدي، فكان ذلك دافعا لإتمامه حتى أجاكر الذين تقاعسوا... و بعد أن أنهيته، يسعدني أني قرأته، و أنهم قد فاتهم ما فاتهم... صحيح أنه كان كتابا طويلا (500 صفحة) و فيه تكرار كثير حد الملل، و مبالغة ساذجة كنوع من البهرجة المخاتلة التي يمارسها الكتاب كتطبيق عملي لما ينصحنا به، محاولا إغواء قارئه، و أن هناك نسخة مختصرة منه، و لكني آثرت قراءة النسخة المطولة كاملة لأن ما اختصر هو أمتع ما في الكتاب، و هي الأمثلة من التاريخ و الأدب من الشرق و الغرب، بجهد واضح من مؤلفه، اللهم إلا إغفاله تاريخنا العربي الذي غاب رغم امتلائه بالكثير من قصص الغواية و المكر مما يتيح تأليف كتاب كامل... و كنت أتتبع هذه القصص و أرى كيف انتهى بعضها _على خلاف النهايات السعيدة التي قد يوحي بها جو الكتاب_ حتى تكون الصورة بشكلها الأكمل واضحة أمامي... و أكثر قصة علقت في ذهني هي ما حصل في نيويورك عام 1929، على يد إدوارد بيرنيز Edward Bernays و هو الأب الروحي للبروباغاندا و فن التلاعب بالجماهير، و هو ابن أخت سيجموند فرويد، و أول من استخدم مكتشفات علم النفس و علم الاجتماع في الحقل العام... حيث استغل دعوة المساواة بين الجنسين التي بدأت تنتشر و افتعل مسيرة نسائية لكسر التمييز بين الجنسين عبر سكرتيرته التي دعت المطالبات بحقوق النساء لهذه المسيرة، و كان الغطاء المستخدم هو التدخين على الملأ كالرجال لأجل المساواة، و لأنه كان عيبا اجتماعيا للمرأة فلا بد من تحطيم هذا التابو، ليتضح أنه كان يعمل مستشارا تسويقيا لشركة تبغ طلبت خدماته لتسويق التدخين لدى النساء، و النتيجة طبعا كانت زيادة مبيعات الشركة و اكتسابها زبائن جدد!

و على هذه الشاكلة مضمون الكتاب الذي قد يوسوس بالإحباط لو فكر المرء كيف تستثمر القوى المسيطرة في العالم هذه العلوم و تحيك مؤامراتها... لكن بنظرة أعمق فإن وسائل المخادعين و إن لم تكن عادلة، لأنهم يضربون من تحت الحزام، و ليس من مبدأ لديهم، بينما يفترض بالمؤمنين أن لا ينحدروا إلى هذا المستوى الوضيع، و يظلوا متمسكين بالمبادئ الأخلاقية غير متجاوزين الحدود التي وضعها الله... و إن يكن هذا كله فإن المؤمنين لن يعدموا الوسيلة إن بذلوا جهدا و أعملوا حنكة و كانوا متيقظين، و لا يتركون الأمر للعفوية الساذجة أو ردود الأفعال العاطفية أو للجهل بالواقع و الحياة ثم يتساءلون لماذا لم ينتصر الحق، و لماذا تنجح مؤامرات الآخرين فيهم... إنما توعد الله بنصر الحق أمام الباطل و رد كيد الكائدين شريطة أن ينصر المؤمنون الحق ابتداء بما يليق به و يعدون العدة الملائمة... فلا عذر لأمة غافلة كما يقول المتنبي:

و من عرف الأيام معرفتي بها ... و بالناس روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظفروا به ... و لا في الردى الجاري عليهم بآثم
 

أخيرا أقول أن القدرة على الإغواء تمارس غوايتها على من يملكها قبل أن تمارسها على أي أحد آخر، و المرء يسكر نفسه ببيانه _و هو يراه متولدا منه و لا يدري الكيفية_ قبل أن يسكر غيره، و قدرته هذه قد تكون شركا له يقع فيه قبل غيره... لذلك يقول الله تعالى استكمالا للآية التي ابتدأتُ بها عن الشعراء: "إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا و انتصروا من بعد ما ظـُلموا و سيعلم الذين ظـَلموا أي منقلب ينقلبون."
فإذن لم يكن الذم للشاعر _المغوي المتبوع_ لذاته، و لا لملكته، و إنما لما فعله بها... و لذلك يرشده لأربعة أمور واضحة في الآية تعينه على مقاومة فتنة ما يملكه و لجم جموحها: الإيمان و العمل الصالح و ذكر الله كثيرا و استخدام قدرته فيما هو حق... و كم يحتاج لاستحضار قدرة الله عليه كلما زُينت له قدرته على الناس! ثم يذكره بأن المنقلب إليه و حينها سيحاسب الظالم على فعله... فإن التزم بهذا يكون أنجى نفسه من نفسه، و تمتع بما أوتيه فيما لا يغضب الله...

و رضي الله عن الصحابي قيس بن سعد الذي قال: لولا الإسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب.
 


 

 

--

فن الإغواء The Art of Seduction

لمؤلفه الأمريكي: روبرت غرين Robert Greene


 

سلمى

قرئ في كانون الأول 2014

كتب في كانون الثاني 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali